دراسات هامة

 

بين وردة الفجر والموت

حسن غريب أحمد



 

لوركا 00000 بين وردة الفجر و رماد الموت

 

حسن غريب أحمد

 

توحى قصيدة لوركا ، شاعر إسبانيا الشهير { مشهد مع قبرين و كلب آشورى } بأنه كان يشعر باقتراب نهايته وسقمه يمكن أن يكون شاهداً على قتل الشاعر رغم أنه كان محايداً أثناء الحرب الأهلية التى عاشتها إسبانيا وما رافقها من مجازر واغتيالات سادَّية نالت من المقاتلين من أجل الكرامة كما نالت من الأدباء والفنانين وباقى الرموز الحضارية التى صنعت مجد إسبانيا الحقيقى 0

ولد لوركا المحايد إلا فى انتمائه للوطن و الشعر عام 1898 م فى قرية ( فوينتى فاكيروس ) الواقعة فى مقاطعة غرناطة. كانت عائلته من الملاك الميسورين. أما السمة التى طبعت طفولته الأولى فهى التذوق الشديد للموسيقي المكتسب فى عائلته، والظاهر فى أعماله الشعرية المتمتعة بالحس الإيقاعى. وهو الحس الذى وسعه عبر الاتصال بصديقه [ مانويل دى فالا ] 0

بدأت الكتابة طريقها إليه و هو لم يتجاوز الثامنة عشرة وذلك إثر رحلة دراسية عبر مدن ( قشتالة ) الأثرية، فجاء كتابه ( انطباعات و مشاهد ) ثمرة لتلك الجولة ثم عُرف  { لوركا } فى مجال الشعر بعد أن نشر عام 1921 م ديوانه ( سفر القصائد ) الذى جرى الاتفاق على أنه إحدى نقاط انطلاق الشعر الجديد، لكن الشاعر الذى لم يكن مديناً إلا لنفسه بفرادة تعبيره، استمر بتخزين الألحان والأغانى، يدندنها سراً قبل إخضاعها لحكم أصدقائه.

هكذا ولد ديوان الأغانى ثم الديوان الفجرى Romancero Gitano  عام 1928م، وهو آنذاك رائعة الشاعر وهنا اختلط الانفعال الذاتى بانفعال الشعب والتقت الغنائية فى تدفقها مع مياه تراث تاريخى وقومى عظيم. هكذا فى هذه القصائد التقت المتناقضات من جديد وظهرت كالمنمنمات الشرقية المحاطة بالورود والقرنفل والتى يحتضنها شريط ماء حى.

إن امتلاء الشكل والوحى والفكرة و الغناء يكفى دون شك لتفسير الرواج المدوى لمجموعته {الديوان الفجرى} التى تأتى كملحق لتلك الموشحات الأندلسية التى كانت تغنى فى غرناطة، أيام جعل العرب من الأندلس  ( أجمل مملكة إفريقية ) فـ { لوركا } هو الأول، دون شك، الذى جمع ذكراها بهذا القدر من الدقة وأعطاها شكلاً بهذا الكمال.

بعد ذلك نلمح إيقاعاً مختلفاً فى مجموعته (الشاعر فى نيويورك) التى سطرها بمناسبة إقامته فى الولايات المتحدة الأمريكية ربيع 1930م  فما كتبه آنذاك أتى إبقاعاً أوسع، متطابقاً مع إيقاع الحياة فى المدينة الأمريكية الكبيرة، المدينة التى تعبر فوقها [ قطعان ثيران تدفعها الريح ]. كان لوركا فى هذه القصائد يستحضر عبر لغة تذكر بلغة ( ويتمان ) ما بقى محفوراً فى نفسه من صور الشاعر الأمريكى العجوز، الذى يصفه على شاكله تمثال فخم وعملاق مرسوم بألوان الشمس الغاربة على شواطئ الهدسون: أيها الشيخ الجميل والت ويتمان.

لم انقطع لحظة واحدة عن رؤية لحيتك المليئة بالفراشات

وكتفيك المخملتين الممحوتين تحت القمر

وصوتك, عمود رماد 

لقد جمعت تباشير قصائد لوركا ما بين مشاهد الطبيعة الميتة والغيتارات النائمة والخيالات المبسطة والصور الشعرية المتحولة إلى مشاهد ذات خطوط أنيقة تهيمن عليها مجموعة الألوان الحمراء والصفراء، ورسوم لوركا الأولى، تلك الرسوم التى كان يرسلها إلى أصدقائه الغرناطيين حين استقر فى مدريد، والتى أراد الإشارة فيها إلى أن الرسم لا ينفصل عن الشَّعر.

يروى ( سيلفيا دور دالى ) الذى عرف لوركا فى سن العشرين، عندما كان طالباً حقوقياً، عن الاجتهاد الذى كان يتميز به لنسخ رسومه على قصائده. ما من صورة شعرية لم تحضره بلون فاقع، محاطة بذلك النغم الموسيقى الرائع الذى يدلنا على مقدرته غير العادية لإعطائنا الألوان بشعاعها الصافى المصقول دائماً بصور طفولته البراقة.

لقد حافظ بأمانة متواصلة على صور تلك المدينة القديمة، مدينة غرناطة التى ولد بالقرب منها والتى تتكسر عليها ألوان الطيف كما على جوهرة بألف زاوية انعكاس.

وبمقدار ما سينضج نتاج الشاعر ستخف الألوان لكنها لن تُمحى بالتأكيد ولن تذبل، و هى تشكل جسداً واحداً مع الكلمة، سوف تدخل فى الظل، تتجمع فيه كموضوع الموت المتشابك مع الصور والتنويعات المأساوية والمؤلمة، ومع الحزن الشفاف الممتزج بالصور الأكثر غبطة:

القلوب الأندلسية

تفتش دائماً

عن أشواك قديمة ).

فى كل مكان نكتشف هذه الرموز وصور الموت الدامية المقترنة بالحب هكذا، من الموسيقي واللون والكلمة يتعارض الحب والموت، ويتداخلان بشكل حميم جداً تعكسه قصائد لوركا، بحيث يستحيل فصل الأول عن التالى.

إنهما موضوع واحد يجرى التعبير عنهما، والخلط بينهما، عبر صور تحتمل غالباً معنى مزدوجاً، وهذا الذى نفهمه منذ البدء عندما نقرأ تلك القصائد، وذلك الذى نكتشفه فيما بعد داخل أنفسنا: (كل ضوء العالم يتجمع فى مقلة) و (أتطلع إلى قلق عالم حزين متحجر، لم يعد يعتر على نبرة نشيجه الأول)

إضافة لذلك، انجذب لوركا إلى المسرح، وكتب مسرحية ( أذية الفراشة ) التى عرضها فى مدريد            عام 1921 م و رغم فشلها، إلا أنه استمر فى الكتابة المسرحية، فجاءت بعدها مسرحيته (ماريا بينيدا ) و هى دراما تاريخية منظومة، و تلاها مسرحيات متنوعة أخرى، مثل يرما Yerma (المرأة العاقر ) التى شهدت نجاحاً منقطع النظير على مسارح بلاده و أمريكا الجنوبية.

تتميز هذه المسرحيات جميعاً بجاذبيتها. حيث يجرى استخدام فن الصمت ببراعة وبكثافة شعرية عظيمة. و لكى يخدم هذا الشاعر فنه، و يجعله شعبيَّاً حقاً دون تنازلات عديمة النفع, لم يتوان عن جوب الطرقات على رأس فرقة مسرحية تقدم تمثيليات فى المدن الصغيرة وقرى المقاطعات.

كان قد درس عن كتب مشكلات الفن المسرحى، فى كوبا حيث حاضر فى الأدب الإسبانى، وفى الأرجنتين حيث قدم اقتباسات للأدباء الكلاسيكيين الذين شاخت لغتهم، بيد أنه تدرب على الإفراج مع فرقته الجوالة تدريباً سمح له بمواصلة رسالته الفنية.

هذا المسرح البسيط والصارم، أعاد إلى الحياة تقليد الشرق القديم، وهكذا دفع ضريبته للأرض الأندلسية، لكنه كان يريد أن يعبر عن شئ آخر، أن يتجاوز الإطار الذى حدده لنفسه منذ البدء، وأن يرسم الإنسان فى ذروة انفعالاته.

إن الموت فى نظر الشاعر هو الحقيقة النهائية، القوة التى لا تنفك تلتهم وتلد فى حركة متكررة إلى الأبد. لقد عاش (لوركا) مهووساً بفكرة الموت والدم. بيد أنه كان يختزن فى أعماقه شهوة عارمة للحياة تفوح منه حيوية جعلته مركزاً متحركاً يدور حول الأصدقاء والمعجبون، رسامون، وشعراء، وموسيقيون. عبَّر عن ذلك الشاعر (بدرو ساليناس) إذ قال {كنا نتبعه جميعاً لأنه كان العيد والفرح} حركة دائرية، دوامة مؤلمة مشددة إلى الأسفل، إلى التراب الأبدى والعشب النابت فى الأجساد المتآكلة. وأرهب ما فيها ذلك النسيان يمر بمياهه على الوجوه الحميمة، فيطمسها إلى الأبد، تلك المساواة فى الموت، حيث تتشابه الكائنات جميعاً دونما استثناء.

هكذا كان يستحيل على القتلة، و هم يمزقون قلب شعب إسبانيا بخناجرهم الحاقدة الباردة، أن يهيئوا لفديريكو مصيراً آخر، فلقد كان يرسل جذوره عميقاً فى الأرض الأندلسية، ويفتح ذراعيه واسعتين لريح المستقبل وأشعة الفجر الطارق أبواب قرطبة وأشبيلية ومدريد. ففى صبيحة التاسع عشر من تموز عام 1939م كان جثمانه مرمَّياً  فى وادى فيزنار قريباً من غرناطة التى أحبها.

هكذا كان لدى شاعرنا الذى مات فى سن الثامنة والثلاثين فضول لا حدود له، رغبة قوية فى معرفة كل شئ و الاستفادة من كل شئ. لقد دمج فى شعره الغربة والموت والحب والحياة واللون والدم الذى سقى به انتماءه إلى أرض غرناطة القديمة التى بقى شاعرنا أميناً لها حتى النهاية.

وتبقى الأرض خشبة الخلاص الوحيدة رغم  الآلام والرهبة والإحساس بالنهاية الفاجعة.

إن التزاوج بين النقيضين هو ما يضفى على نتاج لوركا الشعرى والمسرحى تلك الكثافة التى تحاذى الانفجار

(ها هنا لا يوج غير الأرض

الأرض بأبوابها الأبدية

الموصلة إلى حمرة الثمار)

مازالت الأرض تضج بالموت والظلم والفجر، وصور لوركا تضج بالصراخ المتناغم الذى يعلن  (مجئ مملكة السنبلة ).

نموذج من قصائد لوركا:

( حضور الجسد )

رأيت أمطاراً رمادية تركض أمام الأمواج

رافعة أذرعها المثقوبة الحنون،

كيلا تصطادها الصخرة الممدودة.

صمت كريه الرائحة يرتاح،

ماذا يقولون ؟ قربهم جسد راقد يتلاشى

له شكل البلابل الصريح

و هو يمتلئ أمام أعيننا بثقوب لا قرار لها 00

من يجعد الكفن ؟

لا أحد ها هنا يغنى ، أو يبكى 00

أريد أن يدلونى على بكاء كالنهر 0

له غيوم ناعمة و ضفاف سحيقة 00

فليصبح الليل فى أدغال الدخان 00

إن البحر يموت أيضاً

 

المصادر : -

1-   لوركا وعالمه الشعرى: ترجمة عدنان بغجاتى، دار المسيرة، بيروت 1979 م

2-   لوركا: ترجمة وتقديم كميل داغر، منشورات المؤسسة العربية للدراسات, دمشق 1975 م

3-   قمم فى الأدب العالمى، تأليف الدكتور بديع حقى، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1973 م.

4-   الوشاء: الفاضل فى صفة الأدب الكامل 2 / 90  منشورات وزارة الإعلام العراقية.

5-    محمود الألوسى، بلوغ الأدب 2/162 - دار الكتب العلمية – بيروت 

6-   د 0محمد عبد العزيز مرزوق: الفنون الشعرية فى المغرب والأندلس ص 134، 1995م نهضة  مصر.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home