قصة

 

كليكل

ستار نوري



ترامى وجهه الاسمر و صوته الابح وهجا في الشوارع والساحات التي مر عندها طويلا . واكتست اغنياته ورقصاته الطريفة وسما مميزا لسخرية ممزوجة باللامبالاة ، ضج لها الناس كثيرا ، وتركت ظلا كثيفا لاينسى من المرح ، مازال صداه يتردد في ذاكرة المدينة ، اجيالا .. حتى رأيته مصادفة ، في مملكة الموتى ، وهو يناجي طللا شاخصا ، ابى ان يرد عليه ، بعد ان غفا في سبات ابدي ..

 

    بدت لي صورته عن قرب ، على هذه الشاكلة . فكنت بين مصدق ومكذب . وهجست لنفسي سرا ، انه لا يمكن ان يكون قاسم كليكل ، الرجل الذي لا يحفل بشيىء او بشخص قط .  لعله شخص آخر قريب الشبه منه . على مهل دنوت ، حين فرغت من هم نازعني الوصول اليــه ..لكنه تلاشى كالبرق بين اطلال متزاحمة ، مخلفا طيوفا طاردت خيالي ، وهو يمتع جمهورا واسعا من اناس اكتظوا حوله طربا مساء كل خميس ، وقد انتشى ببضع رشفات عرق ، مفتاح عقدته السرية ، لتعمر مزاجه الدافق بالفرح . فيما تهيأ مريدوه لاستقباله مترنحا باغنية جديدة اطلقها بنشوة غامرة ..

    لا ادري، ربما استمتع البعض باغنياته حقا ، كما استمتعت بها ، لكن متابعيه يقولون انهم يشعرون بالمتعة التي يضفيها على اماسيهم بفضل طريقته الساخرة . حتى بات مولعا بتغيير  العديد من نصوص الاغاني المعروفة بشكل يناسب امزجة محبيه ، وكأنه

ادرك بالضبط ما خالج نفوسهم من هواجس بقدر او باخر . وذلك ما كان يعنيهم او يمتعهم بشكل خاص ، على ما اظـن . لكنه لا يتوقف عند هذا الحد ، انما يتلاعب بالالحان الغنائية المعروفة ايضا ، فيغني احدى الاغاني الشهيرة لام كلثوم ، او عبد الحليم حافظ ، بطور داخل حسن مثلا، وهذا ما حصل بالفعل عدة مرات ، لكن احدا لم يستغرب او يستنكر ذلك . بل على العكس ، ربما وجد فيها البعض فرصة للتندر واثارة التعليقات المضحكة من جانبهم ..

      استقر في عيون الكثريين ، كطيف جميل، قبل ان يظهر نجم (مجيد راضي) الذي اسماه قاسم تحببا (إمجيّد) ، و شاركه ذات الشهرة عندما انضم اليه فيما بعد  فكوّنا ثنائيا لاقى قبولا واسعا من الجمهور . مارس قاسم دور المطرب والشاعر ،بينما برز  مجيد باتقان العزف الشفاهي المنفرد على جميع الآلات الموسيقية . لكن ذلك لم يكن عرفا ثابتا لديهما ، فقد يحصل العكس ، فيقوم مجيد بدور المطرب ، بينما يؤدي قاسم دور العازف

بدلا عن مجيد ، وقد تراهما يغنيان ويرقصان معا ، وفقا لمزاجهما ..

     استغرقت اللعبة زهاء السنتين او اكثر ، قبل ان تاتي الحرب المجنونة مع ايران .. فالتحق مجيد باحدى القطعات العسكرية في القاطع الجنوبي من الجبهة ، فيما راحت مفارز الجيش الشعبي تطارد قاسم كليكل اينما حل على الرغم من كبر سنه ، مما اضطره  إلى الاختفاء عن الساحة والظهور في احوال نادرة ..حتى جاء خبر استشهاد مجيد في احدى المعارك الطاحنة التي حصدت ارواح الكثرين معه .. فاقصى قاسم نفسه من الظهور ثانية بدون مجيد ..

                                         

                                                    *  *  *   

       مثل صوت صفارة انذار مزعج ، اطلق نعيقه في سماء صيفية صافية عند الغروب ، مما حمل زميلي وصديقي حمزة الحلاوي على التشاؤم ونحن باتجاه السوق الكبير  مرددا القول بقلق وانزعاج :

  ــ اغراب اسود ؟!  ياستار يالله .. ياستار يالله .. توددت اليه محاولا التخفيف عن ازمته المنبعثة عن دواخله بعمق. لكن نبوءته صدقت هذه المرة ، حين اطل على شاشة التلفزيون وبشكل مفاجئ ، مذيع البيانات العاصفة، مقداد مراد ، بصوته المدوي لينقل الاخبار الواردة من الجبهة ، معلنا عن تجدد المعارك الضارية في القاطع

الجنوبي .. ودعني الحلاوي بقلق،وهو يروم الالتحاق بوحدته ثانية قائلا  :

ــ  أ لم اقل لك ، انه اغراب البين ؟ ثم اردف:

ــ هذه المرة ، ما راح اتعدي سلامات !!.. قلت محاولا تهدئته :

* لاتبالغ في تشاؤمك يا اخي ، انها مجرد صدفة ، وهذه خرافات قديمة .. ستعود بالسلامة ، بعد ان تنتهي المعركة ، كسابقاتها ، ونلتقي ثانية،ان شاء الله . قاطعني بالقول :

ــ مو كل مرة تسلم الجرة ،كما يقولون..اخوي اريد احملك امانة ، اذا وصلك خبر استشهادي ، او اسري . ارجوك تتصل بامي بالحلة وتطلب منها ان تسامحني ، بعد ان تحملت من اجلي المزيد .. قالها بحسرة وألم وكأنه على يقين ان شيئا ما سيحصل له ..!!     بعد يومين على التحاقه بوحدته العسكرية في الحبهة،  وصلني خبر  اصابته في المعركة ، وجرى نقله الى المستشفى الجمهوري ، الذي تحول إلى مستشفى شبه عسكري فصار يستتقبل جرحى و مصابيّ الحرب في معظم الاحيان بدلا عن المرضى .. وخلال تجوالي في ممرات المستشفى وانا بصدد البحث عن صديقي الحلاوي ، لمحت بوضوح من خلف زجاج غرفة العناية المركزة ، قاسم كليكل ، بعد غياب طويل ، رقد مريضا ..!! و بعد الاطمئنان على سلامة صديقي .. رحت استفسر عن المرض الذي كان يعانيه كليكل ، من احد الجرحى الراقدين في ذات الردهة . بادرني زميلي الحلاوي الحديث عنه باعجاب وألم قائلا :

ــ انه يعاني مرضا في القلب .. ولكنه انسان عجيب !!. 

* وما سر العجب فيه ؟

ــ تصور يا اخي ، انه يعاني من انسداد في شرايين القلب ، ومع ذلك اصر على التبرع بالدم للجرحى .. متجاوزا نصيحة الاطباء ، واحتمالات الخطر المحدق بحياته

فيما لو استمر على هذا النحو ،  وعندما منعه الاطباء ، تحايل على الجميع لينفذ مافي رأسه ويتبرع لجندي

مصاب كان في حالة خطرة ، في وقت خلا فيه مصرف الدم من رصيده !!

* ولكن كيف استطاع ان يتسلل من غرفة العناية المركزة وهو في حالته تلك ؟! الا تجد في ذلك مبالغـة ؟

ــ لا .. لا  لم يكن في حالته هذه ، قبل هذا الحادث ..الا ان حالته اخذت في التردي وساءت كثيرا فيما بعد .. والغريب في هذا الرجل الشهم ، انه قام بخدمة الجرحى

على الدوام ، على الرغم من عدم موافقة الاطبــاء والمرضى . ومع اصراره وتوسلاته اليهم جعلتهم مضطرين لتحقيق رغبته على مضض .. فهو يحرجك كثيرا وانت ترى دموع رجل بهذا السن ،تسيل على خديه راجيا منك قبول خدمته ..و هذا ما حصل معي،حين جيء بيّ إلى هنا ..

    تمنيت لو يشفى تلك اللحظة كي اعرف منه حقيقة الرجل الذي صادفته من قبل . الا ان الفرصة جاءت على عجل وباسرع مما توقعت ، وانا اودع عزيزا رافقته إلى تلك المملكة الموحشة قبل هطول الظلام  بقليل . وحين ادركت المكان ثانية ، ساقتني الرغبة مجددا للتعرف الى صاحب الطلل الذي وقف عنده الرجل الشبيه بقاسم متضرعا إلى قبره ، سائلا قبول اعتـذاره ، وكأني اسمع صدا صوته يتردد بوضوح في آذني تلك اللحظة ،كما كان

يناديه اول مرة قائلا:خوية ارجوك اتسامحني ..خوية مقصر بحقك..وقفت أقرأ لوحة كتب علـيها  (( الفاتحة على روح الشهيد البطل مجيد راضي نابت البــــــيضاني

استشهد في معركة الشيب في قاطع ميسان بتاريخ  16 / 2 / 1983 .. )) شعرت بالحزن الذي خالطة شيء من الفرح و التفاؤل و انا اتذكر وفاء وصدق ذلك الرجل العليل ..

 

 

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home