القلم السياسي

 

روابط الأخوّة اللبنانيّة- السورية المفككة

غادا فؤاد السمان



 

روابط الأخوّة اللبنانيّة- السورية المفككة

 

غادا فؤاد السمان

لا أعلم أيهما صار أكثر تشظّ في ما يؤول إليه المشهد الأخوي وهو يفتك فتكاً همجيّاً بروابط الدم، وروابط الحبر، وروابط الضاد؟! لغتنا الجميلة تزداد شراسة، وحروفها الأبجدية تعربد علنا بكل المعاني شكلا ومضموناً خارجةً عن قوانين التأويل كافّة.
تعددت أندية المُلاسنات بين البلدين الشقييّن، أقصد الشقيقين، والعضوية الفخرية من حصّة الأمضى قدّحاً والأعتى مدحا تِبعاً للمناسبة.

اتّسعت نطاقات الملاعب بحجم وطنين توأمين سياميين، استحدثا أولومبيادا للتراشق الإعلامي والمُهاترات والفصل والقطيعة. ومع رشاقة الحدث، وحيوية الموقف، وتصعيد الإيقاع، وتجسيد الوساوس، وتكريس الكيديّات، أجدني أكثر بلادة من أي وقت مضى، أزن إحباطي يومياً بالكيلوغرامات التي تتزايد طرداً مع طبيعة الشؤم المتفاقم والغيظ المُستبدّ.
الشارع أكثر أمناً ويُسراً وبساطة، والناس أشدّ إخلاصاً لعفويتهم، ولبنانهم، وشهدائهم، وقلقهم، وغَدِهِم.
ولكن ثمّة من يعمل على تأجيج الصورة، ومع تفاقم الخوف أنصرف إلى عزلتي وأكتفي بالتعاقد المستمر مع الفترات الإخبارية، نشرة هنا، ومنشار هناك، ومسننات القراءة اليومية المتتالية تزداد حدّة وضراوة.

أعلم أنني أقل التماسيح التي تذرف دمعاً، أقصد أقل النساء، ولم أكن أدرك أنّ ما تأجّل من دمع على مدار الماضي كان ينتظرني لسنواتي الكبيسة هذه، وكأنّ دموعي الوافرة كانت على موعد مع اليباس، بثقل شديد مضى عام الحزن، أفتقد بإلحاح مع من يفتقدون تلك الكوكبة التي رحلت معه، ومع طفلي الصغير الذي لم يعرف النور إلا في بيروت، ولم يتقن سوى لهجتها، أهتف لعلم لبنان ولحريته وسيادته واستقلاله، بعد أن أتأكّد جيداً من إغلاق النوافذ والستائر وخلافهما. إذ أخشى ككل الذين يخشون من كَتَبَة التقارير. فالشُبهات حقّ جارٍ على الجميع، والإتّهامات العشوائيّة سمة الراهن، وليس أمامك سوى أن تكون مع أو ضدّ، وليس أمامك سوى أن تكون جلاداً أو ضحيّة، أو فلتمت قهراً ببطء شديد. وأنت تواصل ما بلغَتْه الصحافة والحصافة من تقاذف أرعن في وجهات النظر بين الجبهتين الإعلاميتين اللبنانية والسورية، وبكل وسائل وأشكال التعبير المُتاحة، فقط حاول أن تسمع، أو أن تقرأ، أو أن ترى.
وقد غاب عن الجبهتين المتضادتين، وعن الشقيقين المتصارعين غبطة إسرائيل خلف الأسوار وزغاريدها التي تصل البيت الأبيض، بعد أن غطّاها شِجار الأحبّة بامتياز.

ولعل بيروت الساخطة على ما اعتراها ترفع الصوت أكثر مما ينبغي، وعذرها قائم ما دام حزنها مقيم، والحزن مرض وما على المريض من حرج، والحزن ضيق، والضيق يولّد الانفجار، وانفجر الموقف في بيروت، وانفجرت معه تراكيب الكلام، فخرج الكلام رديف الانفعال، والانفعال يسوق إلى الكفر أحيانا، فهل يردّ الكفر بالكفر؟!

بل كان لإسرائيل سابقات بحق الكرامة والحُرمة والسيادة، حين تطاولت على أمن سورية بما هو أفدح من لفظ فظّ، ترك أثره المُشين في موقعٍ للجيش السوري في عاليه، وفي موقع مدني آمن عند مشارف التلّ، فما كان من السيد فاروق الشرع وقتها إلا أن ردّ بكامل اللباقة، تعرف سورية متى وكيف وأين ترد. واكتفت إسرائيل، بغيظ، بتوجيه الضربة اللائقة من عدم الإكتراث.

فلماذا تعدّ اليوم العدّة الصحافة السورية بكامل الاكتراث والمُبالاة لمقارعة الحرف بحرفين، وتسديد الخطاب بخطاب، وتكبيد المنفعل مع الشعب بافتعال في مجلس الشعب، ومواجهة الغضبة المبررة بغضبٍ مبهم؟!

طول اللسان في الإعلام اللبناني ليس جديداً، فهو مشروع ومشرّع على كافة الصعد، ولكنه مستحدث جداً في الصفحات السورية، فأين التعقّل والاستيعاب والترفّع واللفلفة المعهودة للأزمات الطارئة؟!

هل ينبغي على حزب الله اعتباره جمهورية ثالثة بين الجمهوريتين، فليكن.. أليس جديراً بقائدها السيد حسن نصرالله، وهو يملك هذه الآفاق الرحبة من سعة الصدر والفكر والمنطق والانحياز العلني لسورية أن يتلافى الانجرار إلى الإساءة بالإساءة؟ على الأقل إكراماً لرجل يتحمل مغبّة الحفاظ على ماء وجه الشقيقة، ومغبّة الدعوة الملحّة لمبدأ الحوار.
فما الذي يعيق سورية عن حكمتها وعن استعادة منطقها ولباقتها وليونتها ومرونتها لطيّ صفحات النزاع المجاني مع لبنان، أم أنّ التصعيد سيظل مفتوحاً حتى إعلان ما لا تُحمد عُقباه بين الضلعين؟!

هل يجدي أن أناشد ما تبقّى لنا من الأشقاء العرب لأخذ العلم والحيطة والحذر من هدر الأخوّة بين البلدين. وأعدُ أن أكفّ عن الحلم بالوحدة العربية اعتباراً من سورية ولبنان، لأكتفي بالاعتزاز والفخر بالاتحاد الأوروبي الذي تجاوز خلافاته وضغائنه، ليتفرّغ وحليفتيه أميركا وإسرائيل للنظر في مشاكل أمّة الضاد من محيط الصراع العربي إلى خليج الصراع العربي.
 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home