مقال

 

راديو الحرة

مهند صلاحات



راديو الحرة "يردح" ديمقراطية

مهند صلاحيات 

من بين الكثير من اللحظات التي نمر بها، هنالك وقت لا بد من التوقف معه لكي ندونه، ونؤرخه على الورق الأبيض، ومن ثم نفضحه على أوراق الجرائد والمجلات.

بعض اللحظات فقط جديرة بأن ندونها، ونكتب عن حدث فيها أو عشق للحظات انتظار كما يعشق المتيم لحظات انتظار محبوبته.

إلا أن أكثر من ثلاث ساعات على حاجز عسكري إسرائيلي على طريق واد الباذان – نابلس جديرة أيضاً بأن ندونها كي تصبح جزء من ذاكرتنا، ونحن نضحك بسخرية وآلم، ونطل من شباك السيارة لنرى وجه إنسان أخر في السيارة المقابلة ينتظر، فنضطر أن نبتسم.

روبي التي شعرت بأنها تود التعبير عن اللاشيء، وهيفاء التي تثير شهوة الثمانيني، وأخرى فقست مؤخراً من إحدى الفضائيات السخيفة شعرت بأنها قفزت من المذياع وبدأت بالرقص في حضني، غير مبالية في ثورتي وضجري من الانتظار المقيت على الحاجز الإسرائيلي اللعين، أنتظر الجندي اللعين أيضاً كي يشير لنا بيده لنتقدم باتجاهه، ليقوم بسخافته المعتادة بتدقيق هويتي.

إذاعة " الحرة " المدعومة أمريكياً، ترقص وتغني، والمذيع السخيف يقطع صوت مومس تغني ليذكرنا بتردد هذه الإذاعة المومس أيضاً، وليذكرنا بأن : إذاعة الحرة ، إذاعة الحرية، وصوت الناطقين بالحرية والديمقراطية، فأضيف خلفه عبارة نسيها متعمداً " والناطقين بالدعارة الفكرية والسياسية".

يزداد ضجري من هذه الإذاعة لحظة تلو الأخرى، ويصر سائق السيارة العمومية التي نركبها بأن يبقى مؤشر التردد الهوائي للمذياع على هذه المحطة، فيزداد ضجري الديمقراطي أكثر، فأحاول أن أغفو فتأبى تلك المومس التي تشبه أم المذيع بالصفات السلوكية إلا أن تستمر"بالردح" فتسرق الإغفاءة من عيوني.

(بالمناسبة "الردح" كلمة فلسطينية تعني الصراخ المزعج، والصوت العالي المقلق والذي يصدر عن امرأة أثناء الشجار مع زوجها أو أولادها أو الجيران)

ثلاث ساعات من الضغط والكبت والإذلال وقمع الحرية على حاجز جنود الدولة اللقيطة الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط حسب المعايير الأمريكية، وقناة الحرة "تردح" أكثر، وأبواق السيارات التي تحيط بي أيضاً "تردح".

وكل شيء بعد الساعات الثلاث بداخلي "يردح".

وأمريكا حين قَدِمت بجيشها الجرار وحلفاؤها، كانوا "يردحون" بالديمقراطية والتعددية، وحقوق الإنسان.

والشعب الفلسطيني الذي يتقن كل من حوله بتجريب العذاب فيه أيضاً كان ديمقراطياً في انتخاباته الأخيرة فقرر هو الآخر أن "يردح"، لكنه "يردح" بطريقة مختلفة عن الآخرين، فقد كان "يردح" آلماً وعذاباً وضيق نفس من هذا الحصار الإسرائيلي الديمقراطي جداً.

كل اللذين "ردحوا" سواء راديو الحرة، أو هيفاء وهبي، أو نانسي عجرم، وغيرهم، وجدوا من يسمعهم، لكن شعبي وأنا واحد من أبنائه "ردحنا" "ونردح"  يومياً على الحواجز الإسرائيلية الديمقراطية، لم نجد من يسمعنا.

أما قناة الحرة سواء الفضائية أو الإذاعية بكل مومساتها "وردحها" عن التحول الديمقراطي، والحرية، وحقوق الإنسان، وصوت نانسي وهيفاء، تجد دوماً من يترنح صخباً، ونفاقاً، ودجلاً، وخيانةً، وطرباً، على "الردح" الجميل.

إذاً "فلتردح" الحرة، الطريق الجديد للاستعمار الديمقراطي جداً، على الحاجز الديمقراطي.

 


 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home