القلم السياسي

 

فلسطين ... خريف السياسة الطويل

نهاد عبد الاله خنفر



 

فلسطين ... خريف السياسة الطويل

نهاد عبد الاله خنفر

فصل خريفي لا يميزه إلا السقوط المتكاثر لأوراق الشجر، أو تقلب للأيام ما بين رائحة المطر الذي لا يعتصر الماء، في صورة أقرب إلى اللامطرية الغارقة في البرودة،  أو الشمس الحارقة المترددة ما بين نهوض لحظي ساطع أو غفوة قصيرة مرتعشة، لا تمهل المصطاف متعة اللحظات الدافئة بعد طول اشتياق، هذا إن سلمنا بخلوها من رياح المرض العاتية التي تحجر الجسد في سرير الشفاء، ففي هذا الخريف لا يملك أحدنا غير أن يرى تلك الصورة المتراكمة على خيالات الذات، مزدحمة بالأشجار الكاسية العارية، تكسوها الأغصان الباحثة عن التعري من رموزها الورقية الخضراء، ومتشنجة في وجه صقيع صامت سيأتي عما قريب، هذا الصقيع الخالي من كل شيء، إلا من زفير ريح قارسة تحمل أرواحنا الحية إلى عالم المجهول المعروف، مجهول من حيث لا قدرة لنا على استجلاء رموزه أو معرفة فيضه المائي القادم على عتبات الشتاء، ومعروف من حيث عقبى الشتاء الذي تتزاحم خطواته على بوابة الانتظار. طبعاً هنا، فإنني لا أنافح رائحة الخريف ولا أتطير باطلالته السنوية الموعودة عاماً بعد عام، لأنه ببساطة، هو حتمية مقدرة لانتهاء عهد الصيف وحلول فصل الشتاء، وباختصار تدليلي واضح فإن الخريف هو رحلة الانتقال المرحلي بين نقيضين، أحدهما يمارس فيه الدفء وتمارس فيه طقوس الحصاد، وأما الآخر فنرى فيه وجه البرودة ومراسيم البذار، أي إن الخريف على تقلباته المؤقته التي قد تجلب المرض وتسوق الإنسان الى اللاستقرار واللاقرار، إلا أنه يبقى بدٌ لا بد من التعايش معه حصراً ودون شسوع مكاني أو زماني الا ما قدره الله.

فلسطين، جاء مشهدها الحصري على مسرح الخريف السياسي منذ عام 47 ، هذا إن كان التفاؤل يتملك خريفنا التحليلي، لان ثلوج المؤامرة بدأت تساقطها منذ عام 17، فكان اللجوء، وكانت الخيمة هي خريف اللاجيء الموعود برجوع وشيك، فهي مرحلة مؤقتة في سرعة انتهائها، ولكن الشتاء الذي أعقب الخريف إذ ذاك كان قارساً، فقد أعلن مجيئه وقد تعبدت الناس في خريف الخيمة آملين رحيله عما قريب، إلا أن الشتاء أمطر انكاراً لحق الفلسطينيين في أراضيهم وفي بيوتهم، وحتى في أقنان دجاجهم المذعور من القادم الغريب، وكان الإعلان عن قيام دولة اسرائيل. وبعدها أجبر الفلسطينيون العيش مع خريف جديد، خريف البيت الوضيع الذي كان سقفه الصفيحي أو الخشبي بمنأى عن مقارعة الشتاء الذي لن يأتي إلا وقد آب ساكنوه إلى بيوت صيفهم الدافيء الذي رحلوا عنه، فالدجاجات لا زالت قيد الانتظار، وكذلك أشجار الليمون وسحر عبيرها، ولكن لم يكن الشعب وقتها على موعد مع ذلك الشتاء ولا مع ذلك الصيف، بل إنهم كانوا على موعد مع خريف جديد. هرول إليهم الخريف الجديد محاولاً اقناعهم بأنهم لا زالوا تحت رحمة ذات التكوين النفسي والجسدي لفصل الخريف، صحيح أنه كشف لهم سراً لم يكونوا بعد قد تيقنوا من حقيقته، ألا وهو أنه الخريف الذي أصبح يملك من العمر عشرتين من السنين، وبالطبع فانه قد ادى لهم خدمة كبيرة حينما قال لهم، انهم اصبحوا على بعد عشرين عاما من خريفهم الاول الذي تبعثر وتناثر مع الخيمة التي تمزقت واصبحت اربا تذروها عواصف الرياح، حينها لم يصدق الفلسطينيون انهم سيبدأون خريفهم المتجدد، لانهم كانوا في ايام قائظة من صيفهم المشتعل بحرب 67، ولذا فقد طال بهم الامد قبل ان يصدقوا بانهم لا زالوا في بحر الخريف الذي يحاصرهم انى نظرت عيونهم، وانى طافت عقولهم، مصدقة او مكذبة، وصار الخريف طالعهم الذي يلازم حظوظهم التعسة التي لا مفر منها، فظلوا معلقين بين صيف مشتعل بحرب تجردهم من بواقي كرامتهم وانسانيتهم، وبين شتاء يدلف على بيوتهم المسقوفة بصفيح الفقر والبؤس في كل اصقاع الارض، الا ان الصيف رحل، والشتاء كان عنهم قد سافر حيث البعيد، وتجردوا الى عشرينية خريفية جديدة قادتهم حتى عام 87 ، ذلك العام الذي زحف بهم الى خريف انتفاضة باغتهم فيها كثرة المتربصين الذين افترسوا ربيعهم، وشطبوا صيفهم واقلقوا ايام شتائهم، وجروهم الى حيث هي دوائر الفصول المتقلبة، فقتلوا من قتلوا، وجرحوا من جرحوا، وداروا من جديد حول افلاك الخريف، لكن هذه المرة، كان خريفا انتقاميا ظنوا به الرشد واختزال الايام الى شتاء معتدل يليه الربيع المزهر، ومرة اخرى، غادر الشتاء، ومات الربيع، وتيبست سنابل الصيف، وكانت رياح الخريف هي الناعقة بخراب جديد، فكانت وعودهم بربيع أخضر، وبصيف عليل النسيم، وباشجار باسقة دائمة الخضرة لا يغزوها مرض الخريف ولا اسقام الشتاء التي تجبر الاغصان على خلع الاثواب، فاستبشر الشعب دون ان يعلم بانه موغل في الخريف وامراضه اللامنتهية حتى الخَوَرُ ، وقتها اتذكر نظراتي ونظرات من حولي من المعتقلين الذين تسمروا امام شاشات التلفاز في سجن نابلس المركزي، وهم يرون ان الخريف هذه المرة قد سمح لشعبهم ان يحمل اغصان الزيتون ويلقي بها على من كان سبب خريفهم الاول الذي لا زال مستمرا حتى الان، العام 91 ، هذه المرة خريف اوروبي، او بالاحرى مدريدي، هو الذي اوهم الشعب على انه اخر خريف سياسي في معاناتهم، انه خريف السلام الغاضب من الحرب، ومن الانكسار، وما هي الا لحظات في حسابها من عمر الشعوب، حتى تبين انه امتداد روحي ومادي للخريف الطويل الذي بدأ عام 47، ولكن وحتى يكتمل وصف الواصفين، وتهدأ النغمة في اكف المصفقين، الذين كادوا ينقلبون على انفسهم بعد اذ قيل لهم ان الخريف القادم طويل طويل، وهذا ما كان، فالخريف المدريدي، كان قد اعقبه خريف نرويجي اوسلوي، انما بميزة بسيطة وهي ان ذاك الخريف قد وعدهم بشتاء عميم المطر، وبربيع جميل تتهادى شقائق النعمان الفلسطينية الحمراء على كتفيه المتهدلتين من طول المسافات، حينها اتذكر انهم قالوا لنا: ودعوا الخريف لاخر مرة، ودعوه من الجرح الغائر في اعماق اعماقكم، وودعوه من الالم المحفور على اعتاب مساكنكم، وودعوه من الدم الاحمر الغزير، فها هو ربيعكم قادم، وها هي شقائق النعمان تتلهف لقاءكم بلون احمر سيعوض عن لون الدم الذي فقدتموه، طبعا كان ما كان، تأخر الربيع بعد اذ طردوا الشتاء بخيره المعتاد من حاضرة السلام، وكان من الامر معكوس كل الفصول، وكل الانقلابات، وكل الاحلام.

في العام 2000 حاولوا ان ينضدوا الطريق امام خريف ذو طابع فلسطيني، خريف تسقط به كل اوراق التوت، كل اوراق الشجر التي صمدت على الرغم من طول الخريف، ولكن ارادوه هذه المرة خريفا مصاغا على وقع الجرح الفلسطيني الذي عليه ان يتألم، فيتحمل ضجيج الالام التي تسبب بها، ارادوا ان يسقطوا القدس، ويسقطوا حق الفلسطيني في التخلص من خريف الخيمة ومن خريف البيت المسقوف من صفيح، ولعلها كانت اخر الاوراق على الاشجار العارية، تلك الاوراق التي غطت السوءات التي قاربت حينها على التعري والانكشاف، ولأن الفلسطينيين حينها قد تمسكوا بالاوراق على ذبولها، ذلك الذبول الذي مسخ باستيطان سرطاني يزداد تورما يوما اثر يوم، فقد قرروا ان يدخلوهم في تلقائية خريفية متواصلة مع قتل ما تبقى من الروح السائمة من طول الامد ومن ثبور الفصول التي انتدبت الخريف عنها في مآل الفلسطينيين وملاذهم اينما كانوا، تذكيرا لهم بانكم لا زلتم في مستنقع الخريف اللامنتهي، فبدأ الاسرائيليون من جديد يهزون الاشجار اليابسة العارية ليسلبوها اخر اوراقها، واخر ملاجئها، وليعلنوا على الملأ بان خريف الفلسطينيين ممتد الى اباد الدهور.

هذه هي حكاية الخريف الفلسطيني السياسي الطويل، لا اظن انكم سمعتم عن خريف اطول من هذا الخريف، ولا اظن ايضا انكم ستنسون يوما، ان ما تحدثت به ليس هو كل تفاصيل الخريف، لان التفاصيل الخريفية الكبيرة باتت محفورة في جسد كل فلسطيني وفي روحه، في حياته وفي مماته، في وطنه وفي غربته، في كل دولة، وعلى كل منبر، في قطرات الدماء التي لا زالت في عز نبوغها المستنزف للذات، وفي كل اذلال يومي ولحظي لثلاثة فصول اخرى حرم منها الفلسطينيون، واياكم ان تعتقدوا بان فصل اريحا الاخير كان اخر الايام في خريفنا، انه من اوائلها، وان كان من اقساها. كان الحلم بان ينتهي الخريف فيتبادل الادوار مع بقية الفصول، ولكن انقشاع ضباب الاحلام ادخل مفكراتنا اليومية في عالم غزاه الخريف الدائم، بعد اذ حسبناه مرحلة الانتقال بين كل الفصول، هذه هي فلسطين، وهذا هو خريفها السياسي الطويل.       

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home