مقال

 

شعوبنا وصعود جبهة الممانعة

سعيد مبشور



 

شعوبنا وصعود جبهة الممانعة

سعيد مبشور

 

يبشر صعود اليسار ببلدان جنوب أمريكا الرافضة لثقافة "اليانكي" الأمريكي وغطرسته، واكتساح القوى الإسلامية للساحة السياسية في عدة بلدان عربية، مثل الإنتصار الكاسح لحركة حماس في التشريعية الفلسطينية، بعودة شعوب العالم المتضرر من هيمنة الإمبرياليات الكبرى وقوى الاستكبار الحديثة، إلى الاصطفاف بجانب قوى المعارضة والتصدي، مما يعد مؤشرا واضحا على فشل السياسات الأمريكية والأوربية في تكييف النظام الدولي الجديد وفق مصالحها واستراتيجياتها، وإيذانا بسقوط أي وهم محتمل باكتمال دورة التاريخ لصالح القوى التي تتحكم في خيرات الأرض وأقوات الشعوب.

وإذ تعبر شعوب العالم المستضعف عن هذا الإختيار، فإنما تمارس دورها في إثبات قدرتها على التمتع بقوة الشخصية واستقلالية القرار، مدركة لمخاطر هذا الاختيار وتبعاته، إذ أن هذه الشعوب اكتسبت ما يكفي من التجربة والوعي لإدراك حقيقة ما يراد بها، ولفهم طبيعة الصراع الدائر في العالم حول استغلال ثروات الأمم الأقل قوة والاستحواذ على مقدراتها البشرية والطبيعية.

وتعرف هذه الشعوب أنها لن تخسر أكثر مما تخسره كل يوم، في الهدر المتواصل لكرامتها، والاعتداء السافر على هوياتها، والاستنزاف المتواصل لخيراتها، ولذلك فهي تلجأ اليوم إلى مخزونها الحضاري والثقافي، ورصيدها من بقايا الصمود والتحدي والمواجهة، مدركة بأنه خيار صعب وشائك وطويل الأمد.

وإن انحياز الشعوب الغاضبة إلى جبهة الممانعة، يعني بالتأكيد رفض كل محاولات التيئييس والتبخيس والهيمنة، وهي جبهة بدأت في التوسع والاستقواء بفعل التنامي المتزايد لمواقف الرفض والغضب من جراء السياسات التي تنهجها الولايات المتحدة في كل بقاع العالم تارة باسم مكافحة الإرهاب وتارة أخرى باسم مواجهة محور الشر، وباسم حماية الأمن القومي الأمريكي، وباسم فرض الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في أحيان كثيرة.

والممانعة تعني ببساطة عدم فعل الشيء المفروض، أو الغير مرغوب فيه، وبالتالي رفضه وعدم القبول به بأي شكل وهي حالة صدق نفسية شديدة مع الذات ومع الآخر، وهي بذلك مقاومة واعتراض على كل محاولات إلغاء الذات وقهرها والتعسف عليها، إنها صمود إيجابي ضد العجز والوهن والارتكاس، ومحفز ديناميكي للتفاعل مع الهوية والانتماء والتزام طوعي إرادي مع الخيارات والمواقف الحرة المنسجمة مع الذات، دون الرضوخ لضغط أو إملاء أو استيلاب.

وتتعدد أشكال هذه الممانعة بتنوع وسائل وجهات الضغط والهيمنة، فمن ممانعة ثقافية تواجه بها الشعوب المغلوب على أمرها محاولات استيلابها وتفريغ تاريخها وهوياتها وتراثها من كل مضمون ومحتوى، إلى ممانعة ثورية تواجه بها القوى التحررية الناطقة بنبض الشعوب وشعورها العام، كل مستعمر إمبريالي غاشم، رافضة لمبدأ الاحتلال واغتصاب الأرض والهوية والإنسان، إلى ممانعة سياسية  ترفض فيها دول تنتمي إلى نادي المنبوذين، كل محاولة لانتهاك سيادتها، والاعتداء على حريتها في تسيير وتدبير شؤونها الداخلية، أو إدارة الثروة، أو امتلاك السلاح.

على أن هناك عدة أسباب تحول دون تفاعل حقيقي لهذه الممانعة، ولعل أهمها تراجع دور النخب السياسية والثقافية لصالح ما يشبه انتصار أصوات السلطة ووجهة نظرها في الحكم والإدارة وحتى في الإيديولوجيا، ولطالما شكلت النخب بوصلة الشعوب في تحديد حقيقة الاتجاهات وأولوياتها، قبل أن تنحاز لسيطرة الأنظمة ومساوماتها وحلولها الجاهزة، ناهيك عن استغراقها في الحسابات السياسية والمصلحية الضيقة، واتخاذها شعارات التغيير والإصلاح مطايا للوصول إلى مآرب مادية وحزبية أبعد ما تكون عن المصالح الحقيقية لعموم الجماهير.

أما فيما يخص أنظمة الحكم، فإنها بدلاً من الانحياز إلى خيارات شعوبها وقضاياها وحاجياتها الحيوية، فقد سيطرت على قادتها الرغبة في تمديد عمر الكراسي، والحفاظ على المكاسب، والحؤول دون أي عملية تغيير أو تطور قد تفضي إلى سيادة الديمقراطية كآلية لإدارة الاختلاف والصراع السياسي، أو حلول التداول الانسيابي التلقائي للسلطة محل الموائد الدائمة، والوجوه الدائمة، والمصالح الدائمة، ولو على حساب الكرامة والسيادة والاستقلال الوطني وحرية اتخاذ القرار.

وثمة العامل الخارجي الذي وضعناه في أسفل قائمة الأسباب التي قد تضعف من إمكانيات الممانعة وحجم تأثيرها، إذ أن العبرة بالذات أولا ومدى استعدادها لرفض أو قبول اختراق الآخر أو هيمنته، وكذا لكوننا لا نريد السقوط في متاهة الفكر القائم على نظرية المؤامرة وإرجاع كل ما يخل باستقرار الذات وتطورها إلى عوامل خارجية حتى ولو كانت وهمية أو متخيلة، إلا أن هذا العامل يفرض ذاته لكونه موضوع الممانعة الأساس، إنه الجبهة الأخرى التي يتأسس حولها وضدها موقف الممانعة.

إن القوى التي تتحرك بعقلية شمولية مغلفة بشعارات من قبيل نشر الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، إنما تعيد إنتاج نفس الآليات ومناهج الحركة والعمل التي تتحدث بتبجح عن كونها تسعى للقضاء عليها ، حاملة رسالة الخير والرفاهية إلى العالم، عبر تعميم خطاب وثقافة ومنهج العولمة، والتوهيم بإنشاء شراكات متعددة مع دول ضعيفة، وتكريس قيم التجارة الحرة بما تحمله من وحشية واستغلال بين الأمم، لاجئة من أجل ذلك إلى شتى الوسائل والسبل، متقنة للعبة الكيل المزدوج، مستغلة اختلال موازين القوى لصالحها، وغياب أي قطب عالمي مواز يسعى في اتجاه تجسيد احترام القانون الدولي والمعايير الإنسانية الغائبة، مثبتة بشكل عملي أن خطاباتها ووعودها المعسولة، مجرد ورق هدايا يغطي علبة ديناميت سرعان ما تنفجر في وجه مستقبليها، وبالتالي فسقوطها في هذه التناقضات الصارخة هو إحدى أهم العوامل التي تتوسع على إثرها دائرة الرفض والمواجهة.

وإن المواقف التي صاغتها وتصوغها شعوب وحركات، وأحزاب وحكومات في بلدان مثل إيران وكوبا، وسوريا وفنزويلا، وكوريا الشمالية ولبنان، والشيلي والسودان، وبوليفيا والعراق وفلسطين، وبلدان أخرى انخرطت، أو تدفع في اتجاه  الانخراط، أو لا زالت تنتظر دورها في طابور الممانعة الواعد بتغيير المعايير السائدة في العلاقات الدولية وأسس التعامل بين الأمم، وغيرها من قطاعات الرأي العام داخل البلدان القوية نفسها وخصوصا تلك القطاعات الرافضة لزحف قيم العولمة وآلياتها، والمناهضة للحروب واستغلال العالم الفقير، إن هذه المواقف تعبر بجلاء لا يخفى، عن دينامية جديدة في المشهد السياسي والاجتماعي العالمي، قد تقود إلى ولادة معادلة تقاطبية جديدة في الصراعات الدولية، تكون الممانعة منطلقا لحركتها، وأساساً مرجعيا لسلوك فاعليها، وعنصراً حاسماً في رسم معالم مستقبلها.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home