مقال

 

رفقاً بنا وبعروبتنا

سيد يوسف



 

رفقا بنا وبعروبتنا

(من صنع حضارة مرة يمكنه أن يصنعها ثانية)

سيد يوسف

 

تمهيد

طالما ردد الناس وأكثروا من الحديث عن مصاب الوطن وعن الحكام الدكتاتوريين وعن ترحيبهم بالمفسدين ، وطالما بعث ضمير المخلصين فى أمتنا أفراده ليعيدوا ويكرروا نفس أحاديثهم بدعوى إيقاظ الوعى المخدر فى نفوس أبناء هذه الأمة،

ولطالما جهد بعض المخلصين وماتوا دون أن يروا ثمرة عملهم ( مصطفى كامل ، محمد فريد ، وغيرهم ممن سبقوهم أو اتبعوهم ) بل ولطالما يئس البعض من العمل وردد مقولة أصبحت نغمة على لسان كل قصير النفس لا يعرف أن الزمن جزء من العلاج ولا يعرف أن مهام الأمم لا تنجز فى سنوات معدودة ولا يعرف أن المواجهة غير متكافئة بلا إيمان يلازمها ونفس طويل يصحبها ...ردد هؤلاء مقولة (مفيش فايدة) وهى تعنى : لا أمل ولا خلاص مما تعيشه أوطاننا .

ولطالما ردد القانطون عن جهل أو الطابور الخامس عن خبث أن المخلصين يعرضون أنفسهم للخطر والهلاك من أجل أمة لا تستحق ومن أجل شعوب لن تقدر ما يبذلونه ، ولطالما جهلوا أن العمل لا  يكون شريفا إلا إذا صحبته غاية شريفة ووسيلة شريفة ومخلصة أيضا ...

ماذا يريد أحرار الأمة ؟

لا شك أن فى العاملين لهذه الأمة ولهذه الأوطان مخلصين حقيقيين (قد نختلف فى تقديرنا الكمى لهم لكنهم حتما موجودون فالخيرية ما تزال بهذه الأمة وإن فشا فيها بعض الغبش)

فماذا يريد هؤلاء الأحرار ؟

إنهم يبذلون  أوقاتهم وراحتهم وأموالهم من أجل خدمة أمتهم ومن أجل خدمة الحق والمبادىء التى يدينون بها (ومن الحماقة تصور خلو الأمة من أمثال هؤلاء).

وإنك لتراهم يصبرون على مصاعب الاعتقال وتشويه السمعة ومصادرة الحريات وبعض الأموال بعزيمة الرجال الصادقين الموقنين بأن النصر فى النهاية لصاحب الحق ولصاحب النفس الأطول  ...يستمدون من قوله تعالى :

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) البقرة214

نقول يستمدون منه زادا يعينهم على المسير دون كلل أو ضجر أو شكوى .

إن الأحرار لا يقبلون أن تكون أمتهم أحط الأمم وقد ملكوا أسباب النهضة والتقدم فقد ملكوا تراثا غنيا ونفسا حرة ولغة جميلة وتاريخا ناصعا وحضارة شهد بفضلها الفاقهون لكنهم يريدون لهذا الزخم عقلا منظما يتحرك دون قيود الخوف ودون قيود الموروثات الخاطئة ودون تثبيط الخاملين للعاملين ... وأراهم حتما سينجحون مهما تكالب عليهم الخارج أو ثبط همتهم الطابور الخامس بالداخل أو حتى جهلاء هذه الأمة .

ولقد أشاعوا عنا كثيرا من العيوب حتى صدقها وروجها بعض العاقلين حين يضيقون بغباء البعض :

أشاعوا فينا نعرات القبلية والخلافات الحدودية .

أشاعوا أننا لا نعرف الانتماء ولا التحضر.

أشاعوا أن العرب فقدوا الحياة والوجود.

أشاعوا أن العرب أمة لن تنهض من كبوتها ولن تبلغ آمالها.

وأشاعوا غير ذلك ( وفى كل وطن أشاعوا إشاعات تفرق الصف فالمصريون جبناء ، والخليجيون أغبياء ، والمغرب العربى ليسوا عربا بل بربرا ، والشام خونة....لمصلحة من تلك السخافات؟!) .

هل جهل بنو وطنى ذم النبى محمد صلى الله عليه و وسلم لتلك الدعوات القبلية؟!

لقد استبان لى أن انعدام الثقة بأنفسنا واعتقاد بعضنا أننا أمة ماتت ولن تقوم لها قائمة ،

وإشاعة أننا أمة لا تقدر عن الدفاع عن نفسها ، وأن ميراثنا من الذل والحماقة أكبر من العزة والمجد ، وانبهارنا بزيف الخارج والبعد عن تراثنا الحضاري والبعد عن العلم بحثا ودراسة وإبداعا هى الكوارث الكبرى التى أخرتنا .

نريد لهذه الشعوب ثقة فى أنفسها واعتقادا جازما بأنهم من خير الأمم ولا يعجبن أحد من ذلك...تدبروا هذه الكلمات بعقل يقظ أسوقها عن الأستاذ على الطنطاوى بتصرف وإضافة :

" لا ..لا والله...ليس الشعب العربى ولكن رؤساءه وقادته هم الذين أضاعوا فلسطين لا الشعب ..وهم الذين أخطأوا وأجرموا ولم يجرم الشعب .

إن هذا الشعب العربى أطيب شعوب الأرض وأصفاها جوهرا وأدناها إلى الخير وأسرعها إلى البذل.

قم فى أى بلد عربى ثم ادع باسم الدين أو الأرض أو العرض ثم انظر ماذا يصنع الناس؟

بل فكر فى نفسك وأنت الأستاذ الهادىء المسالم المنصرف إلى الدراسة والبحث ماذا تفعل إذا رأيت ثلاثة من العتاة القساة الأقوياء الذين لا تقوم أنت لواحد منهم ماذا تفعل إذا رأيتهم يحاولون أن يعتدوا على عفاف امرأة وهى تنادى وتستغيث؟

ألا تنسى عملك وهدوءك وضعفك عنهم وقوتهم عليك وتحس بمثل النار تمشى فى أعصابك وتهجم عليهم؟

هذا هو إرث الماضي فينا.... هذه هى ذكريات الأمجاد فى أعصابنا....هذه هى قوة الإيمان فى قلوبنا .

إننا لا نستطيع أن نقعد إذا دعينا إلى الجهاد لأن محمدا صلى الله عليه وسلم جعل كل رجل من أمته بطلا رغم أنفه . هذه حقيقة من أنكرها وجد شاهدها فى نفسه .

لكن الشعب يتبع من يدعوه ويمشى أمامه..إن الشعب يريد ممن يدعوه إلى البذل أن يبدأ هو بنفسه فيبذل ويريد ممن يدفعه إلى الجهاد أن يمشى على رأس الصف إلى ميدان الجهاد يريد زعماء يشاركونه نعمائه وبأسائه يريد زعماء يقتدون بسيرة محمد لا يكذبون إن خطبوا الناس ولا يدعونهم إلى الموت وهم يطلبون لأنفسهم الحياة ولا يضيعون مصلحة الأمة ووحدتها من أجل عرش أو كرسى .

هاتوا لى زعيما واحدا مثل هؤلاء وأنا اضمن لكم أن نطرد اليهود من فلسطين هاتوا لى مثل صلاح الدين وخذوا مثل نصر حطين هاتوا مثل خالد بن الوليد وخذوا مثل نصر اليرموك .

لا....إننا ما فقدنا طبائعنا ولا أضعنا جوهرنا ولكن فقدنا القادة المصلحين ."

مطلب حيوى

فى يقينى أنه قد آن أوان اليقظة من ذلك السبات وتلك الغفلة وأنه قد وجب على كل اتجاه عاقل أن يتنازل عن بعض ما لديه التقاء مع الآخرين حتى تتوحد صفوفنا وتتحد كلمتنا..فما بالنا لا نتماسك وتتحد صفوفنا والدكتاتوريون يحيطون بنا ويقيدون حريتنا؟!

حين تعلو علينا أخلاقنا فسوف نعرف معنى الإيثار والتضحية وحين نمارسهما معا جيدا فسوف ننتصر على مساوئنا...فالنصر والتمكين لا يعرفان سبيلا لأمة منخورة الكيان.

وبناء عليه نقول: الداخلَ الداخلَ أيها الأحرار..اتصلوا بالبسطاء...خوضوا معركة اجتماعية مع الناس لغة ومادة ورحمة وخدمة فالإحسان إلى الناس يستعبد القلوب ومن كان معك بقلبه اليوم فقد يكون معك بنفسه وروحه غدا.

معركة الخبز...لا تقوى عليها الأنظمة الدكتاتورية فخوضوها بنية صادقة وترتيب مكين

وساعدوا  الناس عبر آلية تعرفها جيدا العقول اليقظة بالجمعيات الأهلية والنوادى الخيرية

فيد الحكومات الدكتاتورية تلقى بهؤلاء...وهؤلاء غدا يلطمون الباطل وأهله لطمة فى يقينى سيخر معها صريعا .

فى النهاية

كانت هذى كلمات فى حق أمة تكالبت عليها الأمم وسلبوها بعض حقها حتى ظن بنوها أنهم لا قيمة لهم ونظر بعضهم للخارج نظرة انكسار وانهزام ولقد استبان لى أن للغرب تقدما ومدنية لكن ليست له مثل حضارتنا إبداعا وإشراقا وإنتاجا وخلقا ورحمة بالإنسانية (واقرأوا فى ذلك إن شئتم عن تاريخ العلم عند العرب ومن مصادر الغرب أنفسهم ) .

 

وفى يقينى أن المسألة مسألة وقت وغدا تعود بضاعتنا وترد إلينا ولكن حين نثق بأنفسنا ونتسلح بالعلم ونستمسك بمقومات النصر والتمكين ...وهى مفردات مهمة تحتاج إلى شرح وتفصيل...ولعل لهذا حديثا آخر.

أسأل الله أن يبصرنا بالحق ويرزقنا اتباعه.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home