القلم السياسي

 

جرس تذكير .. بمشروع الشرق الأوسط الكبير

عبدالفتاح الشهاري



 

جرس تذكير .. بمشروع الشرق الأوسط الكبير

عبدالفتاح الشهاري

 

ما بين (الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية) و(الشرق الأوسط الجديد) و(الشرق الأوسط الكبير) فوارق زمنية قد تطول وقد تقصر ولكنها في نهاية المطاف هي مشروعات تصبها أمريكا جميعها في خدمة منطقة بذاتها تحدد الإدارة الأمريكية مسماها من وقتٍ لآخر بما يتناسب مع اللعبة السياسية في كل وقتٍ وحين وبما يجمع ويحوي هذا المسمى وجود عدد من الأطراف التي تريد الإدارة الأمريكية إدخالها في لعبة الصراع العربي الإسلامي بما يحقق مصالحها وأهدافها، وذلك من خلال جمع المتناقضات والمتقاطعات وإقحام عدد من الدول قسراً تحت مظلة هذا المسمى كإيران وتركيا وعلى رأسهما دولة (إسرائيل) المزعومة..

ونحن أمام هذا الطوفان الهائل من الأحداث السياسية المتلاحقة ولمرور عامين على إعلان مشروع الشرق الأوسط الكبير فإنني أود أن أقرع جرس التذكير للوقوف لحظة والرجوع إلى ذلك المشروع أو تلك المشاريع وربطها بما وصلت إليه الإدارة الأمريكية وقراءة ما تم تطبيقه منها واقعاً على الأرض، وحتى لا تلهينا نزيف جراحنا عن النظر إلى من يمسك بيده أداة القتل يبطش بها يميناً ويساراً..

أدوات القاتل في لعبته هم أشخاص مأجورين يتم نفخ جرابهم بحفنات من الدولارات حتى يتخذوا من أي عاصمة أوروبية مقراً لدعواتهم بإطاحة هذه الحكومة أو تلك منادين شعوبهم عبر دموع التماسيح أن حان الوقت للانقضاض على حكوماتهم الديكتاتورية العابثة، يؤازرهم أحياناً نخبٌ غبية لا تصحو ضمائرها ولا تنتفض أوداجها إلا حينما ترى بأن هناك في الأفق من بعيد من يؤازرها، وترفع شعاراً أغبى منها وهو (تقاطع المصالح) وتعطي لنفسها الحق في مؤازرة تلك المطالب المعارضة بحجة أن الإطاحة بالنظام هذا أو ذاك هو الأهم ثم يتم التمهيد لما بعده من إعادة النظر في الوضع وتشكيله بما يناسب هواها، وقد رأينا في العراق ماذا قدمت تلك الشخصيات المموهة والممجوجة لبلادها، والتي مازالت  تتسابق بصراعٍ مخجل إلى كراسي المسئولية بحسب ما يجود به الجنرالات الأمريكية عليها، في الوقت الذي لا تزال دماء أبناء شعبها مازالت طرية لم تجف، بل مازالت حتى اللحظة تسكبُ في الشوارع والطرقات، ولكن الأمر لا يهم لديها ولم نسمع منها كلمة احتجاج أو اعتراض أو مطالبتها بأن تكف القوات الأمريكية يدها عن بلدهم وتعود مشكورة إلى بلادها بعد أن أدت غرضها وهدفها كما تزعم وهو اجتثاث رمز الديكتاتورية والاستبداد والذي جعلته أمام بطشها وجبروتها حملاً وديعاً في أعين العالم، وعلى نفس الغرار تمضي الإدارة الأمريكية في التعامل مع باقي الدول العربية متخذة مع كل بلد الطريقة التي تناسبه وتناسب سياسته .. ولكن يبقى في الأخير .. تعددت الأسباب والموت واحد ..

إن المبادرة الأخيرة والمعنونة بـ "الشرق الأوسط الكبير" ماهي إلا تكرار لمبادرة كولن باول وزير الخارجية في ديسمبر 2002 والتي كانت باهتة في طرحها حيث أنها جاءت في بداية مرحلة أزمة الثقة التي كان بدأ يشعر بها العالم العربي تجاه الإدارة الأمريكية والتي لم يفصل وقت طرحها عن اقتحام العراق إلا أسابيع قليلة ولهذا فلم تأخذ حقها من الاهتمام المتوقع لها، ولم تكن هذه المبادرة في الأساس إلا استنساخ معدل لما أعلنه الرئيس بوش الأب في خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 5 سبتمبر 1991 عن "قيام نظام دولي جديد" قوامه نشر الديمقراطية في العالم وذلك خلال الاحتفال بمضي 20 عاماً على إنشاء الهيئة الأمريكية لدعم الديمقراطية.

يبقى الإشارة إلى أمر مهم وهو أن كل تلك الخلفيات تؤكد أن لا علاقة بموضوع الإرهاب أو ما تعرضت له أمريكا في سبتمبر بما تقوم به الإدارة الأمريكية الآن في حربها على العراق، أو بما تلمح به لمعركة قادمة على سوريا ولبنان، إن الأمر أكبر من ذلك بكثير ولكنها خيوط واهية أصبحت تتسلق عليها لتنفيذ كل تحرك تشوبه الريبة، وأصبح مصطلح "الإرهاب" جاهزاً للاستخدام في كل حدثٍ مهما صغر أو كبر، طالما أن هناك أمر ضد رغبة أمريكا المندفعة تجاه التسلط وفرض سيطرتها الاستبدادية على العالم منتقية قراراتها بشكل فاضح ومستفز حتى في القضايا ذات التصنيف الواحد ففي الوقت الذي تغض الطرف فيه عن أسلحة الدمار الشامل في إسرائيل تستبيح أرضاً بكاملها وتمزق ترابه بحجة "الإرهاب"، وفي الوقت الذي تغض الطرف فيه عن "مفاعل ديمونة النووي" في إسرائيل فإنها تقيم الدنيا وتهدد بفرض العقوبات الدولية على "إيران"، حتى أصبح سعار استخدام مصطلح "الإرهاب" يدخل في القضايا التجارية كما حصل في قضية الموانئ الأمريكية الستة والتي فازت شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية بحق إدارتها بغض النظر عن تفاصيل القضية.

وعودة إلى مشاريع الإدارة الأمريكية لعالمنا العربي والإسلامي وما أسمته هي بالشرق الأوسط وبالتحديد (مشروع الشرق الأوسط الكبير) والذي أعلن عنه في فبراير 2004، فإنه يجب وضع خطوط حمراء تحت عدد من بنود تلك الوثيقة، ومن أبرزها ما أشارت إليه الوثيقة رجوعاً إلى تقرير "فريدوم هاوس" للعام 2003 والتي اعتبرت أن "إسرائيل" البلد الوحيد في الشرق الأوسط الكبير الذي صُنِّف بأنه "حر" ووصفت أربعة بلدان أخرى فقط بأنها "حرة جزئياً"، كما أشارت الوثيقة بكل استخفاف إلى أن "العالم العربي لا يتقدم إلا على جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا على صعيد تمكين النساء" وتعطي الوثيقة لنفسها الحق التعليق باسمنا كشعوب هذه المنطقة حول تلك الفقرة المكذوبة فتستطرد قائلةً: "ولا تنسجم هذه المؤشرات المحبطة إطلاقاً مع الرغبات التي يعبِّر عنها سكان المنطقة".

وتركز الوثيقة بشكل غير طبيعي على عنصر "النساء" حيث ورد ذكر الكلمة فقط أكثر من (14) مرة في تلك الوثيقة فهن بحسب الوثيقة: "يشكلن ثلثي نسبة الأميين، لا يشغلن سوى 5% من المقاعد البرلمانية" لذلك فالوثيقة بكل جرأة تعلنها بأنه "سيتم التركيز على النساء والبنات"، وربما أن أي عاقل إذا ما نظر إلى وضع التحلل الأخلاقي الحاصل في الفضائيات العربية والتي غزتها لأول مرة الرقص الماجن والفاضح لبناتنا في العراق في سابقة غير معهودة في هذه الفضائيات يعلم بالضبط ما المقصود بالأمية والتقدم والسياسة والثقافة التي تريدها أمريكا لنسائنا وبناتنا..

وإذا ما رأينا ما ترتكبه القوات الأمريكية من اغتصاب وانتهاك لأعراض نسائينا وبناتنا في العراق عرفنا ما المقصود بما تريده أمريكا من "إنشاء معاهد تدريب المعلمين مع التركيز على النساء" وبلمزٍ وطعن في قيمنا الإسلامية تشير الوثيقة في معرض نصها إلى أن (هناك دولاً تحرم تعليم الذكور للإناث) وكأنه أمرٌ مشين أن لا تفتح مدارس البنات أبوابها لانضمام ذكور إلى هيئة التدريس، فإذن أين دور المرأة التي تسعى الوثيقة إلى تعليمهن وتثقيفهن، أم يريدوهن أن ينتظرن خلف أسوار المدارس حتى تكون الأولوية للذكور ثم يأتي دورهن (قمة التناقض).

هذا التذكير المغزى منه شيء واحد فقط وهو أن أمريكا تتحرك بشكل جدي، وأن هناك قطعاً سيناريو معدّ وهو في طور التنفيذ، وأن على نخبنا المثقفة والسياسية أن تعي الدور المطلوب منها، وأن تعيد حساباتها بما لا يدع مجال لتنفيذ باقي ذلك المخطط اللعين، وإلا فنحن أمام استعمارٍ جديد لا محالة، وللأسف فإنه استعمار في زمنٍ بغيض ملهاتنا فيه أكبر من مأساتنا، تحركنا ضمائرنا لقضية، وتموت عن ألف قضية.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home