قصة

 

رصيف الموت

حيدر هبر



رصيف الموت

 

 

حيدر هبر

اعتادت ان تجلس أمامي بشكل غريب فلقد كانت تضع مؤخرتها على حافة المقعد وتضع قدميها على المنضدة باتجاهي ولم اعلم حتى هذه اللحظة ان كانت تستفزني ام تثيرني.. لم يكن لدي الوقت الكافي لكي أسألها.. عام واحد لا يكفي لمعرفة انسان عادي فكيف استطيع معرفتها وهي مميزة الى حد بعيد.. لقد كانت شيئا خارقا لم تستطع الحياة احتماله فتخلصت منها.. منذ اليوم الاول لفراقها وانا ابحث عن طريقة للاتصال بها حتى أني وقعت بيد بعض الدجالين بل اصبحت أضحوكة عند البعض الآخر حتى تأكدت بأنه لا يمكن الاتصال بالأموات، وعندها شعرت بيأس شديد وفكرت بالانتحار ولكن كان الامر صعبا جدا حيث اني شربت الخمر كي اهون الأمر على نفسي وقد اسرفت حتى الثمالة وبعد ان خرجت من الدار لم أستطع المشي الى الشارع فقعدت على الرصيف وأسندت ظهري على إحدى المحلات التجارية حيث سيطر علي الغثيان وبدأت اشعر بالاختناق ولقد ساعد الليل على ذلك ولم يسعفني البرد الشديد للشعور بالهواء وهو يداعب أنفي حيث كنت دافئا بسبب نوعية الخمر الذي احتسيته.. لقد كنت كسولا جدا وعاجزا عن فعل اي شيء حتى اني لم أكن أقوى على الانتحار ذاته  خصوصا أنني لم أفكر بطريقة معينة.. لم أعرف فراغ الفكر يوما ولكن في تلك اللحظات لم يكن في بالي شيء لقد كان رأسي فارغا ومعتما فقط صورتها كانت تظهر بين لحظة واخرى بالذات عندما كانت تطفئ سيجارتها وتسحقها(ما العمل الآن..؟) لم تكن لدي فكرة عما سأفعله, حيث بقيت على هذا الحال يتناوبني الغثيان والليل وصورتها حتى سمعت احدهم يقول : (هل تنتظر احداً...؟)

 إلتفت الى مصدر الصوت  فوجدته متسولا مستلقيا بجانبي وقد أحاطته الاوساخ وكان يبدو وكأن دهرا مر عليه في هذا المكان ولكن الغريب اني لم أشاهده عند مجيئي إلى هنا والأغرب  من ذلك هو أنني قلت له (نعم … انتظر زوجتي!)

- هه.. عليك أن تنتظر قليلا فلن تمر الآن

-ماالذي تقوله انها ميتة..؟!

عندما سمع مني ذلك بدأ بالضحك حتى أخذ يسعل بعدها ثم قال:

- بالطبع ميتة والا لما جئت الى هنا لرؤيتها.

- ماذا تقصد...؟

- ألا تعرف انك تجلس على رصيف الموت!

شعرت بالقشعريرة عندما قال ذلك خصوصا اني شممت حينها رائحة رطبة اشبه بسرداب في المقابر فقلت له:

- ولكني لا أومن بالاتصال بالاوراح

- أنا لست عرافا وأنت حر إذا صدقت أو لا..انظر هذه أول دفعة من الاموات قادمة!

لا أعرف ما الذي أنتابني حينها لقد كنت مرعوبا ومشتتا ولكني نظرت حيث أشار وإذا هم رجال ونساء واطفال يسيرون على الرصيف وكأنهم في حالة تسوّق وكانوا يمرون بجانبي وينظرون الي باستهجان وفجأة سقطت قربي كرة صغيرة تبعها طفل شاحب الوجه لياخذها فسالته(هل انت ميت؟) فضحك وقال (هه.. وانت؟!) لقد امسكت يده وكانت باردة جداً .. ولكن سرعان ما هرب مني .. نعم لقد كانوا امواتا وحينها نهضت لابحث عن زوجتي وقضيت وقتا طويلا ومزعجا وانا اتفحص الوجوه الشاحبة ولكن بدأ الحشد يقل شيئا فشيئا دون ان اراها فاستوقفت امرأة شاحبة ايضا وسألتها عن زوجتي ووصفتها لها فقالت (هناك مطعم في بداية الرصيف يجلس فيه المنتظرون!) وتركتني بعد ذلك دون ان  تفسر لي معنى المنتظرين ولكني لم اضيع الوقت فقد ذهبت مباشرة الى هناك وبحثت بكل اركان المطعم ولكني لم اجدها وانتابني حينها شعور بالعجز فجلست على احد المقاعد وفجأة ظهرت في المطعم بسروالها القصير وشعرها المهمل وهي تنفث دخان السيجارة وكما هي عادتها جلست على مقعد ووضعت قدميها على الطاولة باتجاهي وسحقت عقب سيجارتها ولكن بعنف هذه المرة ونظرت الي وكان في عينيها حزن شديد وأسئلة كثيرة  ثم قالت (لِمَ فعلت هذا..؟!).

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home