فن تشكيلي

 

بعد الخامسة والثمانين

رغداء زيدان



 

 

عائشة عجم موهبة

تفتحت بعد الخامسة والثمانين

رغداء زيدان

 

      قبل أيام قليلة, احتفلت عائشة عجم مع أولادها وأحفادها ومحبيها ببلوغها التسعين من العمر, فهي من مواليد عام 1916 م, وقد اختارت طريقة للإحتفال بافتتاح معرضها الخاص الخامس في مسيرتها الفنية النادرة.

 

       لم تكن عائشة عجم فنانة عادية, فهي لم تدرس فنون الرسم في حياتها, وهي أصلاً لم ترسم في صغرها ولا في شبابها, بداية مشوارها الفني جاءت متأخرة, لكن تجربتها الفنية كانت غنية, دافئة, بسيطة, فطرية.

 

       بدأت الرسم صدفة, دفعها لذلك مللها, بعد أن وجدت نفسها وحيدة في منزلها في حلب, فقد ودعت الزوج, وغادرها الأولاد كلٌ إلى عمله.

كانت في الخامسة والثمانين, إمرأة عجوزاً بعدّ السنين, ولكنها مليئة بالحيوية والنشاط, بدأت الرسم لتمضية وقتها, أبحرت في الماضي الرحب, تذكرت عنتر وعبلة, تذكرت الزير سالم, حنّت لأبي زيد الهلالي, رسمت ورسمت ثم قررت قرارها, لا بد من عرض هذه اللوحات.

 

       كان عبد الرحمن مهنا ابنها, الفنان التشكيلي السوري المعروف, واحد من خمسة أولاد ربتهم عائشة عجم, وأعطتهم عمرها وحنانها, غادر حلب قاصداً دمشق ليستقر فيها, جاءت أمه لزيارته يوماً في دمشق, وطلبت منه ألواناً وقماشاً للرسم, استغرب طلبها, لكنه لبّاه, رسمت ما أذهله, وهو الفنان التشكيلي المطلع, لم يصدق ما رأى, فأخبرته أنها تركت وراءها رسوماً أخرى في حلب, ترك كل شيء وسافر إلى حلب فوراً ليحضر كنز أمه.

 

       ظهرت عائشة عجم أمام الجمهور لأول مرة خلال شهر أيار عام 2000م, وكانت ترسم أمام الناس بشكل مباشر, ثم أقامت  معرضها الخاص الأول  في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق, كان ذلك في 13 شباط عام 2001م. ثم توالت معارضها الخاصة, فكان الثاني في حلب مدينتها في أيار من نفس العام, والثالث في معهد غوته عام 2002م , وشاركت في نشاطات ومهرجانات أخرى عديدة ومتنوعة.

 

       حازت عائشة عجم على إعجاب النقاد والفنانين, فهي ترسم فناً بكراً فطرياً, لا تعرف قواعد, ولم تسمع عن مدارس الفن, فهي تنتسب تلقائياً إلى مدرسة الفن البدائي, هذا الفن الذي تحدث عنه الفنان الفرنسي جان دوبوفي (1901ـ1963) في منتصف القرن العشرين وأسماه الفن غير المثقف, أو « الفن البكر» أي الذي لم يلتزم بالثقافة العقلية والمهارات التقنية الأكاديمية.

فهي ترسم بالفطرة, أفكارها تستقيها من قصص التراث الشعبية, ومن حكايا الجدات.

 

       عندما تشاهد رسوماتها تشم عبق الماضي, فترى عنتر وقد حمل سيفه, يقف فوق شاربه الصقر, كيف لا, وهو بطل الأبطال!, ووراءه عبلة تنظر إليه بإعجاب وحب .

 

تأسرك عائشة عجم بلطفها وتلقائيتها تماماً كما تأسرك لوحاتها, تتحدث ببساطة, كما هي تحدثك بفطرة وصدق, عندما سُئلت بماذا تشعرين عندما ترسمين؟

قالت: أشعر بالفرح!.

وعندما سُئلت لماذا ترسمين؟

قالت أرسم لأتسلى!

 

ولكنك إذا ما تمعنت برسوماتها, تجد هذا الغنى الواضح, أشياء وأشياء , القوة والحب, الحرب والسلم, الغنى والفقر, الحكمة والتجربة, تجد الحياة بماضيها وحاضرها.

 

       ذكرتني عائشة عجم بباية محي الدين, ( 1931) الفنانة الجزائرية التي أذهلت النقاد والفنانين الفرنسيين, كانت باية طفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة عندما رسمت ما وجده الفنانون شيئاً رائعاً, رغم سذاجته وبساطته, فاهتم بها الفنانون حتى أن بابلو بيكاسو الفنان العالمي ( 1881 ـ 1973) طلب منها أن ترافقه ليعلمها الرسم, فبقيت برفقته عدة أشهر, استفادت خلالها كثيراً, وكان معرضها المميز عام 1948م.

 

       لكن باية محي الدين تركت الرسم بعد زواجها, ولم تبق تلك الفنانة الفطرية, بينما عائشة عجم بدأت في وقت ينتهي عنده الكثيرون, وظلت على فطرتها وبساطتها, ترسم ما تحسه هي, بطريقتها هي, وبألوانها هي, فالرسم أولاً وأخيراً عند عائشة عجم هو وسيلة تعبير, تحكي من خلاله تجاربها ونظرتها للحياة. وستبقى تجربتها الفنية دليلاً نادراً على إرادة الحياة, إرادة إمرأة عرفت كيف تبدأ حياتها في مرحلة يستسلم فيها الكثيرون لضعف الشيخوخة, فيقبعون في بيوتهم منتظرين الموت, بينما هي كانت شابة في التسعين, تنشر الفرح والأمل أينما حلت. أطال الله في عمرها, وأحسن عملها.

 

 




 

اطبع الموضوع  

Home