مقال

 

تهجين القبائل

محمد دريهم الغامدي



 

 

تهجين القبائل

 

(محمد دريهم الغامدي)

 

الخبر – السعودية

 

في الماضي القريب وأقصد بذلك خمسون عاماً إلى الوراء ، كانت القبيلة تقطن هجرة أو قرية واحدة وجميع أفرادها ألفوا عادات بعض ، فهذا الشاب سيرته معروفة وهذه الفتاة سمعتها أيضاً معروفة . فكانت حالات الزواج تتمّ في جوّ من الثقة المتبادلة التي يتخللها تقارب الأفكار بسبب التنشئة في بيئة تحمل عادات وتقاليد واحدة. وكانت الألقاب ومازالت لدى الكثير مصدراً للتفاخر الأرعن والذي يكون على أساسه الولاء والبراء . فقد اشتهرت القبيلة الفلانيّة بالكرم والأخرى بالشجاعة وغيرها الكثير من الصفات التي تمايزت بها القبائل عن بعضها نظراً للظروف المحيطة بالفرد في قبيلته والتي تحتّم عليه أن يتطبّع بهذه الصفات متأسياً بغيره وهي ليست وراثيّة.

 

أمّـا اليوم ، فقد انصهرت القبائل في مجتمع واحد وذابت فروقات العادات والتقاليد وغلبت على السواد الأعظم الحياة المدنيّة . ولكن المتتبّع لحالات الزواج عندنا ، سيلحظ الكثير من المفارقات العجيبة. فمن مشاهداتي في المدينة ، فإنّ الشّاب مهما عاش في مجتمعات أخرى وتنقّل مابين المدن ، فإنّه في النهاية يرتبط بِبـنت قبيلته ، وأنا هنا لا أريد أن أناقش هل هو مكره على ذلِك ، أم بكامل رضاه ؟. ولكنّني أودّ التطرق إلى المفاهيم التي كوّنت هذه الفكرة المغلوطة.

في الحقيقة أنّه حينما نتعامل مع هذه المفاهيم ، فإنّنا نتعامل مع جهل مركب ، وهو أشدّ الأنواع صعوبة في التعامل معه ، فكون الإنسان جاهل فهذا يسهل تعليمه . أمّا كون الإنسان متعلّم أو مُؤدلج بطريقة خاطئة فهذا هو الجهل المركّب . ففي الكثير من البيوت التي تزيد فيها حدّة التفاخر بالأنساب ويزيد فيها تلقين الأفراد دروساً في التعالي على القبائل الأخرى ، فإن العنصر الذكوري يشعر فيها أنّه ملك زمانه . وأنّه من طبقة برجوازيّة أخرى ، لذلك يجب عليه أن يبحث عن زوجة تحمل نفس هذا اللقب حتّى تكون أمّـاً لأبنائه . ولكن هذه الأنثى التي يبحث عنها أخونا – ملك زمانه – هي أيضاً قد ألفت حياة المدينة وتطبّعت بطباع المدنيّة ولم تألف علوم القبيلة التي يطمح أن يجدها فيها ، إلاّ من رحم الله . لذلك فمن السذاجة في التفكير أن يكون لقب شريكة الحياة هو الشّرط الفيصل في اختيارها .

 

ومثل هذه الشّطحات تجعلنا نؤمن يقيناً أنّ الصفات الخُلُقية -بضمّ الخاء والّلام- الحميدة تُورّث وأنّنا قد نلجأ يوماً إلى ( تهجين القبائل ).ومايدريكم ؟، لعلّه يكون لنا السبق ولو مرّة




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home