قصة

 

وكانت البداية

بلال الحراق



 

 

 

وكانت البداية

 

                     كان    الوقت    ظهرا.ً   الجو مزيج  من ألوان الضجر .  والشمس   في كبد   السماء      تُلقي  بلهيبها   على السّحنات  و الأجساد  الفائرة ،   من  خَلَل السحاب      تتململ وتتمطّى .  و على  طول  الرصيف  تصطفّ أشجار النخيل  في  خُيلاء  ,   تتحاذى   وتتنافر .  بين  جدائلها   ابتنت    الطيور أعشاشها ,  فهي  تؤُمّها بين الحين والآخر زرافات ووحداناً ,  وتملأ المكان  بزقزقاتها  التي تضيع مع هدير المحركات وإيقاعات الأبواق المتسارعة المتباطئة..

 

                     في وسط الطريق  وقف (حُّدو) يلوّح   بقنينة   خمر فارغة.  يعترض  سبيل السيارات  فتغير اتجاهها, تنفر منه دون أن تتوقف,  تنجو سيارتا تاكسي  من اصطدام وشيك , فيمطره سائقاها بسيل الشتائم و  اللعنات.لايأبه  لهما كما  لايأبه بالألم الذي ينبعث من جرح  في إحدى  قدميه الحافيتين. كان يسير بخطوات  مترنحة,  يعدُّ خطاه.  وُتجلجل ضحكته  بين الحين والآخر حين    يلتفت وراءه,   قافلة السيارات  من خلفه  تقتفي خطاه, لا يأبه لأبواقها,  يلتفت  ويُقهقه ..  كان  يتوسط  الطريق ,  يتوقف   يحكّ شعر صدره الكثيف ,  فتتوقف  من وراءه  القافلة  وأبواقها لا تنقطع. يحسّ  بالزهو,  وتغلي الخمرة  في  رأسه. بالقنينة  الفارغة يهّدد  أحد المارة. قدمه  المدمية تلتصق  بالإسفلت. القافلة من وراءه  تعدُّ خطاه. يحطم القنينة في (نصب)  أعدّ للإشهار   بجانب الطريق. تتشظّى  القنينة  ويتشقق  زجاج  (النصب). يُديم النظرفي  ملصق الدعاية,  تلوِّح له من الصورة  فتاة حسناء انحسر عن نهديها رداء شفاف , تبتسم  له وتدعوه , بجانبها شاب وسيم يمسك بكلتا يديه صندوق هدايا. (شركة " لاغلاء على مسكين " تتمنى لكم سنة سعيدة) . راح يفكُّ حروف الدعاية,  حروف  كالألغام,  تتشظى  في رأسه, العبارة  تنجرف في جوفه مع الريق، يحسّ لها طُعم الدماء. فتاة (النصب) تدعوه"حدُّو حُّدو" لكنه لا يعبأ لندائها.  ينصرف عنها  ويعود للطريق. في خطّ المنتصف يقعد, من  أمامه تمر السيارات ببطء . تمر ولا تمر.. يعدُّها كما يعدّ الراعي قطيعه"واحد,جوج, تلاثة.. سبعة"

- أمّك ضبعة . يخاطب صاحب دراجة نارية.

 

                  دسّ يده  في جيب سرواله, الكارطة في يده الآن.  يخلطها في مهارة المتمِّرس , يقرصها..  يُعيد جمع  جزئيها إلى  بعضهما , يخرج  من بين الأوراق الأربعين "الترِّيس", يخاطب صاحب سيارة "رونو" مقبلة نحوه:

- سكايري..

                 تُجلجُل ضحكته , وتخرج من بين الأوراق"السُّوطة" , يُخاطب صاحب شاحنة تمرُقُ  إلى  جانبه:

- لعبت  بك شي  مسخُوطة,  رُد بالك آ الشَّايب.

يُطلُّ "الراي" برأسه المزهُو من بين الأوراق:

- أنت راي عليهم, وإن كثُر الرأي رأيك  فوق  كل رأي . ُيوجه  كلامه  إلى  مُمتطي  دراجة هوائية.

               يحس أن اللعبةبدأت تفتُر, بدأت تفقد حرارتها, يلُمُّ الأوراق الأربعين ويعيدها إلى جيبه ,  ينتصب واقفاً فيصبقه ظّله للإنتصاب. لم يعُد هناك داع  لبقائه وسط الطريق .  فقطيع السيارات ما عاد ينقاد له.      

*       *       *

 

              في الرصيف يمشي وهو يتعثّر في جلبابه, جلبابه ولدت فيه "مسعودة" القطة ذات صباح, في  جلبابه  يلعب البرغوث غُمّيضة.. والقمل في  رأسه يتسكّع.. رأسه غابة , الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود..

 

             تُسلمُه  قدماه  لرأس "العقبة",  في ناصية الطريق  وقف شيخ  ضرير ينقُر بعكّازه الأرض,  يمد  يده الراعشة  إلى كفٍّ  وهمية ستعبر به الطريق.., يتجه  إلى الشيخ ,  تتشابك أيديهما, وتنفرج شفتا الشيخ عن عبارات الشكر. يرتفع  صرير مزعج لسيارة حديثة الطراز, تتوقف  على بعد  يسير منهم ا لتتيح  لهما العبور  إلى الضفة  الأخرى  من الطريق .  يصدح الشارع بأنغام أغنية إسبانية شهيرة  تنبعث من السيارة, سائقها الشاب يُميل رأسه ذات اليمين وذات الشمال في تجاوب تام مع الأغنية.

 

           عند الرّصيف يترك الشيخ ينجرف مع تيارالمارة.. ويتابع السير, يُحس بدوار يهاجم رأسه فيلقي  بجسده  عند أول  مكان يلوح  له  صالحاً  للنوم, ويغط ُّ في  نوم عميق..

          لم يدركم نام ؟,أساعة؟أم بعض أشواط الساعة, المهم أنه قد استفاق, استفاق على هزّات بدأت في أول   الأمر خفيفة   لينة, ثم تحولت  بعد ذلك إلى هز عنيف. في نومه القصير رأى "رحيمو"  تقبل نحوه بلباس نوم شفاف, بين يديها كانت  تحمل وليداً, تُقبل نحوه  وهي تخطو في الفراغ. تدنو منه وتضع الوليد بين أحضانه ,  تبتعد وصدى صوتها يُرجعه الفراغ :

- ولدك ذاك, احرص عليه.

 

          يتكلم  ولا يتكلم ,  لسانه  شُد إلى حلقه بسلسلة  ثقيلة  كالصمت.. "رحيمو" غيّبها عن ناظريه  سديم  العدم. و الوليد  بين يديه  يصرخ, وهو  لازال يتكلم  دون  أن تفارق  الكلمات شفتيه..

- حميدو!! ما هذه الحالة؟!! وتنام في الطريق؟؟!

- لاحول ولا قوّة إلاّ بالله.

- حميدو أنائم أنت؟؟

          تتسلّل هذه  الأصوات  إلى أّذنه المستفيقة الغافية.  و الهزّات تُخرجه من حلمه المُبهم. يفتح جفنيه  في  تثاقل,  فيبصر أمامه شابا سامق القامة.  يتحدّث إليه الشاب:

- حميدو ألا تتذكرني, أنا " ربيع" صهرك؟.

- حميدو ما هذه الحالة؟.

- أين غبرت كل هذه المدة؟

         يقع حدو في لبس من أمره،  من هذا الشاب  الذي يناديه  ب(حميدو)؟. أيُعقل أن يكون صهره حقاً؟. وهل لديه أخت حتى يكون له صهر؟؟.

         يفرك جفنيه،  ويتطلّع بنظرة ملؤها استغراب إلى الشاب المنتصب أمامه.    

- حميدو أيعقل حقا ألا تتذكرني.

     يقول بصوت كالهدير:

- أنا لست حميدو، أنت غالط.

- أنا حدو الأحمق.

- أنا أحمق، فهمت!!.

    يقول الشاب وهو يلطِم يدا بيد :

- لا حول ولا قوة إلا بالله. وجننت أيضا!!.

- حميدو أرجوك حاول أن تتذكرني.

- أنسيت العشرة؟  وليالي السهر في  بيت الغريس؟  والدّربوكة  التي كانت  تنطق  بين  يديك ؟ نسيتني يا حميدو؟؟.

       يقول حدو وقد وقع في حيرة من أمره :

- قلت لك أنا حدو. حدو الأحمق.

- وحميدو هذا اذهب للبحث عنه عند غيري.

- أنا أحمق. ألا تفهم العربية؟!!.

      يُصرّ الشاب على موقفه، ينحني ليواجه حدو الجاثي على ركبتيه ويقول :

- حميدو عد إلى رشدك.

      تصادف أنفه رائحة خمر مزكمة تنبعث من فم حدو، يقول مستنكرا :

- وتشرب الخمر يا حميدو، عفى الله عنك.

- حميدو أمك قد انتقلت إلى دار الحق. البقية في حياتك.

- المسكينة ماتت مفقوسة لاختفائك المفاجئ. ماتت وهي تردد اسمك.

- زوجتك سيطلقها القاضي إن لم تعد إليها.

- وأمها باعت نصيبها في مقهاكما المشترك.

- ألم يكن سبب اختفائك هو ما شجر بينكما من نزاع حول إيراد هذا المقهى اللعين.

- إذن كن قرير النفس فسبب البلوى قد زال.

- حميدو لماذا لا تتكلم؟.

      يتطلّع إليه حدو حائراً. يُردف الشاب :

- ستأتي معي ، زوجتك بالكاد ستجنّ.

- هذه خمسة سنوات قد مرت منذ اختفائك. لم نترك مكانا إلا وبحثنا فيه عنك.

- أين كنت تبيت؟

      يجيبه حدو :

- في كل مكان،  مرة  عند رؤوس الأموات في المقبرة.  ومرة عند أبواب العمارات.  وأغلب المرات في الخربة.

         يسأله الشاب وهو يتطلع إلى لحيته المسترسلة : 

- ما هذه الحالة آحميدو، صرت كغول.

- أوف ، رائحتك خانزة.

- الظاهر أنك قد أصبت بخبل في ذاكرتك،  حاول أن تتذكر كيف تردّيت إلى هذا الحال.

         يجيبه حدو :

نعم، سأحاول.

           (.. كان ممدداً غارقا في بركة واسعة من دمائه. تتراءى لعينيه عناقيد الرؤوس تتدلى من قامات سامقات انتصبت فوقه كأشجار النخيل، تطلُّ من عيونها نظرات  إشفاق، تتحسّر :

- مسكين،  داسته سيارة رونو.

- سيارة تهريب.

- محال أن يعيش.

          الأصوات يسمعها كالصّليل في أذنه. عيناه تسبح في الدم. وفي أذنه يتردّد بوق سيارة الإسعاف التي تقترب.. وتقترب، وصوت البوق يخفت .. ويخفت.

            رأسه ينفصل رويدا رويدا عن جسده.  يتدحرج..يغدو كرة مطاطية. ورائها يتراكظ الأطفال. لكن دون أن يظفروا بر كلها.. رأسه يحلق،  يطير بدون أن يرفَّ له جناح..

             تنتهي  رحلته عند سرير.  كان ممدداً عليه  وفوقه مُدّ لحاف  شفاف. رأسه  ملفوف بالضماد .  يبصر بعين  واحدة فلا يبصر .  العين الأخرى  غطاها الضماد.  كل شيء  حوله يهتزّ. والكل  مبلّط  باللون  الأبيض . بجانبه شخص ما يتوجع.. ويشخر،  يتوجع ويشخر  بلا انقطاع. أصوات صخب  المدينة تتناهى خافتة إلى مسمعه.  أضواء الغرفة شاحبة.  وانتحاب امرأة يصله من الغرفة المجاورة . شخص ما يموت..)

 

*       *       *

 

- حميدو انهض، الساعة الآن الحادية عشرة وأنت لا زلت نائماً.

- انهض وكفاك كسلاً.

              تنتزعه زعقات زوجته  من الحلم/ اللّغز. تنزع عنه الغطاء  فيُجيبها صارخا  وهو لازال شبه نائم :

- قلت لك أنا حدو، حدو الأحمق.

              حينما  تسأله  زوجته  عمّن  يكون  حدو الأحمق هذا ،  يقعُد على  طرف  الفراش  وينخرط  في  ضحك  هستيري..

              تترُكه وعلى وجهها تراقصت آي الإستغراب. تتّجه لفتح الباب الذي كاد يُكسر من جراء الطّرق العنيف المُتتالي.

- شكُون من .

             يصلها صوت أمها صارخاً :  

- أنا، افتحي الباب.

             من الصالة  يتناهى  إلى  مسمع  حميدو صراخ (نسيبته)، وفي أذنه تتردّد عبارتها كرجع الصدى :

- أين نصيبي من إيراد المقهى؟ هذه خمسة أيام منذ أن انصَرم الشّهر!!.. 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home