القلم السياسي

 

ما رأيكم بأميركا..؟

رحيم العراقي



 

ما رأيكم بأميركا..؟

رحيم العراقي

قامت مجلة «غرانتا» الانجليزية باستجواب اربعة وعشرين كاتباً من مختلف بلدان العالم وقد سألتهم عن رأيهم في اميركا وتجربتهم معها ثم جمعت اجوبتهم في كتاب كامل، ومن بين الكتاب الذين استجوبوا حنان الشيخ، الروائية اللبنانية المعروفة، ثم الكاتب الهندي اميت شودوري الذي يعيش بين كالكوتا واكسفورد.
وكذلك الكاتب الصربي أو اليوغسلافي اليكسا جيلاس الذي يعيش في بلغراد، وهو مؤرخ ومذيع في الاصل، ثم الكاتب الفرنسي بينوا دوتورتر الذي نال جائزة ميديسيس على روايته «الرحلة الى فرنسا» ثم الكاتب الالماني هانز ماغنوس انزنسبيرجر الذي يعيش في ميونيخ وهو شاعر وناثر في ذات الوقت، ثم الكاتبة المصرية الاصل اهداف سويف التي تعيش في لندن وقد نالت روايتها «خريطة الحب» جائزة مهمة في انجلترا عام 1999 ونذكر ايضا الكاتب التركي اورهان باموك الذي يعيش في اسطنبول وقد اصدر مؤخراً رواية بعنوان: «اسمي ريد»، ونذكر ايضا كريم رسلان وهو محام وكاتب يعيش في كوالالمبور عاصمة ماليزيا وهناك كتاب آخرون عديدون من اهمهم الشاعر البريطاني والمناضل السياسي هارولد بانتير.
وفي مقدمة الكتاب يقول رئيس تحرير مجلة «غرانتا» يان جاك الذي قال ان اميركا هي التي تصوغ للآخرين حياتهم وافكارهم. قبل نهاية الحرب الباردة كانت تؤثر على نصف البشرية لمدة عدة عقود واما بعد انتهاء الحرب الباردة فقط اصبحت تؤثر على البشرية ككل ما عدا دولتين اثنتين: كوريا الشمالية وبورما، ان التأثير السياسي والاقتصادي والثقافي الاميركي واضح في كل مكان.
وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: ما رأينا بأميركا؟ هل نشعر نحوها بالخوف، أم بالمرارة، أم بالحسد والغيرة، أم بالغضب، أم بالأمل؟ للاجابة عن هذا السؤال ـ أو بالاحرى عن هذه الاسئلة ـ اعطينا حق الكلام لروائيين وكتاب من مختلف انحاء العالم.
ثم يقول المشرف العام على اخراج الكتاب مردفاً: من الواضح ان العالم له مشكلة مع اميركا.. وعندما اقول العالم فإني لا اقصد فقط العالم الثالث أو حتى العالم الاسلامي وانما اوروبا ايضا، فعلى الرغم من ان الرأي العام الاوروبي تعاطف مع اميركا بعد تفجيرات 11 سبتمبر إلا انه راح يلوم السياسة الخارجية الاميركية والاخطاء التي ارتكبتها هنا أو هناك
وهذا يعني ان النزعة المعادية لأميركا ليست محصورة بفلسطين أو بأفغانستان وانما هي منتشرة في شتى انحاء العالم فحتى في مقاهي لندن، وباريس، أو روما كنا نسمع نفس التعليقات الشامتة بالاميركان، وكذلك الامر فيما يخص مجالس احتساء الشاي في نيودلهي، الجميع كانوا يقولون: انه لشيء جيد ان يعرف الاميركان بأن الخطر قد يصل اليهم وانهم ليسوا بمنأى عن الانتقام! ومن المستحسن ان يلقنوا درساً، فلعلهم يغيروا من سياستهم بعدئذ.
اما الكاتب البريطاني هارولد بانتير فقد كتب مقالة عنيفة هاجم فيها السياسة الاميركية وقال بما معناه: في العاشر من سبتمبر من عام 2001 «اي قبل حصول التفجيرات بيوم واحد» استقبلتني جامعة فلورنسا بايطاليا ومنحتني شهادة الدكتوراة الفخرية. وألقيت خطاباً تحدثت فيه عن مصطلح «التدخل الانساني» الذي يستخدمه الغرب لتبرير تدخله في مناطق مختلفة من العالم. ومعلوم ان حلف الاطلسي استند عليه لكي يخلع المشروعية على قصف بلغراد وسواها في مدن الصرب عام 1999.
قلت في هذا الخطاب ما يلي: في السابع من مايو 1999 قصفت طائرات حلف الأطلسي السوق الشعبي في مدينة تدعى «نيس» وقتلت ثلاثة وثلاثين مدنياً وجرحت عدداً اكبر بكثير ثم نشر حلف الاطلسي بياناً قال فيه بأن العملية «تمت بالغلط» ولم تكن مقصودة.وهي تختلف عن الأخطاء الكثيرة الت قتلت بالخطأ المئات في العراق وإفغانستان.لأن هذا الكلام كذب والدليل على ذلك ان الجنرال ويسلي كلارك صرح قائلاً: سوف نهاجم مناطق الصرب وندمرها عن بكرة ابيها ما لم ينصع الرئيس ميلوسيفيتش لأوامر الجماعة الدولية، سوف ندمر قواته وكل تسهيلات الدعم التي تتمتع بها وهذه تشمل مقر التلفزيون، والمشافي، والمدارس والمسارح، الخ.
ثم يردف الشاعر الانجليزي «هارولد بانيتر» قائلاً: في الواقع ان سياسة حلف الأطلسي كانت تهدف الى ارهاب المدنيين وبث الذعر في صفوفهم وليس فقط ضرب القوات المسلحة الصربية والحرب على يوغسلافيا كانت غير شرعية اساساً، بل انها عمل من اعمال الاجرام التي لا ترتكبها الا العصابات الخارجة على القانون وبالتالي فإن أميركا وحلفاءها انتهكوا القانون الدولي باعلانهم لهذه الحرب وخرجوا على مقررات الأمم المتحدة،
بل وحتى على ميثاق حلف الأطلسي ذاته! ولكنها، أي اميركا بررت الحرب عن طريق عقيدة «التدخل الانساني» التي اخترعتها وبررت سقوط الضحايا المدنيين عن طريق القول بأن ذلك شيء اجباري ويمثل ما تدعوه «بالاضرار المجاورة او المحيطة» والتي لا حيلة لها فيها. والواقع ان مصطلح التدخل الانساني هو حديث العهد، وقد اخترعه الغرب لكي يتصرف في العالم كما يشاء ويشتهي ومعروف ان الرئيس جورج دبليو بوش كان قد تحدث عن الشعب الذي يحب الحرية بالضرورة ولكنه نسي ان هناك اناساً كثيرين يحبون الحرية دون ان يستطيعوا التمتع بها ومن بينهم اشخاص عديدون مرميون في سجون مدينة تكساس التي كان يحكمها.
بل انه يوجد في اميركا «غولاغ» كامل يجهله معظم الناس ينبغي العلم ان عدد المساجين في الولايات المتحدة يصل الى مليوني شخص ومع ذلك فإن الرئيس الاميركي يتبجح بأن بلده هو رائد الحريات في العالم.. هل يعلم سيادة الرئيس بأن معظم المساجين في بلاده هم من السود؟ هل يعلم بأن المساجين الشباب يتعرضون للاغتصاب في سجون بلاده سواء اكانوا نساء ام رجالاً؟ هل يعلم ان اسلحة التعذيب تستخدم هناك ايضاً وبكثرة على الرغم من ادانة منظمة العفو الدولية لها؟ لقد اصبح السجن عبارة عن صناعة كاملة في اميركا ويأتي في المرتبة الثانية بعد صناعة الجنس والخلاعة الاباحية..
وكم هو عدد ضحايا اميركا وعملائها في العالم الثالث؟ انهم يعدون بمئات الآلاف في غواتيمالا، والسلفادور، وتركيا، وفلسطين، وهاييتي، والبرازيل، واليونان، والاورغواي، وتيمور الشرقية، ونيكاراغوا، وكوريا الجنوبية، والارجنتين، والتشيلي، والفلبين، واندونيسيا كلهم قتلوا بدفع من اميركا او بناء على طلبها كل الشعب الفلسطيني ضحية قوة غاشمة تمولها وتسلحها الولايات المتحدة الاميركية لماذا مات كل هؤلاء؟ لانهم طالبوا بالحرية، بحق تقرير المصير، لانهم تحدوا النظام العالمي الجائر الذي يجوعهم ويجوع اطفالهم ونساءهم.
ثم يردف الشاعر والمناضل الانجليزي هارولد بانتير قائلاً: لقد تابعت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية استراتيجية لامعة بل وحتى بارعة وذكية لقد مارست نوعاً من التلاعب المنتظم والوقح والوحشي بالأنظمة والسلطات عبر العالم كله وكل ذلك عن طريق اجهزة مخابراتها ذات اليد الطويلة وفي ذات الوقت استطاعت ان تخفي ذلك او تحجبه بواسطة قناع «حضاري» زائف بل والأنكى من ذلك فإنها استطاعت اقناع الكثيرين بأنها تمثل قوة خير وصلاح في العالم.. هنا تكمن عبقرية اميركا بالضبط: ان تفعل الشر ثم تظهر وكأنك رجل خير.
نحن نعلم ان ادارة جورج دبليو بوش رفضت التوقيع على معاهدة كيوتو للحفاظ على البيئة على الرغم من ان معظم دول العالم، ان لم يكن كلها، وقعت عليها كما ورفضت التوقيع على معاهدة تنظيم بيع الاسلحة الصغيرة او الفردية واستبعدت نفسها ايضاً من المعاهدة الخاصة بالاسلحة البيولوجية.
ان الادارة الاميركية تتصرف بشكل متعجرف وتنتهك القانون الدولي على مرأى من العالم كله، كما انها تتلاعب بالأمم المتحدة وتسخرها لصالحها، وفي ذات الوقت تحتقرها وتعطل دورها، ثم يردف الشاعر الانجليزي قائلاً: ان اميركا هي اخطر سلطة ظهرت على سطح الارض انها دولة وغدة ومحتالة، ولكنها دولة ذات قوة اقتصادية وعسكرية لا تضاهى، هذه هي اميركا واما اوروبا فهي حليفتها والمتواطئة معها، وبخاصة انجلترا ويختتم الشاعر الانجليزي كلامه بالقول: ولكني ألمح في الأفق صعود قوة معادية لأميركا ورأسماليتها الكاسحة انها قوة تصعد من كل مكان في العالم،
وسوف تهدد مصالح اميركا يوماً ما. هذا ما قاله الشاعر الانجليزي في جامعة فلورنسا بايطاليا قبل يوم واحد من حصول تفجيرات نيويورك وواشنطن ولا يزال مصراً على كلامه بعد الاحداث ولم يغير فيه حرفاً واحداً، فأميركا كما يقول دولة لا تفهم إلا لغة القنابل والموت وقد أعلنت الحرب على العالم كله وسوف يرد عليها العالم بالصاع صاعين اذا لم تغير سياستها الظالمة في فلسطين بشكل خاص، وفي اماكن اخرى عديدة من العالم.. يقول ذلك على الرغم من ادانته للارهاب الذي قتل الآلاف بشكل عشوائي في نيويورك وواشنطن.
اما الشاعر الصيني «يانغ ليان» منذ غادر بلاده عام 1987 لكي يعيش في لندن كمنشق سياسي او كأديب منفي وعن ذكرياته مع اميركا يقول: قبل وصول ماوتسي تونغ الى السلطة كانت صورة اميركا ايجابية جداً في الصين ولكن بعد وصوله وترسخ النظام الشيوعي تغيرت الصورة كثيراً كما هو متوقع، بل وانقلبت رأساً على عقب اصبحت اميركا بلد الرأسمالية والدولار والاستغلال بعد ان كانت بلد القمر والنجوم والجمال والخيرات والكاوبوي والسهول الفسيحة سهول القمح..
ثم يردف الشاعر الصيني قائلاً: في عام 1980 دعاني احد الاساتذة الاميركان الذين يزورون الجامعات الصينية من حين لآخر الى المطعم لكي نتعشى سوية وفي اثناء الحديث راح ينتقد بالطبع الحالة الداخلية الصينية ويتأسف لوحشيتها وقساوتها وراح يؤلبني على النظام الديكتاتوري القمعي ويتحدث عن مصير الادب الممنوع والرقابة الشيوعية على الفكر والشعر.
وفي نهاية السهرة بعد ان قمنا عن المائدة راح يسألني بكل وقاحة: لماذا لا تأخذ فضلات المائدة معك الى البيت ألستم جائعين في الصين؟ قلت له اني لا أملك اية كلب في البيت فرد علي قائلاً: ولكني لم اقصد ان تأخذها للكلب وانما لك او لعائلتك هذه النظرة الاحتقارية لسكان البلدان الاشتراكية كانت شائعة لدى الكثيرين من الاميركان المتعجرفين.
وفي عام 1992 اتيح لهذا الشاعر الصيني ان يزور نيويورك ويتمتع بجمالها وقد التقى هناك بالعديد من شعراء اميركا وكتابها ولكي يحسن وضعه المادي فإنه لم يتردد عن توظيف زوجته كخادمة في احد البيوت الغنية، اما هو فقد كسب بعض الفلوس عن طريق إلقاء المحاضرات عن الادب الصيني في الجامعات الاميركية وقد قال له احد المسئولين الاميركان: انت تريد تكريس نفسك لكتابة الشعر ثق من انك سوف تأسف على ذلك فالشعر لا يطعم خبزاً وعندئذ تذكر كلام والده الذي كان يكرره على مسامعه كثيراً: الشعراء يموتون دائماً في الفقر.
اما الكاتبة المصرية اهداف سوين فتتحدث عن صورة اميركا في العالم العربي وكيف تشوهت بعد حرب خمسة يونيو 1967 ثم تتحدث عن دور المخابرات المركزية الاميركية في مقتل تشي غيفارا وتقول ايضاً انها تآمرت اكثر من مرة على جمال عبدالناصر أيام الهبة القومية الخطابية وبالتالي فإن العرب لن يغفروا لأميركا اجهاض ما كانوا يعتبرونه حلما بل والقضاء على النهضة العربية عن طريق دعم إسرائيل على طول الخط ولولا هذا الدعم غير المشروط لما كانت هناك مشكلة بين اميركا والعالم العربي فنحن نحب الشعب الاميركي ونقدره ونعجب بالكثير من كتابه وشعرائه وأفلامه ورواياته الرائعة.. ولكن مشكلة اسرائيل حفرت هوة عميقة بين الشعوب العربية والسياسة الاميركية المنحازة باستمرار للمعتدي.
أربعة وعشرون كاتباً من مشارب فكرية وجنسيات مختلفة يطرحون رأيهم بأميركا وسياستها وانحيازها واشكال التمييز التي تمارسها بعيداً عن مبادئ «حق تقرير المصير» التي تنادي بها وكتاب عن اميركا في عيون الآخرين.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home