دراسات هامة

 

سطوة الاغتراب وجمالية الكتابة في

إبراهيم القهوايجي



سطوة الاغتراب وجمالية الكتابة
في " عصافيرالوشاية "
 إبراهيم القهوايجي:

" هناك قلة من الملائكة تنشد، هناك كثرة من الكلاب تنبح": لــوركا.
" في كل قصيدة عظيمة ، قصيدة ثانية هي اللغة" : فـاليري.
 
     بصدور مجموعته الشعرية:"عصافير الوشاية"(1) يمضي الشاعر المغربي عبد السلام المساوي قدماً في تعميق تجربته الشعرية، التي تمتد في جذورها إلى ديوانه الأول"خطاب إلى قريتي"، مروراً بديوانه "سقوف المجاز"، إذ يعمق حواره مع العالم المتغير بسرعة فائقة، من خلال رصده لموجوداته عبر اشتغال حساس لحواسه في تعالقاتها مع الواقع اليومي، وصهرها في "بوتقته"الشعرية، وإذابتها مع المدركات الأخرى المختزنة في طبقات وعيه، مما يشي بنوع من الشعور بالفقد أو الارتداد إلى صور الماضي المحملة بعبق عالمه، لأنه كان يحضن عناصر القوة ، في مقابل الحاضر الممتد في مستقبل خال من الآمال والأحلام، وهو ما أسميته في دراسة سابقة ل"سقوف المجاز":"شعرية الفقدان".

    و"عصافير الوشاية" يمثل تطوراً واضحاً في مسيرة الشاعر من جهة ، وتنويعاً على إيقاع الرؤيا الشعرية من جهة أخرى، من خلال ملامسته العلاقة بين الذات والعالم ، المنفتحة على حقول دلالية تشكل الرؤية الكلية، لذلك يمكن مقاربة هذا الديوان على أكثر من مستوى، ووفق أكثر من قراءة؛ يمكن قراءته كفصل من تجربة الشاعر، كرؤية وجودية ،....تحيل على تشكيل فسيفسائي يمتح من ذاكرة محتشدة، تضمن التعارض بين الكوامن الذاتية والموضوعية، ومن هنا مشروعية ملامسة بعض جوانب المتخيل الشعري في هذا المتن.
 
وشـــاية العـــنوان:
     ما دام العنوان يؤسس غواية النص، وعلى اعتبار أن عنوان"عصافير الوشاية" يسم أحد نصوص المجموعة، فإن الشاعر يفاجئنا فيه بصيغة تناقضية، مبنية على التعارض، في الإحالة على الدلالة المعجمية الحرفية بين مفردتي (عصافير)/الملموسة، باعتبارها تلك المخلوقات الصغيرة والوديعة، و(الوشاية)/السعاية والنميمة/المجردة، كرذيلة مرتبة ضمن سلم القيم الأخلاقية والاجتماعية المنحطة: إنه التعارض بين الجميل والقبيح، بما يحمله من قلب طبيعي بين العنصرين، على الرغم من علاقة الإضافة المحضة بينهما على المستوى النحوي التركيبي، القمينة بإزالة إبهامهما وشيوعهما، وهذا ما يفضي بنا إلى إعادة بناء مقومات انسجامهما حتى تغدو العبارة قابلة التأويل، وبما أن العصافير تعد أجمل رمز من رموز الحرية، لأننا بمجرد النظر إلى السماء ورؤيتها تطير وتغرد، نشعر بروعة الكون وجمال الحرية فساحة السماء، وهو ما يتقاطع مع النص الشعري في المواصفات المذكورة (الشعور بالروعة، الجمال، الحرية)، ومن ثم، فالعصافير المغردة في حياتنا الثقافية هم الشعراء، عصافير المحبة الأليفة، وبالتالي تحيل في العنوان على قصائد الديوان، وتكون رمزا للشعر، في حين ترتبط (الوشاية)، في إحدى معانيها اللغوية ب"استخراج معنى كلام أو شعر"(2)، لتتقاطع مع معناها الإيحائي في الدلالة وبالتالي تصير "عصافير الوشاية" طيوراً للشعر التي تنهل حقول القمح وفضاءات الدفء وفسائل الوعي وحنين الإبداع الحر من كل القيود، وهكذا يبدو العنوان، الذي هو في حد ذاته وشاية بنصوص الديوان الشعرية، حاملاً لطاقة تحفيزية تتصيد المتلقي، ومخلخلاً لأفق انتظاره، فاتحاً شهية المتلقي لقراءة تفاعلية مع عوالم المتن، التي هي في حد ذاتها وشاية بنصوص المجموعة.

متخيل الإغتراب واغتراب المتخيل:
     للمتخيل الشعري وضعية استثنائية في كتابة النص الشعري، بوصف الخيال يشكل عنصراً بانياً للخطاب الشعري، الذي تندغم فيه التجربة الكتابية بالتجربة اليومية، والشاعر في "عصافير الوشاية" يواجه مفارقات الوجود والمجتمع بمفارقات لغوية وتركيبية أخرى، وذلك بركوب درجات المكر اللغوي لتشكيل متخيل شعري يعكس مشهداً يومياً يشوبه الكثير من العبث والإحباط لانعدام التواصل بين الشاعر وعالمه، وسيادة تيمة الغربة والاغتراب والألم والضياع، لذلك يتقمص الشاعر رموزاً لما يعانيه في حياته اليومية، وهو إذا ، بهذا المعنى يرسم بعين الدهشة، ويعيد صياغة موضوعاته الصغيرة، ويكتشف العالم بحقائقه الصغرى، إن عالمه يشكل بؤرة انشغال ما لا يرى بالعين المجردة: "الكمان الذي أبكاني / خشب يحن إلى غابته / والعازف نبي / يعرف لغة الشجر"(ص60). وكل قراءة لنصوص الديوان هي اكتشاف أول للعالم وأجزائه، فقصائد المجموعة تبدو طازجة، لأن عناصر عالمها تولد في نفس لحظة التلقي المتوازية معها، وبالرغم من كونها تحمل مواصفات البعد الخارجي فالداخلي يتمرأى في مراياها، ولذلك، فالشاعر ينتقل من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل عبر شعور فجائعي بالضجر والفقدان والغربة المندفعة من الأعماق البعيدة والأغوار الداخلية السحيقة، فها هو غياب الأم الباعثة على الخصب، والتي تغمر الكون بهجة وصفاء:" تستيقظين الآن / في الهزيع الأخير من أرقي / فتنتصب الأشجار مثمرة من جديد / وباسقة كارتفاع الصلاة.."(ص 10 و11)، لذلك تسافر ذات الشاعر في الذاكرة:"لحظة وينبسط الطريق إلى قريتي / مخفورا بالصبر والصبار/ لحظة وتنهض الطيور من فخاخي / شادية رغم انكسار الجناح.."(ص11)، وحرقة غياب الأم التي تستعر في فؤاد الشاعر هي التي تفسر ذلك التعارض بين الغياب/الخصب والحضور /الغربة والضياع والموت:"باب، ويدخل الخريف/كي يشرب شاياً في عز الخريف/باب، ويخرج الصيف/من حديقتنا/ حاملا في الجراب أجراس الدوالي/ وشمساً أنهكتها / منحدرات الغروب / باب يغوص إلى الرتاج في غيابه." (ص13و14)، وهكذا تكشف الذات خيبتها، فتستحضر ذكرياتها الطفولية، وهي تستعيد أحلامها وهواجسها السعيدة في أحضان أم لم يجف نسغها بعد رغم الموت :"..ولم تزل عيناها تشعان بالفرح/ وهي تراني مقبلا من أيما جهة / من سحب يكسرها الرعد/ أو من ليل تعثر في نصفه النجم" (ص7و8)، فتتعاضد الرؤية والبراءة الطفولية لتجديد مواسم الفرح والخصب، لكن مشهد الانكسار ينبئ بأن الزمن ما يزال حاملا سمات الهزيمة والفجيعة:"..وتبعثين في الحكاية، أشلاء السلالة/وتاريخ الموت/ وأبواب الجنة التي دونها/شيوخ الحضرة في الأذكار.."(ص11)، ثم تنفتح الرؤيا الشعرية في الديوان من أجل استقصاء تيمة الاغتراب، حيث يحفل المعجم الشعري بكل الألفاظ الدالة على الاغتراب والغربة، وما يتصل بهما من أوجاع المكابدة والمعاناة : (غربني، خوفها، الرياح، يكسرها، ليل، الصمت، جفوة الوقت، الظلام، بلاد بعيدة ، الشوق، التائه، أرقي انكسار الجناح، تاريخ الموت، الانتظار، ذبحي، منحدرات الغروب، غيابه، ضجر، حبات الأرق، أخبار الموتى، منطفئا، تجمد، غربة، تهنا، تنطفئ المصابيح، غرباتنا، زهور التعزية، المتاه، ثعابين الارق، الغائب، يغيب، تعب المسافات، الخائف، أوجعه، فراغ، غيمة، أرقة الظلام، رماد الأجنحة، لسعة الحرب، أزرار التعب، مرتبك بوجودي، العاصفة، خلوة، أزمة، ريح الحنين، مجد الغروب، عناكب الغياب، الخاتمة، الباب، الغامضون، الصخب، يغيم الضوء، الغبار، اختطفتها، قيامة الشعراء، النار، الطفل التائه، التعب، الهاجعين، حانات الأحلام، صفحة الوفيات، جهة السواد، لذة الظلام، أزهار الظل، تهرب، الهاربة، دمعتين، الوقت المنقوع، المجهول، الصقيع، الطيف، حزن، العابرين، تورماتها، الصمت، العمر، الصدأ، أرحل، انطفأت، قوس الألم، جلباب السفر، أبكاني، الشجى، سواد تابوته، وتر مهزوم، توابيتهم، الحطام، صالات الظلام، الغابة، زهوره الناعسات،لم يمت، سافر، الصقر، الشيخوخة، غريب، البحر، شاعر تغرب، يمجد الغياب، الغريبة، تغيم الألوان، تنتشر الطرقات، تغادر، الرحيل، النعش، القطران، عطش الغروب، المترع بالموت، يباس الشفاه، الفجيعة، أقحوان العذاب، الموت، الفراق، مداشر الأحزان، طلل، ينطفئ كالذبالة، رصيف الحرب، يغتالون زهرتي، العقم، الإفلاس، قبورهم، القراصنة، الجنازات، التراب، الفقيد).
ومن تم نشهد استمرار الشاعر لاحتراق الغربة والضياع في هذا الكون المظلم الذي ينضح ضجراً: "ضجر يأتي من كل مكان/من الساعة التي تحصي/راحتي غمزاً بالثواني/إلى الصنبور الذي تقطر/منه حبات الارق/ومن الجريدة التي تتكرر كل يوم/كي تجدد أخبار الموتى/إلى منصة/تتقبل العزاء في الشعراء../.."(ص17)،لذلك تحتمي الذات بسقف الحلم، فيتحول الحزن من حمولته الشعورية التخريبية:" قل لي:/ من أي حزن/يقدون هذا الوتر/أيها الصوت الذي اتحد بالشجى/.."(ص60)، فيغدو الزمن مادة للتطهير في غابة الحروف:"لكنني أبداً /سأظل أرحل نحوك/في سفينة أصنعها/ من رغوة الكلام"(ص58).وهكذا تعي الذات تفاهتها، فترفع درجة المقاومة لقهر زمن الضياع والغربة والفقد، ومن تم تتغيا ملء الفراغ:"أخشى أن أنام /قبل افتضاض الصفحة/قبل أن أسحب النار إلى آخر اللفافة../جباناً أكون/إذا لم أسيج حقولي باللغة:.."(ص42و43)، ويبقى للشاعر سلاحه الأخير المتجلى في انغماسه في الكتابة" سأختفي في غابة الحروف/ باحثاً عن أبي/لأرشده.."(ص43).وهكذا تتنامى الذات في حاجتها إلى الانفتاح على المتعدد، والتحليق في الآفاق اللامحدودة،وفي هذا الأفق التخيلي تتقلص الأرض لتتماهى مع المومس:"كأن الأرض مومس/ تتبرج بحنطتها/عندما يجوع الأغنياء.."(ص30)، ومن تم شوق الشاعر إلى محو الواقع بالطريقة الصدامية، فتتأرجح ذاته بين العواطف المتناقضة، فتجتاحها عواصف العبث واللاجدوى في الوقت الذي تتشبث فيه بنشوة الخلق ولإعادة تشكيل العالم:"لذلك أحلم بأني أنام/ وأن العالم من حولي/يحمل وسادة كبيرة/ ويتجه متثائباً نحو السرير"(ص28)، وهكذا يقدم الشاعر في الديوان صورة كبرى تحمل دلالة الانكسار والإخفاق في تحقيق ما يصبو إليه، وهو حالم كبير، وحلمه هو أن يدرك الحقيقة، ويستجلي خفايا المجهول، لذلك يجرجر حلمه معه حيث الغرق والمتاهة والضياع، فلا عجب إن وجدنا الصور الكثيرة مشحونة بمشاعر الضياع:ضياع الأم، ضياع المكان، ضياع الشاعر، ضياع أهل الكهف، ضياع جيل السبعينات، ضياع الراقصة، ضياع المتسول..، وفي المقابل هناك صور مشحونة بمشاعر العظمة: الأم، الأب، أمينة، الهدهد، النسر، العندليب، الشاعر..، وكأني بالشاعر يقيم توازياً بين الفعل ورد الفعل، ومن هنا صوت تمرده واحتجاجه في وجه العالم المنظور واللامنظور، وهو ما قاده لأن يعيش اغترابه على الطريقة الكفكاوية.
 
شعر لا يشبه السرد،وسرد يشبه الشعر:
     تظل نصوص:"عصافير الوشاية"نصاً مفتوحاً لأنها تلغي الفوارق بين الشعر والنثر من جهة، وبين الأجناس الأدبية من جهة أخرى، لذلك فهي مفتوحة على الكتابة بمعناها الحديث، زمن المداخل المؤدية إلى باحاته وأعماقه هذا التنازع بين الشعرية السردية والسردية الشعرية، فالشاعر لا يضع حدوداً واضحة بين الشعرية الصافية وبين السردية المكتملة مقوماتها، فهما يتقاطعان مع بعضهما، وهنا تكمن قدرة الشاعر الجميلة في إبداع نصوصه، ففي بعضها تتمثل السردية وكأننا نقرأ قصة (كحل غربني عن عيني، السبعينات..) في حين تأخذنا قصائد أخرى لحدود الشعرية بحساسيتها المرهفة (عصافير الوشاية، أحلم بأنني أنام، سأبرر للعاصفة..) وفي نهاية المطاف نعثر على تزاوج وتناغم جميل بين الشعر والسرد، والمقصود بالسرد ، هنا، ليس معناه القصصي الحديث، بل معالمه في عرض الحدث الشعري، الذي تتمظهر ديناميته السردية بواسطة التنامي في الحدث، بل وفي الأسطر الشعرية المشحونة بالأفعال (شيدن، مجدن، يعيد، غربني، يحرسني، تحركها، تراني، يكسرها، تعثر، تجمع، غاصت، تستيقظين، يفصلني، تقبلين، تحملين، تواصلين، تبدئي، تهب، يبحث، يخدع، يعلو، يتشقق، يعود، تحفك، لطخته، تغفر، تمسح، ينبسط، تنهض، أعرف، ارتفع، أذكر، أقام، يمنع، يحرس، يبارك) (هذه فقط أفعال النص الأول، فما بالنا بجماعها في جسد الديوان)، وهي أفعال مشتتة الضمائر بين الغائب بنوعيه المذكر وجمع النساء و المؤنث، والمتكلم وضمائر الزمن والأشياء في لقطات تكاد تشبه مثيلاتها السينمائية، أو ليس هذا السرد الجميل يتنصل فيه الشعر ذاته، أو هو سرد يحاول الشعر أو شعر يفتعل السرد، ويشي به /الوشاية ويفضحه، في تلاقح أخاذ يرتق العالم الشعري للمساوي، بما هو وعي بتقارب الأنواع الأدبية ، وتجاوزها للمعهود، والشاعر ينطلق في هذا من استفادة الشعري من السردي، على أساس الانطلاق من عالم الشعر، والعزف على ما يقوي لحمته وسداه، ويوضح رؤيته، ومن هنا يتناص الشعر مع السرد في الديوان على المستويات التالية:
-       التناص الموضوعي: يهم فضاء اشتغال القصيدة والسرد موضوعاتهما
-       التناص اللغوي: يتمثل في استعارة الخطاب القصصي والمزج بين الأصوات للتعبير عن أنا الشاعر وأنا النص وأنا القارئ.
-       التناص الفني: ويكمن في مدى استيعاب إمكانات أسلوبية وفنية كالذاكرة والطفولة والرمز والحكاية.
   وبهذه العملية التناصية يتم تحويل ونقل الواقع إلى لشعر، عوض نقل الشعر إلى الواقع وهو ما يخلق جمالية من نوع خاص ترنو إلى تشعير الواقع والانتقال به من الخطية إلى النصية, عبر إقامة بنية من المعاني وترسيخها خارج المعاني المألوفة، وهو ما يتبدى لنا في هذا المقطع/:كان يخرج عارياً من رماد الأجنحة/ ويسحب اللغة من موتها/ إلى شعلة تتبدى/ في أفق بعيد/ ليس له خوذة / تحميه من لسعة الحرب/ ولا مهرة/ تركض في طريق النجاة.."(ص31)، ففعل السرد التقليدي(كان) يفتح النص على عالم سردي رحب تعضده الأفعال الحاملة للحركة والتحول (يخرج، يسحب،..)، وتدخله في حساسية تعتمد الإثارة والإدهاش وكتابة المهمل اليومي، والشاعر خلال ذلك يواجه سيلاً من عوالم العبث ليمارس أفعالها في الاغتراب والذهول، ومن تم إلغاء تلك المطابقة الممكنة بين اللغة والواقع لإنتاج معانيه المبنية على المفارقة:"عارياً من رماد الأجنحة، يسحب اللغة من موتها،...)، وهنا يتفوق الشاعر في رسم وخلق الاختلاف المبني على المفارقة اللغوية، فتنفتح نصوصه على قوى السرد في بعض مفاصله، في حين ينفتح الشاعر على فضاء الكتابة الأرحب في مستوياتها الرؤيوية والرؤياوية، ونتيجة لذلك تتحول نصوصه إلى علاقات سيميائية من التركيب الشعري، فبنية النص المساوي تتركب من جملة ذات شفرات لغوية تحيل على دلالات شعرية قائمة على التنويع والثراء في المضامين وخلق دينامية شعرية في خطابه، ولنتأمل قول الشاعر:"أيها التمثال/ الذي يرتفع في الرخام/ يا من أعطى للصمت بياضه/ وعلم الصلابة أن تنحني/ مهزومة الجبين../ بالله أخبرني/ من علمك هذا الصبر؟/ من أوحى لليد / بأن تشيد مجدها/ من وطأة الانتظار"(ص57)، فاستنفار حركة الفعل داخل هذا المقطع (يرتفع، أعطى، علم، تنحني، أخبرني، علمك، أوحى، تشيد) يمكن عدها هي الفاعل التركيبي لشفرات المقطع، فالمعاني الملتبسة في المقطع وظلالها يقودها الدال لإنتاج المركب الشعري، ونقله الى مدلولات متعددة، وبعد عملية إحصائية ألفينا الفعل يتوزع نصوص الديوان على الشكل التالي:
 عدد الأفعال المترددة فيها       عنوان القصيدة
          57 48 63 27 43 38 66 94 43 كحل غربني عن عينيعصافير الوشايةأحلم بأنني أنامسأبرر للعاصفةغابة الحروفالسبعيناتمن أي حزن يقدون هذا الوتر؟دمهم تناثر في الأغنياتلحن عسكري لأغنية عاطفية
وهو ما يوحي أن المحمول الفعلي في الديوان هو بؤرة النسق الشعري عند الشاعر، وتردده في النصوص مرتبط بدلالة النمو والتجدد، وهو ما يمنح للشعرية السردية استمرارها وألقها وهذا يعني استمرار الحدث الشعري في الزمن بصوت الفعل، فتوتر الشاعر واغترابه وما يعانيه يجعله يصرخ من خلال الفعل موزعاً بين الموجودات الشعرية بعض ملامح اغترابه, لذلك يتساوى العالم الداخلي والخارجي، يقول الشاعر:"ضجر يأتي من كل مكان/ من الساعة التي تحصي/ راحتي غمزا بالثواني/ إلى الصنبور الذي تقطر/ منه حبات الارق/..."(ص17)، والأفعال في هذا المقطع (يأتي، تحصي، تقطر،..) تحمل شحنة زمنية تنم عن توالي الإحداث بحرفية لتتحول إلى أفعال مسندة إلى الأنا الشعرية المفردة بصيغة الجمع، حيث تتعالق الجمل والمقاطع بمنطوقها اللفظي ودلالاتها الإيحائية، ليبقى الفعل هو محركها تجاه بناء تفاصيل ودقائق متعددة ومتنوعة، فالساعة تحصي راحة الشاعر، والصنبور يقطر أرقاً، والجريدة تجدد يوميا أخبار الموتى..وهذا الحوار بين هذه الموجودات الشعرية يبعث الحيوية والحركة في النص، وهو ما يحقق تنامياً على مستوى التركيب وتوليد المعاني، ويمنح الجمل الشعرية صفة الاكتمال، فتتراكم الصور عبر التكثيف بواسطة التعبير السردي والتصاعد الدرامي، وهو ما نجده بادياً، أيضاً، في المقطع التالي:"أن يجلدني صوتك/ في ليل لا يعرفني/ أن تنحدر اللغة/ إلى هاوية قواميسها/ أن تجهشي في الخاتمة/ فذلك لأنني مرتبك بوجودي/ أو لأنني مندفع/ نحو صباح متعثر برصيفه/.."(ص35)، وحتى حضور الزمان والمكان يحيلنا إلى فضاء القص الذي يتشعرن بكثافة وقوة محمولات العناصر الداخلية في انعكاس الفعل السياقي وفعل الراسب الشعوري بوصفه خطاباً للآخر المقترن بالأنا اقتراناً جوهرياً:"الجنوبي الذي أيقظني/ أودعني خوابي أسراره/ وانصرف../ رأيت زهوره الناعسات/ و"جوارب السيدة المرتخية"،/ رأيت كليبا يعلق جرحه/ قبل أن يفيء إلى صمت القبيلة../.."(ص69)، وتتعاضد عناصر أخرى لترسيخ هذه الشعرية السردية كاستدراج المفارقة والسخرية والتضاد والتوازي، وهي كلها تحيل إلى الحيرة والدهشة تعبيراً عن تناقضات الواقع المتقاطعة مع جماليات الحياة:"لم يعد هذا اسمي/ صار قناعا/ يلبسه الضاحك والباكي / والقابع في الحانات/ يحصي الليالي/ التي بلا قمر/ والخائف على ملامحه/ من شهقة الأبرياء../."(ص27)، وهذه الموجهات تغدو مشتركة في الاستذكار والتخييل، بانية معانيها بتبادل المواقع السياقية وإسناد الصفات والضمائر لتنتظم الدلالات في طاقة الجمل الشعرية التي تتنازعها الصور الشعرية، ويسترسل الشاعر في بناء مشهده الشعري بواسطة الفعل الحكائي بعناصره المتواشجة، حيث تحيل بعض الصور إلى اشتغال الذاكرة في استدعائها للماضي (كما في"كحل غربني عن عيني..)، إضافة غالى توصيف أفعاله بإسناد الشاعر الحكاية إلى أناه (كما في"أحلم بأنني أنام"..)، أو إلى الآخر (كما في"عصافير الوشاية "،"دمهم تناثر في الأغنيات"..) أو حين يمتطي حالة شعرية داخل متن الأنا وعلاقتها بالأنا الأخرى (كما في نص "من أي حزن يقدون هذا الوتر؟")، حيث يتم الانفتاح على الرؤى الوجدانية المتدفقة أو الرؤى المركبة المحيلة على علاقات الاستبدال والاسترجاع والتماثل وفاعلية الانزياح.
     ويحتفي فضاء النصوص بلغة تحيل، مباشرة إلى مراجعها، على الأشياء كما هي، وهكذا يبدو فضاؤها مجالاً للرؤية وزاوية النظر، إنه فضاء موضوعي..ينتقل الشاعر/ السارد في وصف الفضاء، موضوع التجربة، لا تجربة الموضوع، و لا تجربة الذات إزاء الموضوع، ويبدو ذلك في قول الشاعر:"لم أعول على القلب كما كنت/ والعينان تركتهما على رصيف الحرب/ تمتلئان حقداً/ على أشباح المجد الذين تقرأ صحيفتهم/ في نشرة الأخبار/ وهم يغتالون زهرتي/ بمحض بلادتي".."(ص 86و87). فالشاعر تغدو أناه مجردة تعكس التجربة الجماعية العميقة،كما في نص"لحن عسكري لأغنية عاطفية"، وكأني بالشاعر يحكي تارة عن أزمة وجودية تعاني منها ذات منفصلة عن العالم الخارجي، ذات تعايش وتشعر، ذات تفعل وتنفعل، ويتضح ذلك في نص"غابة الحروف"، والمتأمل لهذا النص، يشعر بين الفينة والأخرى بنفحات شعرية تداعب الحس لما يبدعه الشاعر/ السارد من انزياحات كقوله (الغامضون يلفظون دخان شحوبهم) و(الشموس المحشوة بالعسل) و(يغيم الضوء فجأة)، و(امرأة اختطفتها ذات رواية/ من إحسان عبد القدوس)..، وهنا يؤنسن الشاعر الأشياء بواسطة الانزياحات الجديدة، فيبتكر علاقات جديدة بين الموصوف والصفة، الفعل والفاعل، المضاف والمضاف إليه... وهو ما يحدث مسافة متوترة بين المعنى ومعنى المعنى، وتبعا لذلك تتوتر العلاقة بين اللغة السردية الدالة على العالم واللغة الشعرية الدالة على مشاعر الذات، وهو ما يستتبع أيضا أن تتبادل  الذات (الشعرية) اللغة الدالة عليها مع الأشياء والناس، كما تتبادل الأشياء والناس(السردية) اللغة الدالة عليها مع الذات، فتقترن لغة الذات بلغة العالم في تناغم جميل في كتابة تبدع شعرا لا يشبه السرد وسردا يشبه الشعر.
 
     حوارية الإغتراب:
      تحاور نصوص "عصافير الوشاية"مرجعيات مختلفة في حوارية متناغمة ، لكن يبقى الحوار المهيمن عليها هو حوار الذات ، وإن اختلفت ضمائرها،لأن المخاطب(بكسر الطاء) والمخاطب (بفتحه) واحد بدليل أن مستوى القول الشعري لا تتغير نبرته، ومن هنا لجوء الشعر إلى التناص بمستوييه الصريح والضمني، ومن التناص الصريح ما يورده الشاعر، مثلاً, في نص" دمهم تناثر في الأغنيات"، ومن التناص الضمني توظيف رمزية القصة القرآنية، ومن هنا تحفل نصوص الديوان بالتعالقات النصية المتنوعة، و"يمتاز هذا التنويع بحضور تام أو حوار صريح أو بواسطة الاستحضار، كونه موجوداً في الذاكرة الجمعية لمجموعة اجتماعية بعينها يحددها باختين بخطابات من نوع الإخضاع أو تركيب معنى على معنى آخر، وصوت على آخر، وضم أصوات متعددة إلى بعضها البعض"(2).
     والناظر في الديوان, يلفي نصوصه تحفل بتوظيف تحويري للقصة القرآنية، كما في قول الشاعر: "أذكر أن الله أقام طويلا في بيتنا/ ليمنع إبراهيم من ذبحي في كل عيد/ ليحرس يوسف من غمازة/ زوجة عمي البعيد/ وليبارك أجنحة البراق/ فوق قريتنا ليلة المولد..."(ص12و13)، وقوله:"..لكنه لون ريشه/ وطار الى المنصة / ليلقي إلى سليمان برجفة الكتمان"(ص20)،وقوله:"..الذين يقيلون في ظل الكأس/ ويزمنون في الوقت/ الذين، مضى الكهف بأهله،/ وهم باقون في السبات "(ص25)، وقوله:"..وكم مرة قلت ليوسف:/-لا تصدق إخوتك/ فبئر الاستعارة أعمق من/ أن تلتقطك منه يد السيارة/.."(ص65). وكأن حكاية الشاعر الحاضرة، توازي الحكاية القرآنية الغائبة، تتجلى في الترهين الموحي بالدلالة الشعرية التي تقول الوجود والقلق والاغتراب والذات المنكسرة في انسحاقها اليومي وتراجيديتها، وهو ما تشي به المقاطع الشعرية في سياق الإجابة عن زمان ومكان تسوده صفة الاعتياش على الأزمة وقلب الحقائق، فثمة، إذا، مزج مقصود في النص المرهن للإحالة على معنى جديد يكابده الشاعر، فيبث شعريته من لحظة جمالية متوهجة ينشغل بذاتها في رفد حضوره العياني بين بنيتي: الحضور والغياب، لذلك يظل الاتصال الشعري من الذات إلى الآخر ( الأم، إبراهيم، يوسف، هدهد سليمان..) في استضافة الحلم الشخصي، وتثويره مخترقا واقعية الزمن بما يحمله من إشارات إيحائية، ومن هنا يتم توظيف التناص القرآني في صور مفارقة لطبيعة الأمور.
     ومن جانب آخر يتفاعل الشاعر مع أصوات شعرية (أمل دنقل، أدونيس، محمود درويش، وعبد الله راجع)، فيتخذهم رمزاً لما يعانيه في حياته اليومية أو هو بهذا المعنى يتقمصهم أو يتماهى معهم، لأنهم أحبوا أو يحبون حياة ملى بالاغتراب، فأمل دنقل لم يمت في رؤيا الشاعر، بل ادخر الحياة في الورق، وسافر الى تربة أحبها تزف الى الشفق، وأدونيس ينقش سيرته على حجر، محمود درويش تغرب طويلاً وحين عاد لم يصدق يقين الوطن، وعبد الله راجع قتل الموت بلمسة حبر. وكان المساوي يحس بالمؤامرة تحاك ضدهم، على اعتبار أنهم أصبحوا مهمشين في الزمن الرقمي وتائهين، يقول في أحدهم:"كأنك غريب/ يدخل البيت أخيراً/ هارباً من مراقص الشباب/ ومن لغة تفسخ حبرها/ في قصائد النثر/ وفي بريد "الهوتمايل".."(ص72)، وهو من خلال ما يرسم لهم من صور ، يبدو مهتما بتفاصيل حياتهم وكتابتهم، كاهتمامه بأحاسيسهم، ولعل ذلك جاء نتيجة قناعة المساوي بأن تلك المشاعر لأولئك الشعراء تتشابه إن لم تكن تتطابق مع أحاسيسه، بوصفهم يمثلون خلاص الأمة، على مستوى التفكير وزاوية النظرة الى العالم على الأقل.
   إن هناك تقاطعاً بين هذه الأصوات الشعرية وصوت الشاعر المساوي يكمن في الإحساس بالغربة والضياع، ومن هنا، نجد الصور مشحونة بمشاعر الضياع والتيه:"كأنك نبي تائه بين أذكاره"(ص72) "شاعر تغرب طويلا وحين عاد/ لم يصدق يقين الوطن"(ص75) ،"وها أنت الآن تؤذن بالفراق/ في مداشر الأحزان"(ص82)..أو هي صور محملة ببصيص من الأمل، حيث الصراع بين الضوء والعتمة يتوحد داخل سياق تجميد عنصر الزمن ويستدعي الغياب، والقبض على دلالة الزمن يتم بفضل الضوء في بدائله وامتداداته، فالتشاكل بين الضوء والعتمة يتقابلان عبر إيحاءات متناقضة من خلال ابدالاتهما، لذلك تكثر الثنائيات المتضادة (أيقظني/ أودعني، الشمس/المغرب، وضوح القسمات/ تغيماً لألوان، ينطفيء/ تشتعل، فجر/ ليل، الظلام/ الضوء، الفجر/ الغيم، الشفق/ الغروب، السواد/ الانوار، وهكذا تتطلع الذات في اغترابها الى مشاركة اغتراب الآخرين، لكن السواد والعتمة يزحف على بؤر الضياء الخادع:"..كغيمة لم تتبنها سماء/ كطفل تائه تماماً / أجوب الليل في واضحة النهار.."(ص29)، فيتوسل الشاعر للانفلات من هذه العتمة الليلية بالحلم:"..كي أفتش عن توقيت سري للحلم/ وكي أشد الشمس بالحبال/ الى شفق مل الغروب/.../حتى تبتهج الرؤيا في أروقة الظلام"(ص29)، وآنذاك ينبلج صبح الشاعر، وينفلت من الليل بشد الشمس بالحبال الى الشفق، وبالتالي يخرج الشاعر من رؤيته الضيقة الى رؤياه الرحبة أو تعيش النهار في الليل، وكأن الشاعر يبحث عن الصفاء المتقد في عالم شديد الحلكة. ومن خلال هذا الشحذ المجازي للصور يتمرد الشاعر ويحتج في وجه العالم ليعيش علامات اغترابه على الطريقة الكافكاوية، إنه يوجه اهتمامه للآخر/ الشعراء، ويلوذ بذاته ليجتر ما فيها من أوجاع الوطن، لأنه لا يعيش بمعزل عن جذوره المتخللة في الوطن، كما في قصيدة"لحن عسكري لأغنية عاطفية"، حيث يرتفع صوت الشاعر بضياع أشيائه، والضياع هنا ليس ذاتياً، بقدر ما هو ضياع الرؤى التي تجعله يعيش حالة تمزق  على مستوى النظرة الى العالم:" لم أعد أعول على القلب كما كنت/ والعينان تركتهما على رصيف الحرب/ تمتلئان حقداً/ على أشباح المجد الذين تقرأ صحيفتهم/ في نشرة الأخبار/ وهو يغتالون زهرتي/ بمحض بلادتي/.."(ص86و87).وبين المساوي ودنقل لم يتغير الوضع كثيراً، بل تفسخ وأنهار أكثر، ولم يبق سوى موت الأمل، لذلك يطمح المساوي الى ما هو أبعد من الواقع، لأنه يرنو الى تحقيق المعادلة الصعبة، تلك التي يريد فيها أن يجعل الواقع شعراً والشعر واقعاً، لكن الواقع لايسعفه في تركيب الصورة، فيمتطي صهوة الحلم:"لم أجيء لأذرع الشوارع/ في انتظاركم/ أو أوزع عليكم/ أزهار قصيدتي/ أنا مثلكم متوجس بأحلامي/.."(ص62).
    وعليه، يفصح الديوان عن حوارات خفية تستقصى بهدف إثراء وتنويع التجربة وبلورة الرؤية والرؤيا واستنفار الحواس والوعي للاستزادة من المعرفة والنهل من حياض الممسوسين بالألم، حيث يتوحد الشاعر معهم في القلق الوجودي، خصوصاً وأن ما يوحدهم جميعاً هو الاحساس بالاغتراب في عالم يتشيء بسرعة مهولة. وباستراتيجية التناص يتم توسيع فضاء النصوص في حوارية جميلة مع نصوص أخرى تمنحها آفاقاً جديدة، تنمو فيها تجربة المساوي وتتعمق وتشعل فانوس الذاكرة وتلهب الخيال.
    خلق المساوي في الديوان متخيلاً قادرا على استيعاب تجربة الاغتراب الشامل و تمثلها، حيث اتخد من الكتابة الشعرية بوصفها اجتراحاً لشفرات اللغة إستراتيجية نصية تنكتب فيها الأنا الشعرية في علاقاتها بالأشياء والعالم في تنازع خلاق بين الذاكرة وقوى التخييل خارج حدود النمط المألوف : "أن يجلدني صوتك/ في ليل لا يعرفني،/ أن تنحدر اللغة/ إلى هاوية قواميسها،/ فذلك لأنني مرتبك بوجودي/.."(ص 35) ، و من هنا يتخذ الخطاب الشعري في الديوان في بعده التخييلي طابعاً خاصاً فالشاعر بأهوائه وحواسه تسحره غواية الشعر لذلك يتخذ الشاعر من الخيال ذلك الوسط الذي يربط بين المجرد و المحسوس, ويستدعي الكائنات الى الفضاء المفتوح على الطبيعة :"  باب، و يدخل الخريف/ كي يشرب شاياً منقوعاً في عز الخريف/ باب، ويخرج الصيف/ من حديقتنا/.." (ص13-14)، الأمر الذي يعطي للذات إحساساً جميلاً, ويسعفها في ترتيب وجودها النصي بواسطة الخيال الإبداعي الذي يتخذ مادته من الذات واليومي والطبيعة، وهو ما يتبدى في كل شعر اغترابي، لأنه "محور الذات الحالمة حين تلجأ إلى الهروب من قسوة واقع خارجي، يصبح احتماله أكثر من أن يطاق"(3)، فالمساوي لا يحاكي المدركات، بل يؤلف بينها، ويعيد بناءها وتشكيلها لاكتشاف تلك العلاقات التي تقرب بين العناصر المتناقضة، ففي قوله:"الغامضون من حولي/ يلفظون دخان شحوبهم/ ويدخلون أعتاب الكأس بوقاحة/ في لحظة الصخب القصوى/ وأنا الواضح تماما كباقي الأيام/.."(ص41)، تبدو هذه الصورة، حيث تتحول مدركاتها (الغامضون، دخان شحوبهم، الدخول، أعتاب الكأس،..) تعبيراً عن الإحساسات المتضادة التي تجعلنا نصاب بالدهشة إزاء مثل هذه الصور، في سبيل الإلمام بجوانب اغترابه، إذ أنه يخيل لنا الأشياء التي لا نعرفها عن طريق ما يعرفه من مدركات حسية مألوفة، فيتعامل مع عناصر العالم ويشكلها وفق صيغة جديدة، وهكذا يغدو تعبير الشاعر عن عالمه الداخلي ممكناً، فالذات بإمكاناتها الفكرية والشعورية تكون في بحث مستمر عن أقصى تجل لها كتحول وصيرورة محركة لفعل الحياة، وهو ما يجعل التواشج عميقاً بين الشعر والحياة  في ملفوظات الديوان، لأن لغة الشاعر لا تكاد تفارق لغة الطبيعة إلا لماماً، لكن ليس في بعدها الرومانسي الضيق، وإنما من منطلق تبئير الذات لمظاهر مخبأة في حياتنا بحثاً عن منطق الصفاء الأول. يقول الشاعر:"لم يزل خوفها يحرسني/ من زلة فوق أرصفة/ تحركها الرياح/ ولم تزل عيناها تشعان بالفرح/ وهي تراني مقبلاً من أيما جهة/ من سحب يكسرها الرعد/ أو من ليل تعثر في نصفه النجم/.."(ص7و8)، وهنا تظهر قدرة الشاعر الشفافة على اقتناص المعاني، فيخلق العناصر الطبيعة من مادة خياله، ويخضعها لما يتوهمه حتى تنخرط في واقعها اليومي ومن تم تعبر اللغة عن دواخل قارئها, وبهذا يصبح التعبير ممارسة إنسانية أكثر حيوية في بوحه لقول أروع الحقائق، إنه صوت الكينونة المتجلي جمالياً، لأن استدعاء الذات في اغترابها وأحلامها وعشقها لغابة الحروف لم يحجبها عن التفاعل الخلاق بين مقومات اللغة والصورة والإيقاع..في وحدة متناغمة وهي تعبر البنيات المعرفية والوجودية نحو توحيد الذات بالموضوع، والواقع بالحلم:" ..أحيانا أصبح هدهداً/ ينسى عرفه في مصلحة البريد/ وأحيانا أصير رجلين/ يفترقان في الصباح/ ولا أدري الى أين يذهبان/ لكنني في المساء/أصد الأول/ عن سريري/ وأحبس الثاني/ في دولاب الثياب.."(ص64)، إنها فعلاً وشاية شعرية يتخذ منها الشاعر وسيلة لشعرنة الحياة واحتضان طفولة تلعق دمعتها وكل شيء ينذر بلغة الاغتراب، فيمنح الأسبقية لعوالم الذات الجوانية في طبقاتها السرية بما تشكله ذات الشاعر من ملاذ في هذا الوجود الرهيب، فيقيم الشاعر داخل ذاته أو خارجها، وهي تجربة تكشف المعايشة الحميمية للشاعر لعالمه وعناصره. والشاعر وهو ينتج خياله الشعر يبدو المجرد المتصل بالانفعالات من خلال أعراضه الحسية أو هيئاته وأحواله الملتصقة به:"أجوب الليل في واضحة النهار/ كي أفتش فيه/ عن توقيت سري للحلم/.."(ص29)، فيخيل الأشياء المحسوسة بألفاظ دالة على خصائصها المحسوسة، كما يخيل المجردات بمدركات حسية مرتبطة بها، الأمر الذي يجعل الخيال في الديوان يقوم بوظيفة تحويل الأشياء إلى تجربة حميمة تتمظهر من خلال قوة الانزياح كطاقة باذخة لتوليد الدلالات التي يشترك في تكوينها الفعل القرائي للمتلقي، لان القراءة الأولى تغريه وتحفزه إلى الثانية وهلم جرا..حتى حصول درجة الري الجمالي.
    إن الخيال في الديوان يحتمي من الوجه المظلم للزمن بجعل سيطرته منقادة لصالح الزمن الحلمي المفتوح على الذاكرة الشعرية في أزمنتها ومستوياتها المختلفة، حتى يعكس متخيله الشعري مشهداً يومياً موسوماً بالكثير من الاغتراب والضياع، ومن هنا قوة التخييل ونمو مستويات الرؤية وتخليق المعاني في صيغ تناسلية متحركة بنفس درامي رغبة من الشاعر في الإمساك بما يحسه مفقوداً وغائباً عنه بفعل الانشغال اليومي، الذي يلبس الأوجه الصافية للأشياء أقنعة الزيف، ولعل ذلك جلي في تصويره للمتسول بتمثال يرتفع في الرخام ليشيد مجد يده من وطأة الانتظار(ص57) ،أو في قوله:"..والعينان تركتهما على رصيف الحرب/ تمتلآن حقداً/ على أشباح المجد الذين تقرأ صحيفتهم/ في نشرة الأخبار/ وهم يغتالون زهرتي/ بمحض بلادتي/.."(ص86و87)، وهكذا يعيد الشاعر تشكيل المفاهيم المجرد كالاغتراب والألم والصبر.. تشكيلاً يمنحه بعداً مادياً.
      ومتخيل الشاعر يصاغ في صور يتم بناؤها على التوليد الدلالي، الذي يقوم بالتنظيم العضوي للنصوص، وبواسطته يقدم جدلية الموفق والرؤيا، كما يقوم على مستوى معماري مبني على حضور المعاني واتصالها وتمثلها الفني لتجربة الشاعر القادر على أنسنة الجمادات، فنرى (الحقيبة ملأى بالشوق ص10) و(الصنبور تقطر منه حبات الارقص17) و(العندليب يولج منقاره في فضول الشاعرص22)، و(الكأس تجفو الشاعرص75) و(الناي يوقظ المعنىص55) و(والسفينة مصنوعة من رغوة الكلام ص58) و( الشاعر ينذر للوطن عسلا معقودا بأقحوان العذاب ص81) و( الحقيقة تزهر على القبور ص89) ...إن الشاعر ترتاد، إذاً، عوالم الصورة بخيال محلق ورؤية مختزلة  بحواجز الزمان والمكان من خلال قدرته المميزة على التشكيل والتفكيك للكشف عن دقائق النفس الإنسانية العميقة وأغوار شعورها، وهو خلال ذلك يغوص إلى أعماق الذات ليتحسس همومها، ولنلاحظ كيف يتذكر طفولته الهاربة في النص الأول، وكيف يصور سماسرة بني جلدتنا وهم يصبون على البسمة صوت عذاب في نص" لحن عسكري لأغنية عاطفية"، وكيف توقع الراقصة إيقاعها في رقصة الديك المذبوح(ص56)، وكيف أن زماننا يتفنن المشي وراء الجنائز(ص82)..، وكأني بصور الديوان تتوقع السقوط وتحاكي الانهيار في فضاءات الاغتراب الجريح والمضرج في حلمه الغائب دوماً، في عالم ينذر بالفجيعة ويدعو إلى اليباب، فحتى الشعر ذاته لم يسلم من إسار هذه السيمفونية الجنائزية، إذ غدا مغترباً في الزمن الرقمي:" أما يزال الشعر كشفاً/ أم قد دجنته بروق الشاشات؟/ كأنك غريب/ يدخل البيت أخيراً/ هاربا من مراقص الشباب/ ومن لغة تفسخ حبرها/ في قصائد النثر/ وفي بريد"الهوتمايل"../كأنك نبي تائه بين أذكاره"(ص72)، حيث يفقد الشعر القدرة على السمو الروحي للاستجابة، لأن المنجز الالكتروني غير قادر على إعادة زمن الشعر الحقيقي.
      والشاعر في الكثير من صوره يبدو هادماً حدود التطابق مع الواقع الخارجي للأشياء، فيلغي، بتعام لذلك، التحليل بالمقومات البيانية كالتشبيه والاستعارة...، لأن صوره تراعي المنطق الداخلي في حركة النفس وخيالها الحسي، فيقيم الشاعر علاقات بين أشياء تمتلك أشكالاً لانهائية، فتتناسل المعاني، فتصويره، مثلاً, للراقصة يستقصي من خلالها مجموعة من المعان ي( إخفاء تورماتها، وظيفة أعضائها، موقف الآخرين المنتشين...)، وبالتالي يعبر عن خيبته، فلا يرى في الحياة سوى التفاهة والعدم، مما أكسب غربتها الروحية صفة الكائنات المحسوسة، فاللهفة تشرب عطش الغروب (ص80) - مثلاً-، فوظيفة الشعر في الديوان تعبيرية بالأساس، لكونها مشحونة بالمشاعر والإحساس والدلالات، وهي أيضا صياغة جمالية تمنح المعنى شكلاً حسياً كي تمكن حواس القارئ من التفاعل معها، لذلك فهي عند المساوي، على غرار شعراء الحداثة، شهدت فتحاً إبداعياً متجدداً بما تكشفه اللغة الشعرية من إبدالات وتحولات للتقريب بين المتنافرات في سياق توحد عناصر الصورة في بوتقة شعورية واحدة، فتغدو أداة لبناء علاقات جديدة بين كائنات العالم وأشيائه، حيث تنقل نص الواقع إلى نص اللغة. فالقدرة التصويرية تظهر من خلال الطبيعة والأشياء التي تعكس مشهديتها هي محصلة نفسية وردود أفعال لما يحدث للإنسان، وما يتعرض له من استلاب على مستوى الحلم الحياتي، وهو ما يعضد كون التخييل في شعر المساوي يعد مؤشراً فعلياً على زمنه الداخلي القائم على التحرر والانطلاق ضداً على قهر الزمن في أجوائه الدرامية التي يعج بها عالمه:"أنى لي:/ أن أرطب اليوم يباس الشفاه/ بصمغ الاسم الذي أشرقت به/ ولا تهصرني "هولة"اللغات/ ونسر الفجيعة اليقتات من صدرك/ لأنك نزعت من أكف السماء/ سبائك القمار/ وحشوت الأباريق ببيارق النجوم"(ص80)، فهذه الملفوظات الشعرية تضفي على جسد الديوان ملمحاً سوداوياً قاتماً لذات مغتربة ومجروحة لم تجد غير كتابة هذا الاغتراب لمقاومة التشيء وسط هذا المعتقل الكوني، لذا يصير فعل الكتابة وسيلة سمو وتحرير:"أهدي الهاربة شهداً/ من أرقي/ ووسادة من ريش الكلام/ كأنها لم يبرح خيال الصورة/..(ص50)،"../ لكنني أبداً/ سأظل أرحل نحوك/ في سفينة أصنعها/ من رغوة الكلام"(ص58).
     والشاعر يقدم رؤياه التخييلية عبر رؤياه اللغوية لعالمه، بتحريره لهذه اللغة من سكسونيتها، فيستعيض عنها بخلق علاقات جديدة بين الكلمات في سياق تراكيب تمتلك ملامح التفكك وخلخلة أنظمة اللغة، وهو ما يحيل على تشتت معطيات الواقع ذاته، لذلك لا ينتظم الديوان خيط تيمي رابط، غير أن صاحبه يجمع بين أشياء تملك فكرة موسومة بدينامية في إسقاطها على العالم وعناصره، لذلك تظهر ملفوظات الشعر في طبقات إشارية تحمل قوة انزياحها لتجاوز وظيفتها العادية إلى فضاءات مفتوحة، ومن تم تتميز أسئلة الشاعر بإيقاعية عالية ترصفها لغة صافية تكون مشهداً منسجم العناصر الشعرية، ليعايش الشاعر أسطورته، بوصفها حالة تمثل للوجود وانعكاسها على ذاته،فتغدو الذات هي الأسطورة نفسها، مادامت الأسطورة هي"بحث عن البدايات والنهايات، وأسلوب في المعرفة والكشف"، ومن هنا، تحاول ذات الشاعر في الديوان أن تخلق من العالم وأشيائه علاقات جديدة لا محدودة مع الحفاظ على أناها الصافية للاحتفاء بتاريخ انهمارها كذات تكابد ماء القلق، لتصير رمزاً يغدو عالقاً بسياقات النص ودلالاته، فالليل, مثلاً، يتخذ رمزا للواقع، ويخلع عليه الشاعر بياضا (أجوب الليل في واضحة النهار ص29)، والفجر يوحي بقناديل الأمل (فمن يعيد الكحل إلى فجر/ غربني عن عيني ص7)، والديوان يحفل بمواطن عديدة تتعانق فيها الكلمات والظلمات حتى ترفع المستور عن بواطن العدم، ومكامن الألم المتربصة بالذات، وبهذا يشرق نبض الشاعر بحروف متوهجة تتعالق مع الآخر والمكان في ظل قلب نابض بالدفء والحياة، باحث بكل ما أوتي من خيال وطفولة وصفاء عن الآخر المحطم لقيود الاغتراب ـ لكن هذا الآخر موسوم بالذبول وملتبس بالصمت والغياب خلف ليل تعثر في نصفه النجم، وسحب يكسرها الرعد، وشمس أنهكتها منحدرات الغروب، لذلك يفضل الشاعر النوم:"أفضل لي أن أنام/ فالأحد البغيض في منبه الصباح/ وبائع اللبن على الباب/ يا إلهي..الحياة من جديد/ وصفحة الوفيات/ في الجريدة ككل الأيام"(ص44).
وقد يكون من سبيل التطور أن نجد لغة الشاعر تحيل إلى التكثيف أكثر، بل وتوشك أن تقع في الغموض بمعناه الايجابي، تعبيراً عن حالات انفعالية تختزل مواقف الشاعر ورؤاه في تحولاتها المرتبطة بالقلق الوجودي وبالأمل الضائع وانهيار الأحلام، وبالتالي جاءت نصوصه متوهجة بدهشتها اللغوية الشاهدة على ألا معنى للكائن خارج خساراته، وألا شيء يكبر فينا غير أحزاننا وفجائعنا حتى ولو وحدنا غرباتنا، وهكذا يستل النص من مكوناته البانية لجسده ما به من يبني تيمة الغربة والفقد، فيستدعي الذاتي، ويفتحه على المحلي الخاص من الداخل على الكوني الغائب فيه، ومن الذاتي ينفذ إلى الإنساني الشامل، فتصير"عصافير الوشاية"بوح الشاعر ووشايته على محنة الكائن مطلقاً، وتغدو الكتابة إطلالة على القلق اللائذ في المكان بأقاصيه وكواه المعتمة.
 
على سبيل الختم:
     بهذه الإستراتيجية الكتابية التي حاولنا استجلاء بعض مكوناتها، تنهض"عصافير الوشاية"مأخوذة بالمتخيل الذي ينحو نحو استكشافها، وهي مفتونة بالسكوت عنه، ناشدة استدراجه من عتمة الأغوار، فتنفتح نصوصه الشعرية على أسئلة الراهن، خاضعة لمؤشر الروح والخلق، فكانت الحصيلة تطور في وتير ة الإبداع الشعري عند المساوي في الأداء وشعرنة الحياة المصوغة عبر لغة تزرع فينا تأثيرها وتستفز مشاعر وتجعلنا نردد جملها وعباراتها الرشيقة وصورها الأنيقة..بل ونعيش مع كائناته/ نصوصه التي صارت استكشافا لمخيلتنا المحجوزة واستحضارا للمنسي في ذاكرتنا المليئة بالشقوق والتصدعات، وهو ما مثل إضافة نوعية لتطور تجربة المساوي الشعرية المبنية على الصدق الفني الذي بواسطته نميز الخيال الإبداعي المؤسس على صدق التجربة في المعيش والمرجعي، وبين الخيال المجاني الذي لا ينتج سوى تجربة مفتعلة ومزيفة، فتحية عميقة بعمق محيطات الوشاية الشعرية النقية للمساوي الذي حمل كل الخيبات التي ترسم ملامح وجودنا.
 
الهوامش والإحالات:
 (1) عبد السلام المساوي:"عصافير الوشاية"، منشورات ما بعد الحداثة، فاس، ط1 - 2003. وكل الصفحات المشار إليها في هذه الدراسة منه.
(2) تزيفتان تودوروف:"المبدأ الحواري:دراسة في فكر ميخائيل باختين"، ترجمة: فخري صالح ، دار الشؤون الثقافية العامة،ط1، بغداد1992،ص:92
(3) أنور المعداوي:"علي محمود طه الشاعروالانسان"، ص:23، نقلاً عن موقع اتحاد الكتاب العرب.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home