دراسات هامة

 

الرياضة النسوية إلى أين

نعمان عبد الغني



 

الرياضة النسوية إلى أين

بقلم  نعمان عبد الغني

المرأة في الحقيقة، ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي أيضاً والدة ومربية للمجتمع بأسره في مدرسته الأولى على الأقل التي تطبعه إلى حد بعيد في بقية مراحل حياته. من هنا تأتي أهمية وضرورة العناية بالمرأة، بل وإعطائها الأولوية في ذلك على الرجل. فالمرأة - على هذا الأساس- هي عماد المجتمع، فإذا ما وقعت العناية بها وإيلائها ما يوافق قيمتها وأهميتها من الاعتبار الصحيح والعناية الفائقة، استقام المجتمع كله وصلح حاله. أما من أهملها وحط من قيمتها وإنسانيتها وتجاهل وجودها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته المركزية، فقد هدم المجتمع أو على الأقل فقد أضر بالمجتمع ضرراً بليغاً.

 

بناء على ما تقدم فإننا لا نحسب أن ما مرت به عديد المجتمعات قديما وحديثا من تخلف وانحطاط وانحلال كان قد حصل لها بمعزل عما وقعت فيه من إهمال لوضعية المرأة ودورها فيها، وما تعرضت له من إساءة خطيرة مخلة بكرامتها وإنسانيتها. ولو دققنا النظر والتحليل لوضعية المجتمعات المتخلفة وفي أسباب تخلفها, لوجدنا أن ذلك -في جزء كبير منه- يعود إلى الطبيعة السيئة لوضعية المرأة فيها.فإذا كانت المرأة مهملة ومحتقرة تعيش وضعية الدونية والجهل والقهر وسحق للشخصية وعدم الاعتبار، فلا غرابة أن ينشأ الأبناء أيضاً عل الجهل وضيق الأفق وضعف الشخصية وتذبذبها. وإذا ما التحقوا بالمدرسة عند بلوغ سن التعليم، فإنهم غالباً ما يبقوا مرشحين للفشل في دراستهم، إذ أن النجاح فيها لا يمكن أن يحصل إلا بتضافر الجهود بين البيت والمدرسة. وحتى إذا ما نجحوا يبقى نجاحهم نسبياً ومنقوصاً. بينما لو كانت الأم متوازنة الشخصية ومتعلمة وواعية فإنه - فضلاً عن حرصها الأشد على تعليم أبنائها وتربيتهم تربية راشدة- بمقدورها تلقينهم منذ الصغر حب المعرفة والتعلم, وستكون فيهم أيضاً سعة الأفق وكذلك منهجية أرحب في رؤية الكون وفي أسلوب التعامل معه، بأفضل ما يستطيعه المعلم في المدرسة. وذلك لأهمية ما يربط الطفل من علاقة خصوصية بأمه تيسر عملية التبليغ والتلقين بينها وبينه. فعملية التعليم والتربية تشبه إلى حد بعيد عملية الرضاعة بل هي تواصل طبيعي لها إذا كانت الأم واعية ومتعلمة.

ونخلص مما سبق إلى أن المرأة هي نصف المجتمع عددياً، وهي من ناحية أخرى عماده الأساسي ومدرسته ومربيته الأولى. لذلك فإن العناية بالمرأة عناية جادة، وإنزالها في المجتمع منزلتها التي تستحقها كأم ومربية له، وعضو فاعل فيه، مثلها في ذلك مثل الرجل، وإيلائها الاعتبار الكامل والمساواة بينها وبين الرجل من حيث أنهما يشتركان في قيمة الإنسانية، من شأنه أن يحقق معنى العدل والندية بينها وبين الرجل. كما هو من شأنه أن يمكن الجسم الاجتماعي من النهوض بكل أعضائه وقواه وليس بنصفها فقط، لأن نصفها الثاني المتمثل في المرأة مشلول ومعطل.

لقد ولى الزمان - في عالمنا الحديث - الذي كانت فيه عوامل تحقيق التنمية والتقدم تكمن في استغلال سطح الأرض وما يوفره لمستغليه من خيرات، وفي بطنها وما تحتويه من كنوز وثروات طبيعية، أو في وسائل وتقنيات تمكن من تحويل تلك الثروات الخام إلى منتجات متطورة ومتعددة تلبي أدق المطالب والحاجيات وتشبع عديد الرغبات. إن الأرض ورأس المال تراجعت قيمتهما كعوامل إنتاج، وحل محلهما في الصدارة في عملية تحقيق التنمية والتقدم الرأس المال البشري وما يحمله من علوم ومهارات فائقة في استغلال المعطيات.

لقد غدا الذهن البشري وقدرته الفائقة على استيعاب الأشياء والمعطيات وطاقاته الواسعة على التصرف فيها وتحويلها، هو المنبع الأساسي لخلق الثروة وتحقيق التنمية والتقدم، مما يعني أنه قد غدا بإمكان المجتمعات المحرومة من كل أنواع الثروات الطبيعية والمالية أن تتحول بدورها إلى مجتمعات ناهضة متطورة، إذا ما أحسنت استغلال ثرواتها البشرية الكاملة من رجال ونساء وقدراتها الذهنية. وذلك إذا أحسنت تكوينها وتنوير الأذهان فيها بالعلم والمعرفة، وتأهيلها للتعامل بمهارة فائقة مع المعطيات، ومواكبة ركب تطور العلوم والمعرفة في العالم.

على هذا الأساس فإنه لا يحق لمجتمعات نابهة أن تجمد نصف ثرواتها البشرية، المتمثلة في المرأة، وتضحي بها فتهملها وتهمشها، ولا تعترف بها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته وأهميته ودوره المركزي فيه. إن ذلك يكلفها خسائر فادحة على مستويات عدة، وخاصة على مستوى تنميتها الاقتصادية وازدهارها العلمي والمعرفي وتقدمها على جميع المستويات, ويفوت عليها فرصا ثمينة في هذا المجال. وهذا الشلل النصفي لا يتوقف ضرره على النصف المشلول فحسب، وإنما يتعداه إلى النصف الآخر، الرجل. فهذا الأخير إذا كانت إلى جانبه امرأة متعلمة واعية ومحررة الطاقات وفاعلة في المجتمع، يكون هو أحسن عطاء وأرفع جدوى ومردودية مما لو كانت إلى جانبه امرأة جاهلة، مجمدة الطاقات محطمة الشخصية، معدومة الحضور والاعتبار في المجتمع. فالوضعية المتدنية للمرأة في المجتمع لها تأثيرها السلبي على وضعية الرجل، ولا تجذبها إلا إلى الخلف وإلى الأسفل.

إن مسألة تحرير المرأة تحريراً صحيحاً وليس استغلالياً ودعائياً فقط, هي مسألة جوهرية وملحة للغاية في هذا الزمان، وذلك لاعتبارات عدة. فتحريرها تحريراً حقيقياً مسؤولاً -كما تقتضيه إنسانيتها- ورفع اليد عنها والكف عن ظلمها واستغلالها، هو مطلوب قبل كل شيء من منطلق مبدأي، لأن ذلك من حقها الطبيعي والشرعي وليس هو منة ولا هو هبة من أحد. كذلك هو مطلوب لأنه ليس هناك ما يمنعه عقلاً ولا نقلاً، بل على العكس فإن العقل والنقل يؤكدانه ويحثان عليه.

وهو مطلوب أيضاً من جهة إقامة العدل الواجب إقامته بين الجنسين. إذ ليس هناك ما يميز بين الرجل والمرأة في حق وضرورة التكريم، وإعطاء الاعتبار، وتنوير العقول، وضرورة الفعل في المجتمع، من أجل تحقيق التقدم والرقي والتحضر على جميع المستويات. وهو مطلوب أيضاً من جهة الضرورة والحاجة والمصلحة الجماعية للمجتمع في عصر غدت فيه القدرات والمؤهلات الذهنية هي القيمة النادرة المبحوث عنها لدورها المركزي في عملية إيجاد الوفرة وتحقيق التقدم والنهوض عموماً.

فمن هذا الجانب لا يليق بمجتمع عاقل راشد أن يتصرف تصرف السفيه، فيهمل ويهمش أو يجمد نصف طاقاته البشرية، وما يحمله من قدرات ذهنية وإبداعية هو في أمس الحاجة إليها. والأمر مطلوب أيضا من جهة ضرورة تمكين المرأة - تماما مثل الرجل- من تحقيق إنسانيتها وترقيها في سلم قيمها، والنهوض للقيام بدورها في المجتمع وفي الحياة. ولا يتسنى لها ذلك إلا بإفساح المجال أمامها، مثل الرجل للنهوض بذاتها وتفتيق طاقاتها وتنمية مواهبها وقدراتها. وهو مطلوب في الأخير من جهة أن المرأة، مثلها مثل الرجل، مكلفة في هذه الحياة، ومسؤولة، أصالة عن نفسها, وليس الرجل هو المسؤول عنها، على وجودها في هذا الكون ومحاسبة عن كسبها فيه، تماما مثل الرجل.

فمن الجور تماماً، أن يمكن الرجل من فرص التهيؤ والكسب بحرية، بينما هي تحرم، قصرا بسبب الظلم المسلط عليها، من فرصة تأهيل نفسها لهذا الكسب الذي ستسأل عنه بمفردها لا محالة يوم السؤال.

إذا كان تحرير المرأة تحريراً صحيحاً، أو قل تمكينها من وضعها الطبيعي الذي خلقت لتكون عليه في المجتمع بشكل تلقائي، بهذه الأهمية والإلحاحية، فما هي إذن أسباب إهمالها واضطهادها وتهميشها تهميشا كاملا، بل وحتى في بعض المجتمعات وفي بعض الأحقاب التاريخية اعتبارها -جهلاً وظلماً- مخلوقاً آخر من غير جنس الإنسان، وهي مخلوقة حسب تصورهم السقيم لخدمته, بل ليفعل بها الرجل ما يشاء.يعود ذلك حسب تصورنا إلى عاملين أساسيين هما منطلق بقية العوامل الأخرى:

 

- أولا: غريزة حب التغلب والتفوق

رغم أن الإنسان مميز عن بقية المخلوقات بملكة العقل والقدرة على التمييز بين الخير والشر والاختيار بينهما، وكذلك بالقدرة على التفكير والإبداع، إلا أنه يبقى محكوماً في بعض أعماله ومواقفه وقناعته ببعض الغرائز الفطرية فيه، المتصارعة داخله مع قيمة العقل لديه التي تتمم له إنسانيته، متى تغلبت عليها هوت به إلى الأسفل، إلى المستوى الحيواني. ذلك لأن الحيوان لا يحكمه إلا الحس والغريزة. ودور الغرائز لدى الإنسان يبرز ويتضخم كلما تقلص لديه، بسبب الجهل وظلماته والجمود وضيق الأفق، دور العقل. ومن بين غرائز الإنسان التي تقربه من الحيوان غريزة حب التغلب والهيمنة على الآخر. فهذه الغريزة هي التي تنظم طبيعة العلاقات وسلم السيادة في المجتمع الحيواني. لذلك فنحن نلاحظ أنه كلما كان الحيوان أقوى وأشد في التغلب والافتراس, كلما كانت هيبته وخشيته بين بقية الحيوانات أكبر.

ولما كانت المجتمعات البشرية الضاربة في جذور التخلف والانحطاط والتقليد هي مجتمعات غريزية إلى حد كبير، فهي إذن مجتمعات تشبه المجتمعات الحيوانية في بعض طبائعها وتصرفاتها، محكومة ببعض الغرائز, ومن بينها هذه الغريزة. فهي إذن مجتمعات يسيطر فيها القوي بكل معاني القوة على الضعيف، بكل معاني الضعف. وكلما وقع الإنسان ضحية لغريزة التغلب لدى أخيه الإنسان، كلما تضخمت لديه هو بدوره دوافع هذه الغريزة، وبحث هو من جهته عمن يسلطها عليه ويحقق بها عليه غلبته. والإنسان الجاهل والمتخلف هو مغلوب من طرف أخيه الإنسان ومن طرف الفقر والفاقة ومن طرف قوة الطبيعة، وهو غالبا بسبب جهله وتخلفه وتوحشه لا يجد عمن يسلط غريزة حب التغلب والتفوق إلا على المرأة من حوله وفي محيطه بعد أن عجز على إنفاذها على غيره خارج بيته ومحيطه.

وهكذا، وربما بسبب تفوقه البدني الفيزيولوجي وشدة توحشه وقساوة قلبه، وربما لأسباب عدة ومتداخلة أخرى، لم يجد الرجل عبر مختلف العصور أفضل من المرأة كزوجة وكأخت وبنت وأم وقريبة، يتخذها كضحية يسلط عليها دوافع غريزة حب التغلب والتفوق الكامنة فيه، فيحكم قبضته عليها ويسلط عليها ظلمه وتوحشه بحجة العديد من الأعذار التي لا ينهض لها دليل معقول ولا منقول. نحسب أن هذا العامل هو أحد أهم أسباب حب هيمنة الرجل على المرأة والإبقاء عليها في وضعية الطرف الضعيف والمهمش والتابع.

 

- ثانيا: الجهل عدو المرأة الأول

إن كان الجهل هو عدو الإنسان عموماً، فهو للمرأة أشد عداء. أما عداوته للإنسان عموماً فحاصل من جهة كونه يحرمه من استغلال قدراته الذهنية، ويحول بينه وبين التسلق في سلم قيم إنسانيته، ويتركه مجاوراً للحيوان محتكماً في معظم الأحيان إلى حسه وغرائزه. فالجهل ليس شيئاً آخر سوى آلة لتعطيل العقل للقيام بمهمته. والإنسان -كما سبق أن ذكرنا- ليس إنساناً مميزاً عن الحيوان وبقية المخلوقات إلا بعقله, فمتى تعطل هذا الأخير، لم يبقَ للإنسان شيء كثير يميزه عن الحيوان. فالعقل هو آلة الفهم والتأمل والتمييز والإبداع وصناعة الفكرة والعلم ووعائه. وهو لهذا السبب ميزة الإنسان ووسيلة ترقيه في سلم قيم إنسانيته.

والجهل هو أشد ضرراً وعداء للمرأة, ذلك لأنه يضر بها مثلما يضر بالرجل, وزيادة على ذلك فإنه يضر بها نتيجة الضرر المسلط عليها من قبل الرجل بسببه. فأنت ترى الرجل نتيجة جهله وتوحشه، تحمل به المرأة وتضعه ويترعرع في أحضانها وبين ذراعيها، حتى إذا كبر وصلب عوده قام فقال إن المرأة مخلوق آخر غير البشر ودونه في القيمة والكرامة. والرجل يولد له الذكر فيقيم الأفراح والولائم, وتولد له الأنثى فيحزن ويتبرم وجهه, وفي بعض العصور والأماكن ذهب إلى حد وأدها، متناسيا المرأة هي التي قامت على مختلف مراحل خلقه وولادته ونموه حتى استقام عوده. وقد غاب عنه - بسبب جهله وتحجره- أن كل الأجناس في الكون من حوله لا تلدها إلا أجناسها ولا تلد إلا من أجناسها. وإذا كان الجهل قد بلغ بالرجل هذا المبلغ من الظلم للمرأة, فلا فائدة إذن في الحديث عن بقية مظالمه الأخرى لها.

 

البحث الأول: وضعية المرأة في الوطن العربي:

لقد عاش الوطن العربي - مثله مثل العديد من البلدان المتخلفة الغائبة عن الدورة الحضارية المشابهة له- قروناً طويلة في الظلام الدامس والجهل المطبق والانحطاط الرهيب. فقد كانت وضعية المجتمع فيها وقتها تشبه إلى حد بعيد وضعية المجتمع البدائي، حيث يسود الحس والأهواء والغرائز، ويغيب فيها العقل وما يمكنه صاحبه من النظر والتأمل في سنن الكون وقوانين التطور، والإبداع والتمييز بين الخير والشر والصالح والفاسد. وكانت سلطة الحاكم ثم المستعمر في تلك العصور مطلقة، مطارقها تدق رؤوس العباد وسياطها تلهب أجسادهم دون أن يكون هناك معارض ولا محتج ولا حتى من يرفع رأسه.

كما كان الناس في تلك البلدان في صراع مرير مع الطبيعة القاسية التي لم تكن تجود عليهم من عطائها إلا بالقليل بسبب بدائية وسائل إنتاجهم وبذورهم المتواضعة في جودتها، وقلة القطر في بعض السنين على الأقل. فكانوا في معظمهم يشعرون بالانهزام والدونية، لا تنصفهم الحياة في أي وجه من وجوهها، فيعودون إلى بيوتهم مقهورين يبحثون فيها عمن يسلطون عليه جام نقمتهم ويحققون عليه غلبتهم، عساهم يخففون بذلك عن أنفسهم ما هو واقع بهم من قهر وانهزام، فلا يجدون فيها من مخلوق ضعيف إلا المرأة، فيستبدون عليها ويسلطون عليها أبشع المظالم، ليتذوقوا بذلك حلاوة طعم الغلبة والتفوق اللذان لم يستطيعوا إيجاد طعميهما خارج البيت.

لقد عاشت المرأة في الوطن العربي كما في غيرها من الأقطار لمدة قرون طويلة، أين يسود الجهل والجمود والانحطاط في وضع مأسوي أ شبه ما يكون بوضع العبد عند سيده، ليست لها كرامة ولا إرادة ولا اعتبار، وليس لها من اهتمام وشغل وتكليف في الحياة إلا خدمة الرجل في البيت والحقل وإشباع رغبات غريزته البهيمية في الفراش والحمل والإنجاب والقيام على شؤون البيت. وقد فرض عليها ذلك باسم التفوق الطبيعي المزعوم للرجل على المرأة، وكذلك باسم العادات والتقاليد الفاسدة والحفاظ على الشرف ومراعاة لغيرة الرجل وإرادة الهيمنة عليها، وغير ذلك من الاعتبارات التي كانت تنسب كلها آنذاك بسبب الجهل إلى الدين، والدين منها براء.

فقد فرض الرجل بجهله وانغلاقه وتوحشه وأهوائه على المرأة عنوة القعود في البيت أو العمل في الحقل تحت حراسته المشددة ونبذ الاختلاط واعتزال مجتمع الرجال وكل ما هو مرتبط بذلك من الأنشطة والاهتمامات العامة للمجموعة سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها، والبقاء في ظلمات الجهل وعدم الخروج من البيت للتعلم أو للعمل أو للمشاركة في الاهتمامات العامة للمجتمع، ولا حتى للتعبد.

وقد شاع في تلك العصور المظلمة أن المرأة لا يحق لها مغادرة عتبة البيت بعد بلوغها إلا مرتين، مرة عند انتقالها من بيت والديها إلى بيت زوجها, ومرة ثانية لانتقالها من بيت زوجها إلى قبرها. كما حرمت -باسم الدين طبعا- من اختيار الزوج, وحتى من رؤيته قبل الدخول بها، وحتى من مجرد إبداء رأيها فيه, وكأنها ليست إنسانة ولا الأمر يعنيها. كل ذلك سلب منها بسبب الجهل والانحطاط، وهو من أبسط حقوقها، وأوكل إلى وليها، وكأن الولي هو الذي سيتحمل الحياة مع الزوج وليست هي.

ومن فقه أصحاب الأهواء والجهل والانحطاط أن جعل الطلاق بيد الرجال دون النساء سيفا مسلطا على رقبتها، لا تدري متى يهوي به الزوج على رقبتها. أما المرأة كأنها ملك للرجل، لا تملك في مسألة الطلاق أمام ظلمه لها في سائر أمور الحياة الزوجية إلا أن تصبر، أو أن تنتظر حتى يقرر هو أخذ المبادرة في الطلاق. وفي العموم فقد حرمت من حق التظلم ضد المظالم المسلطة عليها من قبل الرجل، أباً كان أو أخاً أو زوجاً أو غير ذلك، وكأنه هو السيد الذي لا يسأل عما يفعل، والمرأة هي العبد الذي لا حول له ولا قوة، في مجتمع الرق.

 

البحث الثاني: وضعية المرأة في الوطن العربي بعد الاستقلال

لقد كانت المرأة العربية أول المستفيدين من الاستقلال. ذلك أن هذا الحدث كان لها بحق استقلالاً. فهذا الأخير لم يكن فقط تحريراً للبلاد من هيمنة المستعمر الأجنبي، إنما كان أيضاً تحريراً نسبياً للمرأة من ظلمات الجهل وهيمنة الرجل عليها، وكذلك من سلطان العادات والتقاليد الفاسدة. لقد كان بورقيبة، رغم تحفظنا الشديد على العديد من آرائه وسياساته وإنجازاته في ظل الدولة التي ركزها، محقاً إلى حد بعيد في سياسته التي انتهجها تجاه المرأة، لولا بعض الأخطاء والشطط كما سنبينه لاحقاً. لقد كان في هذه المسألة متقدما على عصره أجيالاً، بالمقارنة بما عوملت به المرأة في معظم البلاد الإسلامية بشكل عام.

وقد مكنت بداية إصلاح وضعية المرأة في الوطن العربي من فتح الباب واسعاً لمعالجة حالة الشلل التي كانت تعيق جسم المجتمع في البلاد، وساهمت في تحرير طاقات هائلة كانت قبل ذلك مجمدة أو مغمورة. ولا تزال طاقات كبيرة أخرى مجمدة، يجب الإسراع بتحريرها، وذلك بمواصلة تحقيق مزيد الترشيد لوضعية المرأة في المجتمع. ولم تكن كل الطاقات المحررة من جانب المرأة فحسب، وإنما كان جزء منها من جانب الرجل في حد ذاته، أو من جانبه بسبب تأثير تحرير المرأة إيجابياً عليه.

فالمرأة المحررة والمتعلمة كأم وزوجة وحاضنة كان لها التأثير الإيجابي البليغ على الرجل وتكوينه ووعيه وتربيته وجدواه على جميع المستويات في المجتمع. ونرجو ألا نكون مخطئين إذا اعتبرنا أن فاعلية الفرد في الوطن العربي وحيويته وإبداعه وعطائه، هي من أفضل ما هو موجود في الدول والمجتمعات المشابهة التي لم تشهد المرأة فيها من العناية والتحرير وإعطاء الاعتبار، ما شهدته في الوطن العربي في هذا الجانب. ونحسب أن النهوض بالمرأة على علاته قد ساهم بقسط وافر في تحسين مردود الفرد عموماً في المجتمع العربي.

وقد اعتمد النظام العربي في إصلاحه لوضعية المرأة الوسائل التالية:

 

- أولا التعليم:

إن أهم إنجاز بدون منازع هو تعميم التعليم، وذلك رغم ما شابه من نقائص ومحدودية، فهو لم يكن تعميماً كاملاً للتعليم بكل ما تعنيه العبارة من معنى، كما أن برامجه لم تكن بالمستوى المرجو وعانت من نقائص عدة منذ انطلاقتها إلى حد الآن. لكن رغم ذلك فإن ما حصل في الوطن العربي في المجال التعليمي يعتبر إنجازاً. وإذا كان العلم يعتبر منذ القديم نوراً والجهل ظلمات، فإن العلم أيضاً كان ولا يزال عتقاً والجهل سجناً. أما في هذا العصر فيضاف إلى ذلك أن العلم غدا تقدماً وثراء، والجهل غدا أيضاً تخلفاً وانحطاطاً وفقراً.

إن الوطن لا يملك من الثروات المحولة وعوامل الإنتاج إلا القليل المتواضع، لا يمكنه أن ينهض ويتحول إلى بلد غني متقدم إلا عن طريق العلم والتعلم والمراهنة عليهما والتضحية بكل الطاقات من أجل كسبهما. فإن كان الشعب الجاهل حملاً مرهقاً, فإن الشعب المتعلم محرك قوي نحو التقدم والرقي وكل الخيرات.

أما بالنسبة للمرأة فقد مكنها تعميم التعليم ولو جزئياً بقدر استفادتها منه من تنوير ذهنها وتفتيق طاقاتها وقدراتها التي كانت بالأمس مجمدة، مثلها في ذلك مثل الرجل، ومن توعيتها بدورها في المجتمع وفي الحياة عموما، ومن الشعور بقيمتها وبثقتها في نفسها، كما وعاها بحقوقها وبكونها شريكة للرجل، ليس فقط في تحمل أعباء الحياة العائلية، وإنما أيضا هي شريكة له في عملية النهوض بالمجتمع نحو التقدم والرقي. إذن فالمرأة، في البيت كما في المجتمع عضو فاعل وشريك، مثلها مثل الرجل، وليست خادمة تابعة له. ولم يحصل الوعي بهذه المسائل بمجرد اتخاذ القرارات ووضع القوانين، وإنما حصل بالأساس بالتربية والتعليم.

- ثانيا: التشريع

لم يكن دور التعليم والتربية ثانوياً في موضوع تحرير المرأة والنهوض بها وتنوير ذهنها وتوسيع وعيها وتحرير قدراتها وطاقاتها وتقوية مكانتها في المجتمع، بل على العكس كان أساسيا وفعالا. إلا أن النظام العربي لم يكتف بذلك في مشروعه النسوي. وإنما عضده بثورة تشريعية في هذه المسألة، من خلال مجلة الأحوال الشخصية الجديدة التي وضعها.

 

- ثالثا: تشريك المرأة إلى جانب الرجل في المعترك اليومي للحياة

بقيت المرأة العربية خارجة تماماً عن كل مجالات الحياة اليومية العامة للمجتمع، من اقتصادية واجتماعية وثقافية وخاصة سياسية. وبقيت رغم أنفها متفرغة لخدمة الحياة العائلية الخاصة في البيت ومعاونة الرجل في العمل في الحقل. أما ترتيب الحياة العامة للمجتمع من كل جوانبها وعلى كل مستوياتها فحرمت منه، وبقي من شأن الرجل وحده. وهكذا فقد حرم المجتمع آنذاك -في تسيير شؤونه وتحقيق تنميته وتقدمه- من مجهود وطاقات نصف أعضائه.

أما بعد، ونتيجة لما اكتسبته المرأة تدريجياً من معرفة وعلم وتكوين في العديد من الفنون ومجالات تنور بها ذهنها وتحررت بها طاقاتها ومواهبها، وشعرت بواسطتها بقيمتها في المجتمع، التي لا يمكن في الحالة الطبيعية أن تختلف عن قيمة الرجل. وكذلك نتيجة للثورة التشريعية التي وضعت حدا للمظالم التي كانت مسلطة عليها، خلال عصور الانحطاط، وضمنت لها حقوقها وبينت لها واجباتها. ثم أيضا نتيجة للإرادة السياسية القائمة، التي شجعتها كثيراً على اقتحام مجلات الحياة العامة والمشاركة إلى جانب الرجل في المعترك العملي اليومي للمجتمع.

ورغم أن ما حققته المرأة في الوطن العربي من انعتاق وتحرر وكرامة واعتبار، ليس له ما يعادله في بقية البلاد العربية، فإن هذا الإنجاز بقي منقوصا، يشكو من عديد السلبيات والتي نذكر من بينها ما يلي:

 

-أولا: عائق الجهل والتخلف والفقر

إن الأعمال التغييرية والثورات الإصلاحية، مهما كانت جديتها وشدة الحاجة لها، فإنها لا تستطيع أن تحصل بسهولة في المجتمعات التقليدية المنغلقة. وغالبا ما تصطدم بالمعارضة والرفض من قبل قوى الجمود والتقليد في تلك المجتمعات. أي أنه بقدر ما تكون في المجتمع قوى لصالح ذلك التغيير ناهضة له ومصممة عليه، بقدر ما تبقى فيه قوى رافضة له, ناشطة، عن وعي أو عن غير وعي، في منعه أو على الأقل، في تعطيله. ولا يخفى علينا ما كان يعيش عليه المجتمع العربي من جهل مطبق ومن تخلف رهيب ومن جمود وتشبث بالعادات والتقاليد الصالحة منها والفاسدة على السواء.

وقد ترك ذلك الوضع السيئ الذي كان يعيش عليه المجتمع العربي شريحة واسعة من الشعب، خاصة في أعماق البوادي والأرياف والقرى، تتمسك بما هو موجود، في ذلك الوقت، تعترض على ذلك التغيير بخصوص وضعية المرأة اعتراضا شديدا، معتبرة إياه من الفسوق والخروج عن الملة، وترفض إرسال البنات إلى المدارس، حفاظا منها بذلك على الشرف والأخلاق الحميدة وما أمر به الدين. وهناك فريق آخر، رغم اقتناعهم بتعليم المرأة وتنوير ذهنها وتحرير طاقاتها، أجبرهم الفقر المدقع وقلة ذات اليد على عدم إرسال بناتهم إلى المدارس، تجنبا لنفقات هم غير قادرين عليها من ناحية، ولكي يستعينوا بهن في أعمالهم الفلاحية أو في صناعاتهم التقليدية التي يتعاطونها في منازلهم، وتدر عليهم شيئا من الربح يحسن لهم مداخيلهم المتواضعة.

وهناك فريق ثالث ليسو معترضين على تعليم البنات، ولا على تحرير المرأة وتمكينها من حقوقها الطبيعية ومن مكانتها في المجتمع، ولا تعوزهم الحاجة، إلا أن أبناءهم سرعان ما انقطعوا عن المدرسة بعد أن التحقوا بها، وذلك بسبب الجهل المطبق الذي تعيش عليه عائلاتهم، وهو ما حرمهم من توفر الحد الأدنى من الحوافز المعنوية، في البيت من طرف العائلة، التي تمكنهم من الإقبال على الدراسة والعناية بها والحرص على مواصلتها، خاصة وأن النجاح في ذلك يتطلب تضافر الجهود من جانب المدرسة والبيت في وقت واحد.

ولا شك أن عدد الأطفال الذين انقطعوا عن دراستهم ولم يقدروا على مواصلتها، ليس بسبب الفقر والحاجة، وإنما بسبب انعدام الحد الأدنى من الظروف المعنوية المناسبة، التي تعينهم على ذلك في البيت، كبير جداً. ونحسب أن هذا العائق قد تقلصت خطورته اليوم على المضي قدما في عملية التربية والتعليم، خاصة في ما يخص البنات. إلا أننا نخشى أن تكون هناك عوائق جديدة قد حلت محل القديمة، من مثل تفجر العائلة بكثرة حالات الطلاق، قد غدت تهدد التوازن النفسي للأطفال في تلك العائلات، وخاصة منهن البنات لرهافة نفسياتهن وشدة تأثرهن بالمشاكل العائلية، وأصبحت تهدد قدرتهم على مواصلة دراستهم بنجاح وفي ظروف طبيعية.

 

- ثانيا: خلل النظام التربوي

لقد رفع النظام العربي شعار تعميم التعليم, ثم بذل جهداً كبيراً في تحقيق ذلك الشعار في الواقع. وقد تحققت نتائج طيبة في هذا المجال، لم يتحقق مثلها في عديد من البلدان ممن تتمتع بإمكانيات مادية تفوق بكثير ما هو متوفر لبلادنا. وكان بالإمكان أن تكون تلك النتائج أحسن بكثير مما كانت، لو كانت برامج ومادة النظام التربوي مركزة وموفقة أكثر مما كانت. فإذا كانت هذه البرامج قد لقنت المتعلمين، في معظم الأحيان بأسلوب سردي يفتقر إلى المنهجية النقدية، علوما ومعارف، إلا أنها لم تكسبهم من الجانب التربوي شيئا يذكر. وقد أدرك واضعوها بعد مدة وجيزة نقصها وقصورها، إلا أنهم عجزوا على إصلاحها. وبقيت تتخبط بين الإصلاح والذي يليه دون أن يستقر أمرها على خط سوي.

وقد أثر هذا الاهتزاز في البرامج التعليمية والتربوية التي بقيت مذبذبة بين توجه ونقيضه، لا يوحد بينها إلا خطها المستورد الغريب عن أرضيتنا العربية الإسلامية وطبيعة مجتمعنا العربي، على برامج إصلاح وضعية المرأة وتنوير عقلها وتحرير قدراتها وطاقاتها. فعوضا أن يحصل لها ذلك في إطار ذاتيتنا الحضارية والثقافية، حصل لها في إطار مذبذب ومخلوط، شوش عليها تحررها وأفقدها خلاله توازنها.

والسبب في ذلك حسب رأينا هو أن واضعي تلك البرامج كانوا تائهين في وله النموذج الغربي إلى الثمالة، ولم يكن يحضر في تصورهم إلا ذلك النموذج. فعوض أن تركز تلك البرامج في مسألة تحرير المرأة على تنوير عقلها وتكوين العقل النقدي لديها وتمكينها من ثقتها في نفسها وإشعارها بقيمتها الأساسية في المجتمع وبدورها المركزي الذي يجب عليها أن تلعبه فيه، وفي مثل هذه الأمور لا يضر أن نستعير ونقتبس مما أنتجته الإنسانية، في الشرق والغرب على السواء، من فكر ووسائل ومناهج. أما ما هو متعلق في تلك البرامج من قيم تربوية وعقدية ومن آداب التعامل ونظام حياة الأسرة... كان من تراثنا الفكري والثقافي الذاتي بالأساس مصحوبا في أبعد الحالات بمادة مقارنة تعين على التحصين وإنضاج ملكة العقل النقدي. وقد تسبب لنا ذلك في النهاية في تحرير للمرأة مشوه ومهزوز ومنبت، يتصارع فيه النموذج الغربي للمرأة المحررة والمكرمة والمعتبرة، في إطار مقومات مجتمعاتها الثقافية والحضارية، والنموذج العربي الإسلامي وما يتميز به بالأساس من بعد أخلاقي عميق ومن بعد جماعي. فواضعو البرامج التعليمية أهملوا طبيعة المجتمع عند وضعهم للبرامج، وكان من واجبهم لو فقهوا أن لا يفعلوا وأن لا يخلطوا بين الأدوية على المريض، وأن لا يضعوا له في الوصفة ما يضر بطبيعة بدنه مثلما فعلوا.

أما اليوم فلهذا السبب ولغيره من الأسباب، تتأكد مسألة إصلاح البرامج التعليمية والتربوية، إ صلاحا يجب أن يراعى بموجبه هذا الجانب الأخير الذي كنا بصدد التأكيد عليه، حتى نقضي على جوانب الاختلال والاهتزاز والتذبذب التي أوجدته تلك البرامج لدى الفرد العربي، وخاصة لدى المرأة، فأضر بالعديد من الجوانب في حياتها وفي حياة العائلة، النواة الأساسية في المجتمع، وفي حياة المجتمع وتوازناته عموما. ولا ننسى أن الذي نريده هو امرأة محررة ومسؤولة وفاعلة, وليس امرأة متمردة ومبتذلة.

 

- ثالثا: التشريع المتشنج

لقد وضعت التشريعات الجديدة المتعلقة بالأحوال الشخصية، وبالمرأة عموماً، بعقلية متوترة أو تحت ضغط عقلية متوترة. بينما كان من الواجب أن يوضع هذا التشريع بعقلية هادئة مترنحة ومتجردة عن كل الاعتبارات الجانبية. والقوانين كما هو معلوم لدى الجميع لا توضع ولا تطبق تحت التشنج أو الغضب. لقد وضع هذا التشريع تحت تأثير عقلية الأخذ بالثأر للمرأة من الرجل. ومن النتائج السلبية لهذه المنهجية الخاطئة أن وقع هذا التشريع في الشطط، وجاء مهتز الأطراف. في حين كان من الأجدى ألا يحصل الأمر بذلك الشكل. لأن المرأة ليست نقيض الرجل ولا عدوه، وإنما هي أخت له وشريكة له في الحياة وفي تواصل النوع البشري. والضرر بأي منهما هو ضرر بالثاني أيضاً.

ومسألة تحرير المرأة كانت تتمثل في إيجاد العلاج للوضعية السيئة للمرأة، وليس في حل لمشكلة بإيجاد مشكلة أخرى مكانها، ربما أشد خطورة من سابقتها. وقد كان من الأجدى لو وضعت التشريعات المعينة المقننة لتحرير المرأة وتكريمها والرفع من شأنها في إطار التكامل بينها وبين الرجل وليس كما حصل ضمن المشروع العربي.

 

- رابعا: تأخر عملية التربية والتكوين عن عملية التشريع

إن التشريعات الثورية إذا وضعت قبل تهيئة الأرضية لها تبقى مهددة بالفشل، أو على الأقل فإنها تجد صعوبات جمة على طريق إنزالها وإنفاذها في الواقع. وإذا ما طبقت, فإن نتائج تطبيقها لا تكون بالمستوى المطلوب. وهذا ما حصل بالضبط للعديد من التشريعات الجديدة في الوطن العربي، وعلى وجه الخصوص تلك التي تتعلق منها بالمرأة.

- خامسا: لوثة الانتهازية والاستغلال

لما ينظر الدارس ويتأمل في الشعارات التي رفعت بخصوص مسألة تحرير المرأة، وفي القوانين التي شرعت من أجل ذلك، ثم إلى الواقع الذي عرفته المرأة، يدرك بوضوح أن السياسة العربية تجاه المرأة كانت سياسة انتهازية استغلالية, وليست مبدئية صرفة.

التأكيد على أن المرأة نصف المجتمع وهي عضو هام وفعال في تربية النشء الجديد وحيث تعتبر المعلمة الأولى، فإذا أعدتها اعدادا جيدا تم بناء جيل طيب لممارسة الحياة الحرة الكريمة، والطفل يتأثر تأثيراً مباشراً بربة الأسرة وهي التي توجهه وترشده، ويقوم الطفل بتقليدها في شتى المجالات.. لذلك ما من شك في أن اهتمام المجتمع بنشاط المرأة في الميادين الرياضية واعداد مشروع الاستراتيجية الخاصة بها والخطط والبرامج في تطوير أنشطة الرياضة النسوية المختلفة والتي تناسب قدراتها مسألة مهمة نالت اهتمام دول العالم رياضياً لهدفين:

الأول: ضرورة اعداد «أم مثالية» توجهه رسالة الأم المقدسة.

الثاني: ايجاد عائلة سليمة موحدة الأهداف لخلق جيل من الأبناء الأقوياء والأصحاء وهذان الهدفان هما عنصر الرسالة الاجتماعية في حياة الانسان الكامل المتحضر الواعي ليعيش حياة سعيدة هنيئة تبدأ في البيت الواحد وفي العائلة الواحدة وفي المجتمع.. أما اهمال تنشئة المرأة فهو تقصير لا يغتفر مهما بلغنا الكمال في تنشئة الرجال بمعنى لابد من التوجيه إلى هذا القسم الهام في ممارسة النشاط الرياضي وإلا لو اغفل المجتمع بدور المرأة في الحياة الرياضية لفقدت عنصراً هاماً من أعضاء المجتمع وتوارث الأبناء عن الآباء عدم الاكتراث في الرياضة ومن أجل ذلك لابد من تعزيز نضال المرأة المتواصل لتحقيق واكتساب كل حقوقهاالانسانية وهي تدل على أنها مخلوقة نافعة تؤدي أوسع رسالة للانسانية.

أن برامج دول العالم الرياضية وجهت عنايتها بهذه العقيدة عقيدة الاهتمام بنشاط رياضة المرأة والمساواة بين الرجال والنساء في هذا الاهتمام.. والعمل على دعمه إلا تجسيداً حقيقياً وايجابياً للنشاط الرياضي النسوي لما له من فوائد في ممارسته على الصحة والنفس والبدن ودعم للرياضة النسوية لتفعيل النشاط الرياضي النسوي وتأمين المتطلبات اللازمة لها من خلال وزارة الشباب والرياضة والوزارات ذات العلاقة.. إن النهوض بالرياضة النسوية هي مهمة جسيمة يصعب على أي جهة مسئولة أن تحققها لوحدها وإنما تحقق بتوحيد جهود مشتركة من مختلف قطاعات المجتمع ، مع العلم بأن تاريخ الرياضة النسوية متواضع وحديث الممارسة بحكم العادت والتقاليد والأعراف التي قيدت ممارستها وكذا عدم وجود المنشآت والمواقع المناسبة والمنفصلة الخاصة بالفتيات لتستطيع المرأة ممارستها بشكل متناسب مع قدراتها دون عوائقما يزال واقع الرياضة النسوية بعيداً عن الطموحات، واخذ بالتراجع رويداً رويداً بعد الاهمال الواضح الذي اصابه وشل حركته تماماً. فالرياضة النسوية كانت لها صولات وجولات في الملاعب وسجلت حضوراً مدهشاً في العقود السابقة بعد ان تألقت بطلاتها العديدات واصبحن من المميزات قارياً.. الا ان هذه الرياضة اصبحت الان أسيرة حسيرة تتلظى بنار واقعها الحالي وسباتها المقيت.

 

ولا أعتقد أن هناك رياضة نسوية في البلدان غير العربية تعاني من الاهمال وعدم الاهتمام بها مثلما تعاني منه رياضتنا النسوية التي أصبحت الان بلا مرجع أو اتحاد مركزي خاص بها يضمن الاستراتيجية في العمل .. لتظل تعتمد على العنصر النسوي فقط في تشكيلات الاتحادات المركزية التي أصبحت لا حول لها ولا قوة ولم تقدم النشاط النسوي الذي يصل لمستوى الطموح حيث ان هذه العملية اثبتت انها غير قادرة على الارتقاء بواقع الرياضة النسوية بعد ان همش دورها في معظم الاتحادات الرياضية ولم يطلق العنان لبطلاتها وتوسيع قاعدتها.

وأعتقد ان الوقت قد حان لاعادة تشكيل اتحاد الرياضة النسوية يعمل على انقاذ واقع اللعبة المرير وذلك من خلال استقطاب كل أهل اللعبة دون تمييز وتأسيس هيئة عامة لهن يتم فيها انتخاب اتحاد رياضي نسوي يعمل وفق خطط تعد من قبل المختصين خاصة وان هذه الشريحة تزخر بالطاقات الكبيرة الواسعة التي لها القدرة لو توفر لها الاهتمام باعادة نسوة الرياضة الى الواجهة من جديد

بصراحة واقع الرياضة النسوية متدهور ولا يشجع للحديث عنه أو الإفصاح عن مستقبله وأمامنا دليل دامغ هو النتائج المخيبة للآمال التي سجلتها المشاركات للوفود الرياضية النسوية في البطولات الأخيرة إذ خلت من أي إنجاز يذكر ؟ فنحن بحاجة لهن في هذا الوقت لاسيما أن الخبرة التي بحوزتهن تساعد القاعدة الرياضية النسوية على تطوير أساليب التدريب والتكيف مع الخطط العلمية الجديدة وقيادة البطلات إلى ناصية النتائج المرموقة التي نأمل أن تتحقق بتعاون الاتحادات مع الأندية وبدعم اللجنة الأولمبية ووزارة الشباب والرياضة، وكم تمنيت أن تباشر الاتحادات بتقديم جرد مفصل عن أسماء البطلات السابقات إلى القيادة الرياضية ليتسنى للأخيرة إجراء اتصالات معهن لبيان مدى رغبتهن في العمل وبأجور مجزية وحوافز مشجعة للاستمرار في صناعة جيل جديد من الرياضيات..

تعاني الرياضة النسوية من الاهمال الواضح وتشكو من معوقات عديدة تحد من انطلاقتها وفسح المجال لاكبر عدد ممكن من النساء او الفتيات لممارسة الرياضة رغم ان الماضي القريب يؤكد وجود فتيات نجحن في الوصول الى صفوف المنتخبات الوطنية ومنذ فترة طويلة جداً لم تظهر لنا نجمة من الميادين الرياضية سوى أسماء بطلات

وإذا ما عملنا جميعاً وفق رؤية تنطلق من أن هذا النشاط للقطاع النسوي ما زال يئن تحت وقعة حصار شديد الإحكام ،فالفتاة العربية قادرة على الإبداع في عدد من الألعاب .إن إبداع الفتاة العربية في النشاط الرياضي يحتاج الى رؤية لكسر طوق الحصار عن كمون الرياضة النسوية عن الحراك والتحليق في سماء الإبداع الرياضي بجوار أخيها الرجل ولعل استخدام جوانب التوعية للأسر والأفراد والجماعات بشتى الصور سيكون عاملاً معززاً في فك طوق التكبيل لهذا النشاط.

بقي لنا أن نشير إلى أن سرعة استقدام مدربات متخصصات في الألعاب الرياضية من أولويات تفعيل دوران الحراك الرياضي للإناث وذلك إذا ما أردنا أن تكون البداية وفق نصف المشوار والخطوة الأولى في هذا القطاع قد بدأناها حتى نشاهد رياضة نسوية في المستقبل القريب تحظى باحترام الجميع حتى نكمل مشوار الألف ميل.

 

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home