كتاب العدد

 

التشكلات المبكرة للفكر الإسلامي

د. عبد الحكيم أجهر



التشكلات المبكرة للفكر الإسلامي
  تأليف :د.عبد الحكيم أجهر 
 
  يذهب بعض الدارسين والمفكرين إلى اعتبار علم الكلام، والفكر الكلامي عموماً، فكراً نسقياً وناجزاً منذ البدء، فيما يعتبره آخرون مجرد فكر لاهوتي، تتوقف حدوده على القضايا الدينية والعقدية فقط. وإن كان علم الكلام يبحث في الأدلة اليقينية المتعلقة بالعقيدة الإسلامية، وهي أدلة مبناها العقل المستند إلى المنطق أساساً،
 

فإن الدفاع عن العقيدة بالأدلة العقلية هي قضية يصعب تصنيفها وفق الاعتبارين السابقين. وفي هذا السياق يقدم د. عبد الحكيم أجهر دراسة أنطولوجية لعلم الكلام في كتابه «التشكلات المبكرة للفكر الإسلامي». وهو أستاذ العقيدة المساعد في جامعة عجمان للعوم والتكنولوجيا، وكنا قد عرضنا له في وقت سابق في «بيان الكتب» كتابه «ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي في الإسلام».
 

ويعتبر المؤلف أن علم الكلام تجاوز حدود اللاهوت، وخطى في اتجاه تأسيس نفسه كفكر ينهض على العقل، مع أن العقل في هذا الخصوص يبرر الوحي ويبقى لصيقاً به إلى حدّ التلازم معه، باعتباره - بداية - قوة تبرير لقضايا الوحي. لكنه لم يروّض ولم يرضخ كلياً، بل سرعان ما كان يمارس عقلانيته ويصبح فاعلية لا تقتصر على حدود التبرير، بل يتجاوز هذه المهمة لدى العديد من الفرق الكلامية، ليغدو قوة صياغة للوحي،
 

إذ بالرغم من أنها تعتمد الوحي إلا أنها تذهب به إلى حيث تقتضي متطلبات العقل. وهذه التحولات التي حصلت في علم الكلام من كونه قوة تبرير إلى قوة صياغة هي التي جعلت النصيين يهاجمونه ويعتبرونه شبيهاً بالفلسفة ومتورطاً بها.وترتبط نشأة علم لعلم الكلام بالمناقشات بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين ممثلي الديانات الأخرى: اليهودية والمسيحية، والتي كان معتنقوها يعيشون بأمان في دار الإسلام. وقد ساهم التعايش وبين الفرق والمدارس الإسلامية في شحذ العقول وحثها على العلم والدرس، وفي تحرير الأذهان من أسر التقاليد الدينية الضيقة.
 

وأدى الحوار والجدل بينهم إلى بروز دور العقل حكماً أعلى في المناقشات اللاهوتية، وفي فهم العقائد الدينية نفسها. وفي سياق هذه المشادات ظهرت وتطورت النزعة العقلانية في علم الكلام، أول التيارات الفلسفية في الفكر الإسلامي، الذي طوره مفكرو المعتزلة، ومن ثم الأشاعرة. وتعتبر مسألة العلاقة بين الإيمان والعقل، الدين والفلسفة، إحدى أهم القضايا المحورية في السجالات الفكرية التي اكتسبت في الأوساط الكلامية صيغة العلاقة بين النقل والعقل (أو السمع).
 

وقد انحاز المتكلمون، في حلهم لهذه المسألة، إلى طرف العقلانية، فقالوا بتقديم العقل على النقل، وأنكروا التقليد والمقلدين. وواجهت نزعة المتكلمين العقلانية والنقدية معارضة شديدة من قبل أنصار «أصحاب الحديث» الذين يعولون على نص الكتاب والسنة، ومن ثم الحنابلة والظاهرية من المذاهب الفقهية، والمالكية والحنفية من أنصار المذاهب الأخرى.
 

وفي إطار سعيهم لإضفاء المشروعية على النظر العقلي، بحث المتكلمون في الكتاب والسنة عما يمكن الاستناد إليه في تبرير النظر العقلي، ثم طوروه ليهتم بالطبيعيات والمنطقيات والرياضيات. وحين ساروا في درب اللقاء مع المشّائية الشرقية، راحوا يعملون لتمثل العلوم الفلسفية التقليدية. وتعدّ مسألة العلاقة بين الإيمان والعقل، والتي تصدى المتكلمون لحلها، هي بمثابة البعد المعرفي (الغنوصيولوجي) لمسألة أعم وأشمل، هي مسألة العلاقة بين الإله والعالم.
 

وقد سال كلام كثير بخصوص العلاقة بين العقل والوحي، التي ترددت ما بين خضوع العقل الكلي لمسائل الوحي وبين طموحه لأن يعقله، وارتبطت بالتقدم الزماني وبمسائل أخرى متعددة. وفي جميع الحالات كان عمل العقل داخل النص عملاً تأويلياً، وسواء كان العقل يعلن خضوعه وتبعيته للوحي أم كان يعلن قدرته على فهمه فهماً عقلانياً،
 

فإن عبد الحكيم أجهر يعتبر أننا في كلتا الحالتين أمام تأويل معين للوحي يحدد من خلاله العقل مساحة عمله وكيفيتها، فالأمثلة التي عرفها علم الكلام والتي جردت الإنسان والعالم كلياً من أي كيانية خاصة بهما وجعلتهما رهينتين بيد القدرة الإلهية هو نوع من تأويل خاص للوحي أراد العقل بهذا التأويل أن يتخلى عن ذاته كعقل ويتحول إلى قوة تبرير ليس أكثر لمسائل الوحي التي فهمها فهماً خاصاً وليس فهماً مطابقاً على أية حال.
 

بالمقابل فإن صياغاته في الفعل الإنساني وتطوير مبدأ السببية لديه، ووصوله إلى القول بأن الحدوث أزلي وليس مفتتح هو أيضاً تأويل. إذاً، في جميع الحالات التي كان ينوس فيها العقل بين التبرير وبين الفعل والصياغة نحن أمام تأويل للنص، وبالتالي فإن أقوال المتكلمين لا تعني أبداً أن آراءهم كانت مطابقة تماماً لمسائل الوحي.
 

وعليه فإن مسألة الخلق ووضعية العالم الفلسفية ومسألة خلق القرآن والتوحيد وعلاقة الذات بالصفات وفلسفة الجواه والأعراض ومسألة الفعل الإنساني، كلها مسائل اجتهادية تأويلية، ليست هي الوحي ذاته بأي شكل. ومنطلق القول بالتأويل لدى عبد الحكيم أجهر هو اعتبار الوحي نصاً مفتوحاً على احتمالات تأويلية عديدة، الأمر الذي يثير العقل على الدوام نحو الإحاطة بفضاءاته الواسعة.
 

وقد تمثلت هذه الإثارة للعقل من طرف الوحي في حالتين: الأولى موضعية شهد فيها الفكر الكلامي عامة، والاعتزالي بشكل خاص، أكثر حالات الاجتهاد العقلي خصوبة، وامتدت زمنياً فترة قصيرة تراوحت بين النصف الثاني من القرن الهجري الثاني والنصف الأول من القرن الهجري الثالث،
 

حيث كان الفكري الكلامي والمعتزلي يضج بصخب عقلي كبير، وبأسماء أبو الهذيل العلاف والنظّام ومعمر بن عباد السلمي والجاحظ والشحام وعباد بن سليمان وأبو بكر الأصم وأبو علي الأسواري وهشام الفوطي وبشر بن المعتمر وثمامة بن الأشرس وأبو موسى المردار والإسكافي وهشام بن الحكم وسليمان بن جرير وضرار والنجار وابن كلاب، وبعد فترة وجيزة الخياط، ثم بعده الكعبي وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم.
 

وفي هذه المرحلة كان العقل في أقصى درجات العمل والفعل إزاء الوحي. أما الحالة الثانية فهي الحالة الخطية الزمانية، ومثّلها المفكرين الأشعري والماتريدي، وعلى الوجه الخصوص الفكر الأشعري الذي أخذ تفاعله مع الوحي مدة زمنية أطول استمرت لعدة قرون من أبي سعيد القطان (ابن كلاب) مؤسس علم الكلام الأشعري وصولاً إلى فخر الدين الرازي ثم الإيجي والجرجاني.
 

ويعتبر عبد الحكيم أجهر أن الفكر الاعتزالي توقف عن الاجتهاد منذ الجبائيين، ولم يكن القاضي عبد الجبار ومدرسته التي انتهت في منصف القرن الهجري الخامس أو بعده بقليل سوى محاولة لضبط الفكر الاعتزالي وخصوصاً فكر اللحظات الأخيرة منه. أما الفكر الأشعري فقد استمر في تقديم إسهاماته وسعيه نحو الارتفاع بالعقل لتقديم صياغة أكثر نسقية.
 

وقد مثل فخر الدين الرازي هذا الطموح العقلي الجامح نحو الاستجابة لمسائل الوحي باتجاه تأويله ووضعه في إطار خطاب نسقي عقلي على درجة عالية من التماسك، يعتمد فيه على النقد السابق ويجاوزه في الوقت ذاته.
 

وقام الرازي وابن تيمية بكسر المقدمات والكلامية القديمة القائمة على الفلسفة المناسباتية التي ألغت السببية وجردت العالم من أي استقلال نسبي، ولكنهما تابعا الاستراتيجيات الأنطولوجية لهذا الفكر التي تنهض على شمول الفاعلية الإلهية ورهان توزيع قدرة الله على العالم.
 

وقد نهض الفكر الكلامي في جوهره ومقصده الأساسي على مسألة القوة، إذ كانت المحاولات والاجتهادات التي قام بها المتكلمون المسلمون تقع كلها في إطار توزيع علاقة القوة بين الله والعالم. ويتعلق مفهوم القوة هنا بالمفردات الثيولوجية الإسلامية المتصلة بالفعل، كالخلق والقدرة والإرادة.
 

وتكمن أهمية الفكر الكلامي من جهة كونه مجالاً حيوياً للعمل من داخله، والدفع به باتجاهات يحتملها بذاته، إضافة إلى أنه مثّل العلاقة الخاصة مع النص الديني التي حظيت بمجال تداولي أكثر اتساعاً من حقول فكرية أخرى. وبالرغم من محالاوت بعض المذاهب الإسلامية شجبه وإنكاره، إلا أنه بقي أكثر التصاقاً بقضايا العقيدة الإسلامية.
 

وقد انشغل الفكر العربي الإسلامي المعاصر بالتركيز على الاختلافات بين المتكلمين، وخصوصاً المتصلة بمسألة توزيع القوة بين الله والعالم، وانتصر لبعض الفرق التي توزعت على أطراف الحقل الكلامي، من دون معالجة الديناميات الأنطولوجية الخاصة للفكر الكلامي، ومن غير طرح الأسئلة العميقة حول ما كان ينقص هذا الفكر وما هي حدوده الفلسفية التي عرقلت تطوره في لحظة زمنية محددة من تاريخه.
 

ويأخذ عبد الحكيم أجهر على الفكر الكلامي القديم وعلى الفكر العربي المعاصر فهمهما مسألة حصص القوة التي يجب توزيعها بين الله والعالم على أساس التناسب العكسي، أي كلما تمّ الاعتراف لله بالقدرة كلما تقلص دور العالم وتغيب فلسفياً، وهي مسألة أنطولوجية عرفت بعض المحاولات المتأخرة لتجاوز هذا التناسب العكسي غير الدقيق.
 

ويرى ضرورة تجاوز التعامل مع الخطابات الفكرية الإسلامية بوصفها حقولاً معزولة عن بعضها أو بنى مستقلة تماماً، إذ على العكس من ذلك إن ما تحتاجه الدراسات المعاصرة هو الاعتراف بالتداخل بين أنماط الفكر الإسلامي وحقوله. وقد شوش علينا أسلفنا أنفسهم من خلال ممارستهم لعمليات الإنكار المتبادلة فيما بينهم، الأمر الذي ترك انطباعاً بأن لكل حقل استقلاله التام.
 

وعليه فإن رهاننا اليوم عليه أن يتحول في فهم الفكر الإسلامي إلى رصد التأثيرات العميقة للخطابات على بعضها، ورصد الاستعارات فيما بينها على أساس الاستراتيجيات الأنطولوجية لتلك الخطابات، وبالتالي رصد التحولات التي يمكن لنا أن نستأنف منها جهدنا الفكري.

 




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home