مقال

 

هنودٌ حمر ... ديمقراطيون فلسطينيون

مهند صلاحات



 

هنودٌ حمر ... ديمقراطيون فلسطينيون

 

 مهند صلاحيات

 

الكاتب المحاصر بين أسنان الكتابة ونار الكآبة اليومية، لهو أشبه بمقاتل يحارب على جبهة الآخرين، لأن كتابة النص في لحظة يأس، ومحاولة الهرب من الكآبة إلى الكتابة، يعني : أن الكاتب شد على خصره حزاماً ناسفاً استعدادا لقتال مرحلة بأكملها، فمن هنا سأبدأ ،  ومن هنا أيضاً ،سنحارب المرحلة .

تمر عجلة الزمن بنا سريعاً ولكن!! لن نكون بركبها، بل سنكون شحمها الذي يذوب بين طياتها .

إن هذا الانحطاط الذي وصلناه، لهو أشبه بدمار الجسد الواحد من داخله، فغدا جسداً مستهلكاً يبحث عن بوذي ينقل روحه لجسد أخر، فنقل الأرواح للأجساد صار ضرورة لتجديد انحطاط هذه المرحلة التي صار أهم أبطالها المساوم.

 

يتجدد الحدث كما كان يحدث يومياً منذ سنوات وبضع أجزاء من السنة، وعادت من جديد نشرة الأخبار تمارس عادتها اليومية التي لا تخلو من تجديد ذكر أعداد الموتى، البعض منا يسمع الخبر ويحزن للحظات قصيرة. والآخر يسمع ولا يحزن، ولماذا الحزن؟ الأمر عادي:  مقتل أو استشهاد (حسب الإذاعة أو الفضائية) فلسطينيين من بيت لاهيا وثلاثة من رفح،شاب من خان يونس ،وامرأة من مخيم طول كرم، طفل وثلاثة مقاتلين من مخيم بلاطة أثناء حصار المخيم المشدد، استشهاد امرأة مع طفلها وهي حامل به على حاجز حوارة، لم تستطع الوصول لمستشفى رفيديا بنابلس، استشهاد دكتور جامعي في قرية طلوزة ، ما هو حصاد اليوم، ثلاثة، خمسة، ثمانية، ثلاثة عشر؟ ربما اقل من ذلك، وربما أكثر ، يقرع الخبر أذاننا مع قهوة الصباح، نشربها مع أخبار الموت، فلا يأتي صباح بدون موت، بدون نعي،  بدون بكاء. تأتي نساء يندبن و أيتام يبكون!!

تقفل المذياع، تلعن أم مخترع الراديو في قبره، تشتم عائلة المذيع كاملة، معد النشرة، الفاصل الموسيقي فيها، المغنية الغنوجة، ومقدم إحدى الفواصل الدعائية المرح جداً.

نهرب لصحافة أخرى ونتناول الصحيفة الورقية التي تحمل إسم مدينة أو شارع أو وهم، نقلّب أربعاً وعشرين صفحة في "جريدة عربية لا تقول إلا ما يريده سادتها" فلا تجد شيئا ،لا قتل ولا خبر.. لم يحدث.. لم يقتل أحد.. لم يمت أحد.. فالقتلى لا يستحقون خبراً في الجريدة، ربما إنهم من عالم آخر.. من بلاد بعيدة.. من الواق واق..

 

حياتهم لا تهم القارئ وموتهم لا يعني القارئ، ليسوا بشراً فهم: طفل مخرب، امرأة مخربة وثلاثة مخربين كانوا يسيرون في الشارع في بيت لحم، فاجأتهم دورية من جيش الاحتلال قرب مخيم الدهيشة, حاولوا الهرب في عملية تفتيش ملابس القتلى وجد الجنود سكيناً مع احدهم.. سكين مدية.. سلاح أبيض. سلاح إرهابي!! لا يهم، البحر هو البحر، والعرب هم العرب،  خذوا الحكمة من رئيس الوزراء. لا فضّ فوه!!

 

فقط ، صمت أمام مقام جلال الكلمات الساخرة، وسلطات الإذاعات الفضائية والمحلية والعالمية، وبقايا إعلانات انتخابية تغطي صور الشهداء على جدران المدن الفلسطينية وصور الشهداء تتجدد على الجدران و جداريات أخرى مجنونة دافئة .ومحاولة وصف الشعور بعد قراءة الكلمات الصغيرة على الصور صعب ... صعب جداً ، حقاً ، فعلاً .
صعب بأن نمر من خلالها كما يمر الماء من الثقوب، ونقف دون أن نقول أننا عرفنا أين تصف الكلمات.
حيث المكان : لا أحد
حيث الزمان : بلا بلد
حيث البلد : كل الجسد
حيث الموت : حكاية لهذا الشهيد

 

قبل أن تنام.. تتناول جهاز التوجيه بيدك.. تتنقل من محطة إلى محطة في التلفاز: العربية، الجزيرة، النيل، أبو ظبي، دبي ، السودان، الكويت، السعودية، سوريا، لبنان، اليمن، السودان و ربما الحرة. الأخبار مكتوبة بخطوط بيضاء، بلون الكفن ،استشهاد.. كم العدد؟ من ثلاثة إلى ثمانية.. بشر بدون أسماء، ولماذا يذكرون أسماءهم؟ إنهم موتى: إنهم فلسطينيون، فالفلسطيني ولدته أمه ليستشهد، ليقتل، ليموت. كل فلسطيني هو مشروع استشهاد. شاء أم أبى، المكان غير مهم، والوقت تافه ذليل.. يقتل في طريقه إلى العمل بحثا عن لقمة خبز،وقد يقتل وهو يقطف ثمار الزيتون أو يحرث الأرض، أو تأتيه الرصاصة في البيت أو في الشارع. وقد يقتل بعد تأدية الصلاة في المسجد.. يقتل خطأ ويقتل عمدا.. ويقتل بخطأ متعمد.. ويقتل بعمد مخطوء!!. وهو المسئول الوحيد عن مقتله.. لأنه فلسطيني ، ولا أحد يسمع بموته.. لا أحد.. لا أحد..!!

وهو المسئول عن فوز مرشحي الحركات الإسلامية في الانتخابات بعد أن تاجرت فيه في أوسلو، ولا تزال تدعي أنها غير موافقة على الاعتراف بإسرائيل، وهي تفاوض على دمه منذ سنوات.

الوهم يرتكب أكبر خطاياه ويتسرب إلى عقول المساكين والمسالمين الذين نهبت بيوتهم بحجة الثورة، وقتل أطفالهم بحجة الثورة، وأحاطهم بجدار الموت أيضاً رجال الثورة.

بوش ... لا يسمع، ولا يريد أن يسمع. أمريكا بلد ديمقراطي ومتحضر يحب الحياة. كل حديث عن القتل والموت يؤذي سمع المواطنين.. ومن هم هؤلاء الهنود الحمر الجدد حتى يهتم بهم البيت الأبيض والبنتاغون؟ وهل من المنطقي أن يعيد البيت الأبيض ذكر شهداء من الهنود الحمر ؟ هل يتقبل المنطق الأمريكي المتحضر أن نعيد تحضير روح سياتل الفلسطيني أو الهندي أو الفيتنامي؟

كوفي عنان...موظف بوش في الأمم المتحدة وضع في أذنه اليمنى طينا وفي إذنه اليسرى عجيناً ولا يريد أن يسمع ما يؤذي سمع مولاه، لكنه بنفس الوقت مبسوط جداً بالديمقراطية الانتخابية في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، وأعاد من جديد مقولته: أثبت الشعب الفلسطيني أنه شعب ديمقراطي جداً..!! لكن يا سيادة الناطق بأٍسم الأمم المتحدة لماذا يجب أن يموت هذا الشعب بعد أن صار ديمقراطياً جداً ؟

أوروبا، الاتحاد الأوروبي...لن يغضب البوش قبل قهوة الصباح، لا قبل طعام الغذاء، ولا قبل حفل كوكتيل في المساء.. وأوروبا تشرب النبيذ الأبيض والنبيذ الأحمر ولا ترغب بأن يعكر موت فلسطيني صفوها. أو‍‍ ومن اجل الضمير الأوروبي وسمعته لا بأس من إرسال أوراق اليورو لشراء حليب الأطفال قبل موتهم، وبحث الملف النووي الإيراني من جديد.

وأمير المؤمنين... يتبرع ببقايا طاولة قماره، لإعمار مخيم تهدم بعد قصف ديمقراطي عنيف.

وشيخ الدعاة مازال يبحث في قضية هل هؤلاء الذين يفجرون أنفسهم استشهاديون أم انتحاريون؟؟

وولاة الأمر والنهي مشغولون ببيع قماش بيت عائشة .

الفلسطيني ديمقراطي جداً في قاعة الانتخاب، ولكنه لا يستطيع أن يكون ديمقراطياً في موته، فالجميع على قيد الحياة إلا الأحياء... إلا الفلسطيني.

ولا بد للجميع أن يذهب، للقبر، أو للتفاوض مع إسرائيل من جديد، أو للاجتماع في القاهرة لتوقيع اتفاق فصائل جديد، أو للموت.

كلهم يذهبون في المساء ، وفي المساء لا يأتي إلا الموت لهذا الهندي الأحمر الجديد المسمى فلسطيني.

يحدث يوميا.

منذ سنوات وبضع السنة.

يستشهدون..

يقتلون..

يموتون..

والقاتل رجل سلام

والقتيل إرهابي!!

القتيل هندي أحمر جديد.

هندي أحمر عربي..

هندي أحمر فلسطيني..

يحدث يومياً..

إلى متى؟!

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home