دراسات هامة

 

قراءة في قصيدة طائش حتى الإزرقاق

نفيسة الهادي التريكي



 

 

قراءة في قصيدة (طائشٌ حتى الإزرقاق) للشاعر السوري

شاهر الخضرة

الدكتورة نفيسة الهادي التريكي*

 

الخمسونُ . .

تهرعُ متلألئةً للغوايةِ

يبدأ الشاعر بتذكير نفسه بالسنوات الخمسين التي هي عمر جسده إذ يقول أنها تهرع والهرعُ هنا

كما جاء في لسان العرب

(الهَرَعُ والهُراعُ والإِهْراعُ: شدَّة السَّوْقِ وسُرْعةُ العَدْو؛ قال الشاعر أَورده ابن بري:  كأَنَّ حُمُولَهم، مُتتابِعاتٍ         رَعِيلٌ يُهْرَعُونَ إِلى رَعيلِ

وقد هُرِعُوا وأُهْرِعُوا. واسْتُهْرِعَتِ الإِبلُ: أَسْرَعَتْ إِلى الحوضِ. وأْهْرِعَ الرجلُ، على ما لم يسم فاعله: خَفَّ وأُرْعِدَ من سُرْعةٍ أَو خوْفٍ أَو حِرْصٍ أَو غَضَبٍ أَو حُمَّى. وفي التنزيل: وجاءه قومه يُهْرَعُون إِليه؛ قال أَبو عبيدة: يُسْتَحَثُّون إِليه كأَنه يَحُثُّ بعضهم بعضاً.

يصف الشاعر الخمسين (سنوات عمره التي تَفترض على من هو في هذا العمر أن يكون رصينا متعقلاً بعيداً عن الغواية والهوى) ولكن خمسين الشاعر ليست في سياق المفهوم العادي إذ يبوح لنا منذ مطلع القصيدة أنها خمسون مختلفة عمّا ألفه الناس فهي تهرع متلألئةً للغواية أي مزدهية أكثر من الشباب

والغواية هنا بماذا ؟ لنتابع 

يحسبها الآخرون مذكَّراً

وأنا أُحيطُ بي _ على شاطئين

من زرقةِ البرقِ _ مؤنَّثةً .

الخمسون المتلألئة للغواية ولنا في دقة اختيار الشاعر لكلماته معرفة إذْ هي أي الخمسون متلألئة للغواية وليست بالغواية أي تلألؤها هنا وكأنها تجدد وانبعاث في حيوية الحياة والحب ويتابع الشاعر مطلع قصيدته القوي (يحسبها الآخرون مذكّراً) يحسبها الآخرون وهكذا دائما أسلوب الشاعر في كتاباته حين يريد إغماض فكرته يحسبها الآخرون مذكّراًَ وفي تقديري يقصد أن الآخرين يحسبون تلألأها للغواية مذكَّرا وهي ليست غواية مذكّر فيضيف الشاعر (وأنا أحيطُ بي) أي أعرف سنواتي الخمسين وأحيط بكل تفاصيل جسدي وقلبي وغوايتي فحين أكون على شاطئين من زُرقةِ البرق تكون الخمسين المتلألئة للغواية مؤنّثة أي تصبح هي الغواية وهي التلألؤ وهي ممتزجة بهما حتى لا مجال لتمييز سنيّ عمره عن الغواية فتغلبُ على الشاعر الغواية فبينما الآخرون يرون الظاهر أنه مذكّرا وهو في حقيقة ما صارت إليه حاله غوايةً تامّةً , والغواية مؤنّثة ولكن لا يدرك حاله سوى هو ذاته عندما يقول (وأنا أُحيطُ بي) نعود لنفكك الجمل متتبعينها كلمة كلمة

يحسبها الآخرون مذكَّراً

وأنا أُحيطُ بي _ على شاطئين

من زرقةِ البرقِ _ مؤنَّثةً .

ما تراهما الشاطئان اللذان هما من زُرقة البرق وفي تقديري هما عينا صاحبة القصيدة والشاعر بمكر شديد كعادته أغمض على القارئ العادي ما أراد وربما على القارئ غير البصير أيضا بأسلوبه إذن هو يقول إنني دخلت الغواية حتى صرتها منذ أن وقفتُ على شاطئيّ عينيها اللتين بزرقة البرق وزرقة البرق هنا أقوى من زرقة البحر فزرقة البرق في عينيها خطفتْ لبّ الشاعر ورصانته وحوّلته إلى مشدوه في جمال عينيها الزرقاوين  ثم يتابع فيقول :     

هادئا لا أُجمعُ

نقيّاً لا أفيءُ

بينهما أقفُ

عظيماً بين هاويةٍ إلى الفناءِ

وسدرةٍ إلى الجنون .

(هادئاً لا أُجمع) أي أنني هادئ لا أدع أحدا يعرفُ أو يجمع معرفة ما ينتابني من هاتين العينين فبكل الكتمان الهادئ أعيش حبي لعينيها و (نقيّاً لا أفيئُ) والنقاء هنا بتقديري يأخذ معنيين الأول أنه يحب عينيها حبّا صوفيّاً خالصا لا يميل إلى نيّة أخرى تعكّر صفاء زرقة العينين والثاني أي نقيّا بما (أُظهر ولا أفيء إلى أن يعرف مشاعري المعتكرة بفعل تيار يجتاحني) ثم يقول (بينهما أقفُ) أي بين الشاطئين لزرقة عينيها أو بين عينيها وكيف يقف ؟ عظيماً بين هاويةٍ إلى الفناء وسدرة إلى الجنون أي أنا الشاعر بكل شعوري بالعظمة عندما رأيت عينيها

ها أنا الآن إمّا أن أهوي في حبهما وأفنى حبّاً فيهما وإمّا أُجنُّ والسُدرة هي حسب العقيدة الإسلامية وما جاء أنها سُدرة المنتهى أي آخر ما يصل إليه ملاك في معراجه في السموات الزرقاء وهنا يقول إن حبي وضعني بين متناقضين إما الهاوية ولكنها هاوية الحب وإمّا إلى سدرة منتهى الجنون وأيضا هنا الجنون في الحب فهل سيظل الشاعر في حبه هوىً أو جنوناً في تلك الجزئيتين من هذه المرأة أم سيتوضح لنا هوى آخر فلنتابع القصيدة       

الخمسون . .

تثيرُ الحزنَ كلَّما تنفَّـسَتْ

ببطءٍ ساهرٍ على شرفةِ _ (وراءَها) _ المستيقظةِ .

يعود فيتذكر الشاعر عمره وربما هنا نقرأ أن الخمسين تثير حزنه لأنها مثقلة بالارتباطات الاجتماعية ومثقلة بقدرها وما وراءه من زوجة وأسرة ومسؤوليات

الخمسون . . !

أنتَ تحوَّلتَ إلى مطيعٍ لميولي وهَنَاً ،

مباركٌ أنتَ

جسيمٌ كمعرفتي لبشاعةِ الريحِ

التي تبحثُ عنّي في زفراتها .

وهنا تخاطبه الخمسون بقولها بكل ضعفك تحولت إلى مطيع لميولي لذا أنت مبارك مني وأنت جسيم بخساراتك كجسامة معرفتي ببشاعة الريح التي تجري بما لا تشتهي السفن وهنا يقول إن الريح بشعة لكونها غير مواتية وكونها بشعة فهي تبحث عني في زفراتها أي أن عمري صار بشعا ولا يناسب هواي في عينين شابتين وهنا نقرأ ما وراء السطور بأن هذه المرأة تصغره كثيرا في العمر وهذه أزمة بحد ذاتها للشاعر وبخاصة إذا كانت تلك الصبيّة ترفض مثل هذا الحب ونحن لا نعلم حتى الآن فلنتابع القصيدة تحليلا لعلنا نقبض على مفاتيح أخرى نستدل بها على ما تكهنّاه   

يا صداي البعيد !

سأُبعثُ . .

يميني معجزةٌ على صفحةِ النبع

يساري تفاؤلٌ ،

وعرشي عالقٌ بين فَكَّيْ اضطرابين ببحرٍ

شُقَّ لكي تُطْبِقَ عليَّ ربةُ الموج

كفراشةٍ _ ينفجرُ الضوءُ ليبدِّدَ غوايتَهُ لها _ .

*       *       *

يستحضر الشاعر شبابه الماضي ويتحداه بقوله سأُبعثُ في حياة ملؤها الحيوية وكأنه شجرة تروى من نبع الحب وهو متفائل بقوة جديدة تسري في قلبه قوة الحب ويبلغ القول ذروته بتشبيهه لهذا البعث وكأنه بعث إله ودلالة ذلك أنه يملك عرشا ولعل العرش هنا عرش الشعر وعندما يتذكر ذلك العرش تعود له حالة اليأس فيذكر أن عرشه غير حر بل عالق بين فكّي اضطرابين ببحر وهذا البحر شُقَّ لا لكي ينجو من الغرق بل ليغريه شقُّ البحر فيسلك فيه فتُطبقُ عليه أمواجُ هذا البحر والبحر هنا بحر حبّه ولا زلنا ندور مع الشاعر في دوار الزرقة زرقة عينيّ صاحبة القصيدة وما البحر إلا صورة ثانية لهما وخاصة أنه بحر خطر يبتلع من يسلك فيه ويدعّم الشاعر رأينا بأن يعود إلى الغواية الأولى في بداية القصيدة ويخلق صورة جديدة للحالة التي أوصلته تلك العينان إليها 

كفراشةٍ _ ينفجرُ الضوءُ ليبدِّدَ غوايتَهُ لها _ .

وهنا لا يقول إن الفراشة تدور حول الضوء فحسب بل يصور حالة اليأس بأنه كالفراشة ولكن الضوء ينفجر ليبدّد غوايته للفر اشة وكأنه خائف من أن يصرّح بحبه فالفراشة تدور وتدور حول الضوء دون أن تدرك سرّه وإذا جازفت بالإقتراب منه أكثر فستحترق وتموت فما الذي جعل الشاعر يتصور ذاته كالفراشة وأن الضوء هو من يفقد صبره ويفجر ضوءه ليبعد عنه غوايته للفراشة لندع القصيدة تمض بنا 

قال :

لن تكون شاعراً ما لم تته بمساحةٍ

لا تتجاوزُ أنملة .

من الذي قال وهل يخاطب نفسه أم أنه قال للشاعر في داخله لن تكون شاعرا إذا كنت لا تستطيع أن تعشق هاتين العينين وهما لا تتجاوز مساحة واحدتهما أنملة قياسا إلى جسد المرأة ولماذا صغّر الشاعر مساحة العين إلى قدر أنملة هل يتحدى بهذه المساحة قدرته الشعرية ؟ لنتابع لعلنا نعثر على جواب . 

سأداعبُ كلَّ ما مضى من قصائدي الحكيمة

وأقولُ لهنَّ :

تحطَّمنَ على مسافةٍ لا تتعدّى أنملة ،

أليس في هذا المقطع من القصيدة جواب على ما ذهبنا إليه وهو سيداعبُ قصائده الحكيمة التي كتبها في مسافات لا تحصى طولا وعرضا في همومها الشاسعة ومداها البعيد مخاطبا إياها بأن تتحطم هذه المرة وتتقلص إلى قصيدة مكثفة حتى تصبح بحجم الأنملة التي لها من المدلولات الكثير الكثير مما قد يغيب عن القارئ بأن الأنملة ليست بصغر حجمها بل بدقة خلقها وقد ضرب الله في القرآن مثلا على دقّة قدرته فيها حين قال بلى قادرين على أن نسوّيَ بنانه وكأنه يريد أن يقول إن للأنملة بصمتها التي لا مثيل لها وكذلك في آخر ما توصل إليه العلم أيضا إن للعين بصمتها التي لا مثيل لها وما هي تلك البصمة لهذه العين على قصيدته إن لم تكن ما ذهبنا إليه .  

يا قلبي العزيز

كأنَّني أمتلكُ مئاتٍ غيرَك . . فأعبثُ بك ،

وأُتْلِفُ في مهبِّ الرياحِ أوراقَك

فكنْ بحجمِ أنملةٍ

واستردَّ هيئتَك التي . . عندما آويتُك إليَّ

وأنا في رحمِ أمي

صغيرا بحجم أنملة ،

أجل فما ذهبنا إليه بدأ يتوضح تماما دونما لبس 

إنّي مُنزِّلٌ عليكَ زنبقةً يعرفها الله

أليست الزنبقة زرقاء والعين الحبيبة كذلك ؟

وزنبقةً لو عرفتني لصرتُ

ماءً لألوهةِ شكِّها بيقيني ،

وهل الزنبقة الأخرى هي المرأة التي يتمنى الشاعر أن تتيقن من حبه لعينيها

الدهرُ لم ينتِجِ الخمسينَ جُزافاً ،

إن أوَّلَ الأشياءِ سماويٌّ

وتعود القصيدة إلى الخمسين لتثني عليها بأنها مرحلة من الدهر مليئة بتجربة الحياة وهي هنا كنز يدعو نفسه وتلك المرأة إلى الاستفادة مما تكنزه وأول الأشياء سماويّ أي أنه بدأ الآن بحب وكأنه لم يعرف الحب من قبل وربما ما أوحى له بذلك عيناها السماويتان

فابْكِ يا قلمَ العُبابِ على أعماقي

التي شربَتْ كلَّ كياني بجرعتينِ عَذَّبَتْ بهما

ناصعَ الشِّعرِ عشراتِ الأحوال ،

قلم العباب ذاته اللون الأزرق , ذاته لون عينيها وأعماق الشاعر شربت كل كيانه بجرعتين أي بعينين زرقاوين

غايةً في القِدَمِ

وغايةً في القُدوم ،

أي قِدَم خبرته في الحياة والشعر والحب وأما غاية في القدوم فهو يفتح لذاته بابا ليخرج منه بكتابة شعر جديد في حب هاتين العينين ذاتهما 

فكلّما أُخرجتُ . .

أسيرُ وحيداً دون مفاصلَ

متهيّئاً . . لأناسبَ رؤايَ مع البحر

في ركائزَ غير ثابتة ،

لست أدري هل أنا أثرٌ ؟

أم الأساطيرُ تعكسني

بين ظمئي وتلهُّفي للهلاك ،

تلاعبْ أيها المِدادُ

فإنّي طائشٌ طائشٌ حتى الإزرقاق .

الظمأ والبحر والمداد كله خدمٌ تشكيلي لفكرة القصيدة هذا التشكيل البصري واللعب على اللون الواحد بصور شتى كله ما يحسب للشاعر إبداعا وعمقا وحداثة وقوة وما أتى في خاتمة القصيدة جعل القصيدة تستند على قاعدة قوية أيضا تحمل دلالة ما قرأناه فيها

تلاعبْ أيها المِدادُ

فإنّي طائشٌ طائشٌ حتى الإزرقاق

أضيف إن الشاعرية أيضا تتجلى في القصيدة بأن الشاعر ربما لا يأمل من تلك المرأة بأكثر من طيشه في زرقة عينيها لذلك بنى كل القصيدة على لونهما وحبه لهما ولم نعرف من القصيدة أكثر من ذلك وهذه قمة الشاعرية حسب رأيي وأنا لا أحلل سوى قصيدة حفّزني لقراءتها الشاعر نفسه عندما قال لي هل تستطيعين قراءتها وفهمها وبالطبع هذه ليست المرة الأولى فقد درّست شعر الشاعر شاهر الخضرة في عام 2003 لطلبتي في كلية الآداب وكان ذلك بحب لشعره

أما في دراسة القصيدة من نواح أحرى فقد أجلنا ذلك لتحدٍ آخر

 

* أستاذة النقد سابقا في جامعة عائشة جناح

2006-02-29

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home