القلم النقدي

 

مختصر الحماقات أو الشاعر الذي لا يقول ما يراه رأسا

مصطفى غلمان



 

مختصر الحماقات أو الشاعر الذي لا يقول ما يراه رأسا

مصطفى غلمان

 (إن مثال" الشاعر الكبير"، ما عدا ندرة، في ثقافتنا الشعرية الحديثة هو أسوأ مثال يمكن للنقد أن يسترشد به، ليدل من خلاله، على ملامح هذا الشاعر المخلص الذي تنتظره قصيدة النثر، لأن أكثر من يحملون هذه التسمية اليوم هم أصحاب نصوص بهتت قبل أن يكون لها من العمر ما يجعلنا نعتد ببأسها كنصوص مبدعة. لقد جرف ذائقتنا إلى الأمام الزمن الذي جرف شعر" الشاعر الكبير" وراء. ولم يبق أمام الشاعر الجديد إلا أن يبدي خوفه من فعل الزمن ) ـ نوري الجراح ـ صحيفة الحياة، 29 يونيو 1999، العدد 13261.

 

1 ـ الشاعر الكبير ليس شاعراً إشكالياً، وليس كائناً خرافياً ينبعث من قفازات كافكا ودريدا ولايبنتز، إنه شاعر وحسب. شاعر لا ينطلي على الهواء. يتحدر من الوهلة الأولى، في الترتيب الأول من الأبجدية العربية. إنه شاعر الكبرياء فقط.

كثير من الشعراء يحبون تصفيف أشعارهم، في الأمكنة المناسبة، في الدعوات الرسمية لحفلات الانطواء الذاتي. يتفجرون في وجوه الناس، مثلما يفعل السكران وهو يطفئ سيجارته الملغمة بحريق الحانات. بل إن أكثر هؤلاء الشعراء من يفقد حدسه الشاعري، ليصير نفثاً بوهيمياً في بالوعة معطنة، ما ينزع عنه اللياقة والتطبع النبيل!

الوهم هو مساحة الشاعر العربي الكبرى، التي يتبدل بين أحشائها ألف مرة في اليوم. يتفنن في الاقتراب من متاهات الزخرف والنقش المتشظي، مشفراً برؤية شعرية لا معنى لها، تحت تسمية قصيدة النثر، أو ما جاورها من عتمات الكلام، فينفرط العقد بينه والشعر، وتنطلي عليه الرغبة في استلهام محجته الوجودية من اللاشيء، ويكبر بالتالي تضخمه وانفلاته على نحو غير مسبوق، ويكون الضياع الروحي، الذي يحد من فاعليته ونموه، ومن وضعه الاعتباري كمؤثر معرفي وإنساني!

 

2  ـ قريباً من شعر الطفولة، لم أجد ما يشفي رمق الوقت. والآن، هناك شعراء كثيرون، وشعر أقل. هناك طفولة ناذرة، وافتراسات لا متناهية . هناك أيادي خفية تمسح وجه الكتابة بملاءات منقبة، وهناك أيادي تبطش كلما ران على قلب الشعر طائر السمسم.

الحقيقة أننا لم نعثر بعد على روائنا، حيث بوصلة الشعر تقف على ماخور حرث بلا عقارب، بلا موجه انتقالي. حيث لا نستطيع اللحاق بمرجعيات أعدمت على مقصلة الندب والمراوغة...فكرنا كثيراً، بل لم نتأمل بعد جهة الشعر، ما إن كانت على موعد مع الحياة. فيما بقي القادمون من تخوم التجريب والتخريب، مداومون على اقتطاع ما تبقى من يانصيب الإجهاز الشعري.

القصيدة ليست هي نفسها الأم الولود الودود، لا شكلاً ولا مضموناً، ولا معقلاً للمضطهدين من أبناء الآنسة النثيرة. ثم إن فقهاء الشعر العجوز وما ينضاف عليهم من شراشف ذات الأفعال البحرية الجديدة، أفتوا بجواز اعتناق الدين القادم بقوة من زنازين الحضر، شرط أن يمر الشاعر الكبير من حبل القيامة ، حيث يظفر بالصوت والصورة والحس والنغم والإيقاع والأبعاد الدلالية الأخرى، ومن دهاء الزمن، ومن رياح التغيير العسيرة التي هبت على ثقافتنا العربية المتهالكة!

 

3  ـ كتب أحدهم كلاماً أشبه بترددات بوم الكهوف القديمة. ألفاظ نتنة بأوضاع مختلة، قاموساً وإعراباً! صور لا صور. وحدود قصوى للتعتيم. موقعة في آخر الدورة باسم مستعار، منسوخ أو ممسوخ. الكلام الذي استهله بلفظ شعر كذا، يكسوه عنوان أعجمي لا ينتمي لأية فصيلة حيوانية أو إنسانية. ثم الزيادة في متون الأنكحة وما يجر القارئ إلى تفرك جفون القداسة، كأنما يريد التخلص من ميتافيزيقا، يتصورها هو حاجزاً لصنع آلاته الشعرية المغايرة....

يضيف الفتى الغر أن أدونيس أو أحمد مدن مسحا أرجلهما باسم الرب وعاتا في الرأس الشريفة المبجلة (هات يا سب وقذف)، وها هما اليوم في مصاف "الشعراء الكبار"..!؟ يقول إنه يمتلك وجه الحقيقة وما جاور من عيونه الملاح والأشباح، ويرفع الحاء مع أنها وقعت بعد واو العطف، رفعها لأنه كما برر، بعد تدخل سيبويه والكسائي، أراد تكسير إيقاع الإعراب الخشبي، وليس نكاية بالمقدس!؟

 

4 ـ الشاعر الكبير أرسل قصيدته لأحمد عبد المعطي حجازي أيام كان مسؤولاً عن تحرير مجلة إبداع المصرية. وبعد التصفح والتفاصح، وجد حجازي أنها لا تصلح للنشر بمطبوعته. ولم يكتف بالرفض، بل علق عليها في قائمة الردود قائلا:" خلل ما يقف حاجزاً ضد صوت نشاز، بل إن الصوت المزعوم يكاد يختفي خلف كثبان رمال لا متحركة؟!" وأردف مضيفا:" أنصحك أيها السيد(فلان) أن تعيد النظر في صياغة مفاهيمك المهلهلة من جديد".

عندما قرأ الشاعر الكبير تعليق صاحب الإبداع المصرية، انتفض وغمغم وأرعد وأزبد، ثم قال:"هؤلاء الفراعنة لا يحبون شعراء المغرب!" ثم اختفى عن أنظار جلسائه في مقهى شهير بشارع محمد الخامس بمراكش، حيث كان صوته المجلجل في الملاحق الثقافية ينغرس في بيداء الوهم كثعبان الصحراء!

 

5 ـ جاء في مختصر الحماقات أن الشعر نكاح مشروع لازور فيه ولا رياء، ولا ضحالة ولا وجاهة، هو صيف وشتاء وبرد وحر. وأنه ـ أي الشعر ـ ليس كفيلاً بإنقاذ المخبولين من قاذوراتهم العقلية، ولا المعطلين من حرق أنفسهم بالزيت والكبريت، ولا المهمشين جميعهم من مد يد الحاجة للمارة وأصحاب المرسيدس. بل الشعر تهمة بيضاء، مثل الكذب الأبيض، تروم على غير منهاج، وتتخفى خلف مرابد الغيل، حقيقة بوهيمية، ليس لها معنى على الإطلاق. أصحابها كتبة مياومون انتهازيون ظرفاء مجانيون، ومجانين أيضاً! ، شعراء نعم، ولكنهم لا يمتلكون الحصافة اللازمة للعيش على حافة الحياة!

ودلل صاحب المختصر قوله وهو ينتف عثنونه الأمعر هوساً وخرافة، بالذي كان من درسه الابتدائي، وهو يخضخض أورامه المتقيحة، حيث يتوهم قصره البذيء متسلقاً حصان أنثاه، محتداً ومرتجفاً ومتحشرجا كالنعامة، ما جادت به جنايات الحطيئة، رحمه الله، وهو يعير نفسه شاعراً وشيطاناً محنكاً. ولعله في ذلك الحد على هذا الورم البلاغي العنيف، الذي ضاقت به الأرض بما رحبت، وما عاد قادراً على العيش عميقاً في أدغال الهامش.

وغاية ما في الأمر، أن السيد صاحب مختصر الحماقات أدمى لواعج تطفله وانحباس أفقه في الحديث عن الشعراء الذين ينهمرون أفقياً على ذوات الدلال، ممن لهن قوام الغنج والصوت المليح، يظن أن ثمة تواصلاً خارقاً بين الشعر المغنى والسمكة التي تتربص في مسرح تغرق فيه مياه الجماهير على نحو غير مرئي، ذلك أن نانسي عجرم أو هيفاء وهبي، كانتا أكبر الشواعر اللواتي يبلغن قمة البوح الإنساني،

وهن يمسحن دموع الألوف المؤلفة من عشاقهن من المراهقين والمراهقات....يضيف سيدنا صاحب مختصر الحماقات، وهو يشطب بأصابعه الصغيرة شعيرات رأسه الأفطس، أن الشعر في النساء ألطف وأخف وأبهر منه لدى الفحول، ولا أدري ما الذي يرغمه على المهاترة والمخاطرة في موضوع حساس ومؤلم. حيث تتلوى أسئلة الشارع وتتمخض، عما إذا كان الوازع من وراء هذا التحرر اللامشروط والحمية المبالغ فيها، هو الانطواء الفظيع بالمؤخرة، الكبت الانحرافي، والتوق الذي ينشد "نجاة" بتاء التأنيث، منصوبة على فتيل الاشتعال والخفض والرفع والمد والجزر والدخول والخروج...

وأحسب النظر في مثل هذا التجنيس خرقاً فاضحاً لقوانين وأعراف الحياة الخاصة للكثير من أوبئة العصر ونابشي قبور الشعر.. بيد أنني مرة أخرى أضيف بلا خوف ولا وجل، أن الشعراء هم وحدهم من يقررون العودة إلى جحيم الحداثة، بلا ديكتاتورية ولا فردانية، ولا هم يحزنون، فقط، يجب أن يتذكروا تماماً، أن كتابة الشعر لا تسمح بقراءة جهل المرضى ممن حبستهم ماركسيتهم النيئة عن أداء الأدوار الاستعراضية، في بيداء لا صدى فيها ولا حناجر. والأهم من كل ذلك، يجب على الشعراء الحقيقيين أن يتنبهوا لأمراض الحماقات المختصرة، حتى لا تصيبهم عدوى أنفلونزا رشق التواريخ الصادقة بالأكاذيب والبهتان...

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home