مقال

 

نظرات الى التاريخ الأميركي في عصر العولمة

رحيم العراقي



 

 

الباحث توماس بندر الذي اشرف على تأليف هذا الكتاب الضخم هو استاذ التاريخ في جامعة نيويورك، وله مؤلفات عديدة نذكر من بينها «العقل والحياة العامة، مقالات حول التاريخ الاجتماعي للمثقفين الاكاديميين في الولايات المتحدة الاميركية» 1992، ثم «ثقافة نيويورك، تاريخ الحياة الثقافية في مدينة نيويورك منذ عام 1750 وحتى يومنا هذا» 1988. وقد شارك في تأليف هذا الكتاب ما لا يقل عن سبعة وعشرين باحثاً اميركياً واجنبياً. وكان المركز الدولي للدراسات العليا في نيويورك قد نظم مؤتمراً عالمياً عن التاريخ الاميركي وعلاقته بالعالم وذلك بالتعاون مع جمعية المؤرخين الاميركان وكل المداخلات التي القيت في المؤتمر جمعت في هذا الكتاب.

ويرى البروفيسور توماس بندر في المقدمة العامة ان علم التاريخ الحديث مرتبط بنشوء الدولة القومية الحديثة، فكل امة من امم اوروبا ارادت ان توحد مناطقها وسكانها تحت راية واحدة وايديولوجيا مشتركة فأسست علم التاريخ وعلمته في المدارس للتلاميذ وركزت في كتب التاريخ على امجاد الامة وابطالها الميامين ووقائعها واحداثها الكبرى وهكذا شحنت وعي الاطفال منذ الصغر بحب وطنهم والتعلق به، وينطبق هذا الامر على الفرنسيين، كما على الانجليز، كما على الالمان، كما على جميع الامم الاخرى وبالتالي فإن الاميركان يشذون عن القاعدة وعلى هذا النحو كتبوا تاريخهم القومي.

ولكن علم التاريخ تعرض في النصف الثاني من القرن العشرين لطفرة كبيرة ادت الى توسيع افاقه وتجديد مناهجه فلم يعد التاريخ يكتب فقط من وجهة نظر قومية او شوفينية كما كان عليه الحال اثناء القرن التاسع عشر، عصر القوميات بامتياز وانما اصبحوا يركزون على التاريخ الاجتماعي، والتاريخ الاقتصادي، والعوامل الديمغرافية، والجغرافية، والانثربولوجية، لم يعد هدف المؤرخ مدح امته والتغني بامجادها، وانما التوصل الى الحقيقة الموضوعية، نقصد بذلك اضاءة تاريخ امة من الأمم وشعب من الشعوب الى اقصى حد ممكن، وذلك عن طريق استخدام مناهج العلوم الانسانية الحديثة: كعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم النفس، وعلم الانتربولوجيا، وعلم اللغة والالسنيات، الخ.

في الجزء الاول من الكتاب نجد دراسة مطولة بعنوان: النزعة العابرة للقوميات وتحديات التاريخ القومي، وقد كتبها الباحث براسنجيت دوارا استاذ علم التاريخ في جامعة شيكاغو باميركا وهو آسيوي الاصل ومختص بدراسة لغات وحضارات الشرق الاسيوي في الجامعة المذكورة، وابحاثه عن الصين معروفة ومعدودة، نذكر من بين كتبه: انقاذ علم التاريخ من التعصب القومي، تساؤلات حول كتاب التاريخ في الصين الحديثة» 1995. يدعو هذا الباحث الى تحرير الفكر التاريخي وكذلك كتابة التاريخ من النزعة القومية أيا تكن فمن الواضح اننا اذا ما كتبنا تاريخ الصين من وجهة نظر قومية فإننا سنفتخر بامجادها ونعظم من قدرها الى اقصى حد وننسى كل النقاط السلبية وحتى الظلمة في تاريخها وهذا ما يفعله الفرنسيون ايضا او الاميركان او العرب او الانجليز، او الفرس، او الاتراك أو اي امة من الامم.

وبالتالي فقد آن الآوان للخروج من هذا المنظور من اجل كتابة تاريخ الامم والشعوب بشكل اكثر دقة، وعلمية، وموضوعية آن الأوان لكي نخرج من نزعة التعصب القومي ونكتب التاريخ من زاوية اخرى.

واما الباحث اكيرا ايراي فهو استاذ التاريخ الاميركي في جامعة هارفارد وتتركز اهتماماته اساساً على دراسة العلاقات الدولية في القرن العشرين، ثم يتخصص اكثر في دراسة الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية في هذه العلاقات ثم دراسة ظاهرة العولمة على وجه الخصوص، من اهم كتبه نذكر: الصين واليابان في اطار العولمة 1992 ثم عولمة اميركا 1993 ثم الاممية الثقافية والنظام العالمي 1997.

يقول هذا الباحث بما معناه:

ان العلاقات بين الشعوب المختلفة لم تعد تتم عن طريق الدول والسفراء والدبلوماسيين فقط، وانما عن طريق افراد ومنظمات مستقلة وغير حكومية. ينبغي العلم ان عدد المنظمات غير الحكومية عام 1945 لم يكن يتجاوز الخمسمئة اما اليوم فقد اصبح يتجاوز الثلاثين ألفاً! هذا يعني انه خلال نصف قرن تضاعف عددها بما لا يقاس، واصبح دورها كبيراً في العلاقات العالمية، ولم يكن التزايد كميا فقط، وانما نوعيا، فهذه المنظمات اصبحت تحل وتربط فيما يخص العديد من القضايا والمشاكل.

لقد اصبحت هذه المنظمات تخفف كثيراً من آلام البشرية عن طريق الاهتمام بالنازحين او اللاجئين وايجاد مأوى لهم ومعلوم ان الحروب الاهلية في افريقيا وسواها شردت ملايين اللاجئين على الطرقات والدروب، وبما ان الدول لا تريد ان تهتم بهم او لا تستطيع فإن المنظمات غير الحكومية هي التي تأخذ الامر على عاتقها.

ولكن هناك مشاكل اخرى تضطلع بها هذه المنظمات: كمشكلة البيئة وحماية الطبيعة الخضراء، ومشاكل الفقر والجوع في بلدان العالم الثالث، ومشاكل اخرى عديدة.

وبالتالي فلا ينبغي ان نستهين بعمل هذه المنظمات، فالواقع ان الدولة لا تستطيع ان تفعل كل شيء على عكس ما نتوهم.

وبما ان المنظمات غير الحكومية «كأطباء بلا حدود» وسواها اصبحت تلعب دوراً كبيراً في محاربة العولمة الرأسمالية والدفاع عن الشعوب الفقيرة، فإنه لا يمكننا بعد اليوم ان نفهم العلاقات الدولية اذا لم نأخذها بعين الاعتبار.

واما الباحثان ميكائيل جير وشارل برايت فقد كتبا بحثاً بعنوان: «اين تقع اميركا في العالم او بالنسبة للعالم؟ تاريخ الولايات المتحدة في عصر العولمة». والباحث ميكائيل جير هو استاذ مادة التاريخ في جامعة شيكاغو وقد تركزت ابحاثه في الماضي على دراسة المسائل العسكرية، وشئون الحرب والتاريخ الالماني المعاصر، ثم تاريخ العولمة من اهم كتبه «التاريخ العالمي في عصر العولمة» 1995.

واما شارل برايت فهو استاذ علم التاريخ في جامعة ميتشجان وقد تركزت ابحاثه على مشاكل التاريخ السياسي الاميركي ومشكلة السجون في اميركا.

وفي بحثهما هذا يرى المؤلفان ان الكثيرين يعتبرون العولمة بمثابة «امركة للعالم».. ولكنهم لا يعرفون ان الاميركان يخشون ايضا ان ينصهروا ويذوبوا في العالم من خلال العولمة وبالتالي فالخوف ليس من طرف واحد. لا ريب في ان الشعوب الاخرى اصبحت تشكو من غزو مطاعم الماكدونالد لها والاغاني الشعبية الاميركية، وافلام العنف والمسلسلات الرخيصة، والصواريخ، وسوى ذلك، ولكن الكثيرين من الاميركان يرفضون ان تختزل ثقافتهم الى هذه الاشياء فقط، ففي اميركا علم، وفلسفة، وطب، وافلام سينمائية جادة، وموسيقى رائعة، وثقافة راقية.

ويرى الباحثان المذكوران ان العولمة لن تؤدي الى التنميط كما يخشى البعض.

فالخصوصيات الثقافية من عربية، وصينية وفرنسية وهندية وافريقية او سواها لن تزول بحلول عصر العولمة، كل ما سيحصل هو ان التفاعل بين الثقافات والشعوب سوف يصبح اكبر من السابق بكثير بسبب وسائل الاتصالات الحديثة التي تربط مختلف بلدان العالم ببعضها البعض، وسوف تصبح الثقافات البشرية متقاربة ومرئية بالنسبة لبعضها البعض لان المسافات البعيدة والجدران التي كانت تفصل بينها سابقا سوف تزول في عصر الانترنت، والفضائيات التلفزيونية، والفاكس، والهاتف النقال، والايميل، الخ.

لكن ما هي العولمة بالنسبة لهذين الباحثين؟ وكيف يحددانها؟ يقولان بما معناه: ان العولمة تعني سريان البضائع والافكار والاشياء من طرف العالم الى طرفه الآخر.. انها تعني زوال الحدود والحواجز التي كانت تفصل بين دول العالم وشعوبه، انها تعني انتقال البشر بسرعة وسهولة بين البلدان والقارات عن طريق وسائل الاتصال الحديثة: كالطائرة او القطار السريع جدا، انها تعني ايضا اطلاع البشر على ثقافات بعضهم البعض عن طريق شاشة التلفزيون التي تنقل الخبر، او البرامج الثقافية، او العادات والتقاليد بواسطة الصورة والصوت في كل لحظة وكل ثانية، وهذا الشيء لم يكن متوافراً للاجيال البشرية السابقة.

احدى اطروحات هذا الكتاب تقول بأن تاريخ الولايات المتحدة كان دائما مرتبطا بالتاريخ العالمي، ولكن بدءاً من عام 1945 اصبحت اميركا هي القوة العظمى المهيمنة على العلاقة مع الآخرين، في السابق كانت جزءاً من العالم واما الآن فأصبحت قائدة لمصير العالم، وهنا يكمن الفرق بين فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

ثم ازدادت هيمنة اميركا على العالم بعد انتصارها في الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي كقصر من كرتون.

هناك فصل في الكتاب بعنوان: اميركا في عصر القوة الشمولية، وقد كتبته الباحثة ماريلين ب. يونغ وهي استاذة علم التاريخ في جامعة نيويورك، وقد تركزت ابحاثها على السياسة الخارجية الاميركية في اسيا وجنوب شرق آسيا.

من اهم كتبها: الكفاح الثوري في القرن العشرين 1980 ثم حروب فيتنام 1991.

وفي بحثها الجديد هذا تقول المؤلفة ما معناه: في الخمسين سنة الماضية كانت اميركا القوة الاكبر في العالم ولا تزال وكان ينبغي على اوروبا واسيا واميركا اللاتينية، وافريقيا ان تأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار فهي لا تستطيع ان تحسم قراراتها السياسية إلا بعد التفاوض مع اميركا او استمزاج رأيها.

ثم تردف الباحثة قائلة:

ولكن هذا لا يعني ان اميركا تهيمن على كل جوانب الحياة اليومية لشعوب هذه القارات ولا أنها فرضت ارادتها دائما وفي كل مكان، فالحروب الاهلية التي حصلت في افريقيا وسواها من القارات كانت لاسباب محلية، موضعية، ولا ينبغي ان نرى يد اميركا وراءها باستمرار، فهذا وهم ايديولوجي يريد تضخيم دور اميركا الشيطاني لكي يعفي الآخرين من المسئولية.

هناك بحوث اخرى في الكتاب تستحق القراءة والمناقشة نذكر من بينها صياغة التاريخ الاميركي، الديمقراطية، والقومية، والاشتراكية وقد كتبه الباحث روبرت هـ ويب، وهو استاذ جامعي ومؤلف العديد من الكتب.

ونذكر ايضا بحث البروفيسور دانييل روجرز: اميركا في عصر السياسة الاجتماعية.

والباحث المذكور هو استاذ التاريخ الثقافي الاميركي في جامعة برنستون ومن اهم كتبه نذكر: اخلاق العمل في اميركا الصناعية بين عامي 1850 ـ 1920 (1978)، ثم حقائق مختلف عليها: مفاتيح لفهم السياسة الاميركية منذ الاستقلال 1978 ثم عبور الاطلسي، السياسة الاجتماعية في عصر تقدمي 1998.

ولا ينبغي ان ننسى البحث الذي كتبه البروفيسور الالماني وينفريد فلوك بعنوان حداثة اميركا وممارسة البحث الاكاديمي فيها، والباحث المذكور هو استاذ الثقافة الاميركية في جامعة برلين.

وهناك ايضا فصل مهم جداً كتبه الباحث روب كروس تحت عنوان: الامبراطورية الاميركية والامبريالية الثقافية والباحث المذكور هو استاذ الدراسات الاميركية في جامعة امستردام بهولندا، ومن اهم كتبه نذكر: نحن وهم، مسألة المواطنية في عصر العولمة 2000.

باختصار إن هذا الكتاب مليء بالبحوث والدراسات الجادة في اميركا وسوف يصبح مرجعاً لابد منه لكل من يريد التعمق في فهم هذا البلد الذي يسيطر الآن على مصير العالم.

وبحث من منظورات مختلفة حول مستقبل العالم على ضوء تاريخية اميركا وموقعها كقوة عظمى وحيدة في العالم اليوم.

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home