قصة

 

ذاك الغريب الذي انقذني

محمد دلومي



       لما أفقت من نومي كانت الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق وغمامة كثيفة من دخان أسود أخذت تتسرب إلى غرفتي , قفزت من سريري مثل المجنونة , فتحت الباب باحثة عن منفذ للهروب لكن ألسنة النيران الممتدة عبر الباب مثل الأذرع التي تريد اختطافي جعلتني أضرب الباب بعنف , كان الفندق يحترق وكنت آخر من يعلم , أذرع الغرفة جيئة وذهابا, أُولول مثل المجنونة, أركض من ركن إلى ركن , لا أعرف كيف أتصرف في وسط هذا الحريق الذي يزيد استعارا , السنة النيران تمتد إلى الطابق السابع ’ محدثة صوت أشبه بالدوي , أسمع صوت الزجاج الذي يتحطم بفعل الحرارة فيخيل إلي أن الفندق يتهاوى , النيران تحاصرني وتضرب علي طوقا من كل الجهات , ها أنا وجها لوجه مع الموت , يمد إلي ذراعيه , أسال نفسي , تراه كيف يكون الموت ؟؟ أيأتينا بوجه بشري , أو بوجه غير الوجوه التي ألفناها في الحياة الدنيا , لم أعد أرى شيئا من كثافة الدخان الذي بدأ يغزو الغرفة بجنون ’ أشعر بالاختناق , تنتابني نوبة من سعال حاد لم أعد استطيع التنفس كأن يدا تريد كتم أنفاسي , أصوات النيران التي تزأر أقوى من أصوات البشر الذين يصرخون في الشارع , بل أقوى من صفارات إنذار سيارات الإسعاف , أنفاسي تضيق وكلما ضاقت اشتدت ضربات قلبي , إنه الموت فاغرا فيه يريد ابتلاعي ,أبتهل إلى الله أتوسله رحمة , أقف في وسط الغرفة ذليلة كسيرة أستجدي الله رحمته ولطفه , اليوم أتذكر الله وقدرته , في وقت المحن وعندما يكاد الموت يعانق أرواحنا ننسى كل شيء إلا الله , شعرت بالخجل وأنا بقميص نوم شفاف وقصير مفتوح في أعلى الصدر ويتوقف امتداده عند منتصف الفخذين .

لم أعد اقدر على الوقوف , نبض قلبي يتسارع , نوبات السعال الحاد تهجم علي ؛ حتى خيل إلي أن قفصي الصدري يقتلع مني اقتلاعا , جسدي بتصبب عرقا مثل السيل المنهمر يلتصق بقميص النوم الشفاف مبرزا تفاصيله وتضاريسه التي تغزل بها كثير من الرجال , هاهو هذا القد الممشوق قاب قوسين او ادني من أن يصير رمادا , لا أعرف كيف يشعر الذين تفصل اللحظات والثواني بينهم وبين الموت وهاهي اللحظات والدقائق تفصلني عن الموت ولم أعد أقوى حتى على حمل نفسي , تراها سكرات الموت ..؟ أكاد أتهاوى من خوفي ومن ضعفي وانعدام حيلتي ’ زجاج النافذة يتحطم ويتناثر في أرجاء الغرفة احمل نفسي حملا لهارب إلى وسط الغرفة , أترنح يمينا , أترنح شمالا مثل التائهة في صحراء أو مثل ثملة أثقلها السكر
حلقي جف من الظمأ ’ تمتد إلي يد الشخص الذي دخل من النافذة محطما زجاجها ويناولني ماءا ’ أشرب بغير انتظام يتسرب الماء من فمي , أبلل جسدي , أنظر إلى الرجل محاولة أن أتبين تفاصيل وجهه فلا أستطيع إلى ذلك سبيلا , ينزع من على وجهه قناع التنفس يضعه على وجهي , أتنفس هواء نقيا , أريد أكثر أريد المزيد , أشعر أن رئتاي تطلبان المزيد
’ أشهق و ازفر , يهمس صوت الرجل الذي لم أتبين منه إلا خيالا طالبا مني ستر جسدي , ويحه أيعتقد إني استحي منه والموت يمد إلي ذراعيه , لم أشعر بالحياء فالموقف اكبر من أن يجعلني أحس بالخجل ’ فتحت حقيبتي وتناولت أول قطعة من لباس صادفتها أناملي ولبستها على عجل .
أتوسل الرجل الذي لم أتبين ملامحه بعد إنقاذي وقبل ان انزع قناع التنفس كي أتكلم معه واطلب منه ذلك وجدته يمد إلي يده بحنان ويلتقطني بلطف مثل طفلة صغيرة ليحملني على ظهره ويشدني إليه بأحزمة متينة , يقفز من النافذة متمسكا بحبل , يقفز من طابق إلى طابق مثل الرجل العنكبوت , أصرخ في رعب لكنه يطلب مني السكون وعدم الحراك كي لا أفقده توازنه , في كلامه ثقة كبيرة بالنفس , كلامه فيه حياة وعذوبة وسط الموت يضحك وفي ضحكته رنة جميلة تشبه الموسيقى الحالمة .
سقط مني القناع فجأة ونحن نتداول استعماله مرة بمرة , صرخت جزعة , لكن الرجل الذي يلتصق صدري بظهره ولم اعد أرى منه إلا قفاه يمدني بجرعات من أمل , كان يضحك من الموت ويتحداه في عجب حتى شعرت بصغر الموت أمام ضحكاته الحالمة التي تصل إلى القلب وتعانق سويدائه , كنا نتدلى من الحبل مثل عرجون تمر أثقله النضج , كان يقول لي أننا لن نموت لو فكرنا في الحياة و لو فكرنا في الموت سنموت إذا علينا ان نفكر في الحياة , كان راسخ القناعة بالنجاة , أما أنا فتتأرجح مشاعري المضطربة بين إعجاب برجل لا أعرف له شكلا ولا اسما ولا عنوانا , يعبث ويضحك من الموت وبين موت يريد نزعي ِ من الحياة . ولم يتوقف كلامه عند الموت والحياة والرجاء والأمل
بل رحل بي إلى حقب التاريخ الآفل وطلب مني أن أغمض عيناي واضع راسي على ظهره وأنصت وأتخيل , ليسرد علي بعدها عن قارة اطلنطس التي اختفت في عرض المحيط , والتي كتب عنها أفلاطون وعن تقاليد شعبها وحضارتهم بل رحت أتخيل نفسي أطوف شوارعها وادخل معابدها وارى و أتبضع من أسواقها , وأجول في حدائقها الساحرة , وعمرانها البديع كانت حضارة ا لم تعرف لها الأرض مثيلا , وقبل أن أصحوا من حلم أطلنطس طار بي إلى حضارة " الأنكى والمايا" عند الهنود الحمر وأدخلني معابدهم وغطست في أنهارهم المليئة بالذهب والأحجار الكريمة , وتجولت في غاباتهم الحالمة , لم يكن الرجل عاديا كان حلما , كان ساحرا , أنساني الموت الذي يطاردني ويتربص بي الدوائر , هذا الرجل المشدودة إلى ظهره ولا أعرف له شكلا ولا أرى له وجها والذي أراه من قفاه , بدا لي كفارس قادم من أعماق التاريخ الغابر , بدا لي حكاية جميلة وهبتها الحياة لي دون نساء الدنيا , شعرت بمشاعر غريبة وأنا أضم صدري إلى ظهره , أحتضنه في حنان غريب وتمنيت أن تتسرب روحي إلى روحه لنصبح روحا واحدة تمنيت ان أكون نبض قلبه
الذي أحس بخفقه وأنا أضع راحة يدي على صدره وأتشبث به بكل قوة ’ هذا الرجل الحلم الذي بدد أحاسيس الخوف عندي وصنع منها مشاعر أخرى غريبة لم أشعر بها طيلة حياتي رغم تجارب الحب التي مررت بها , إلا أن هذه المرة الشعور يختلف , يختلف بمقدار دقات قلبه التي ترقص على راحة يدي وبمقدار الخطر الذي يواجهه من أجل إنقاذي وبمقدار الحكايات التي يحكيها لي وضحكاته الجميلة , كل شيء فيه يختلف , كل شيء فيه مميز حتى خفق قلبه , كنت أتمنى أن انظر إلى وجهه وأطبع على جبينه قبلة وأخرى على خده وأخرى على أنامله , امتدت أناملي دون شعور مني إلى جبينه , تحسسته واسعا جميلا ومسحت على وجهه بلطف أرسم له صورة في خيالي , أتحسس شاربه الخفيف . لحيته المعقوفة الصغيرة , تضاريس وجهه كانت تغسلها الدماء التي تنزف من جبينه وأنفه جراء الزجاج المتحطم واصطدامه بالأسوار , لقد تحسست دمه بيدي , نظرت الى يدي كانت حمراء لم اشعر بالخوف من الدم بل تخيلت يدي الحمراء وردة حمراء بلون الدم القاني , شعرت بإشفاق غريب عليه بل لم يكن إشفاقا , لا أعرف كيف اسمي هذا الشعور فقد كان إحساسا غريبا مزيجا بمشاعر الأمومة التي تخاف على طفلها الوحيد والأخت والحبيبة والصديقة والإنسان , كانت مشاعر مختلفة تتضارب بداخلي جعلت قلبي ينبض بعنف حتى تخيلت انه سيخترق ظهر الرجل ويستقر مع قلبه في صدر واحد , هل تراه الحب يدق قلبي وأنا معلقة بين السماء والأرض ..أتأرجح بين الموت والحياة ؟؟ هل تراه الحب يطرق باب قلبي ؟

كنت أريد أن أساله عن معنى الحب عنده , هل هو وليد لحظة آنية , أم تراكم لأحداث جميلة ام هو غير هذا كله ؟؟ .
في الوقت الذي نسيت فيه أني أمام خطر داهم و كانت روحي في عالم آخر لا تعبا بالخطر ولا بالموت التي تنتظر خطأ بسيط لتنقض علينا , كانت الأيادي تفك الأحزمة التي تربطني بظهر الرجل وتختطفني خطفا , وراح الرجل يبتعد عني تمنيت لو يستدير لأرى وجهه تمنيت ان اقبل يده ان امسح دمه , حاولت ان اصرخ وأنادي عليه لكن الذين من حولي حملوني الى سيارة الإسعاف فتحوا بابها وضعوني في الخلف , ومن سريرها رحت أتأمل الرجل وأنظر إلى قفاه وهو يبتعد عني , كان يمشي بهدوء وثقة ’ انطلقت بي سيارة الإسعاف بصفيرها الحاد مرت بجانبه , خفق قلبي ’ تسربت روحي من بين جنبي , وفي الوقت الذي استقمت محاولة رؤيته كان قد اختفى بين الجموع في الشارع , وكان مثل حلم جميل تسرب من بين أناملي ’ لقد أنقذني وسرق قلبي .




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home