القلم الفكري

 

فلسطين كأفق للتفكير(*)

محمد بلال أشمل



 

فلسطين كأفق للتفكير(*)

من التفكير إلى التحرير

محمد بلال أشمل

         َبعُدَ العهد الذي كنا نفكر فيه في فلسطين، مثلما هو ُبعدُ عهد شعورنا بفلسطين؛ كأنا سلمنا بضياعها، أو على الأقل، أنها وجدت أخيرا حلا قبلت به من كنا نختزل فيها، ذات يوم، كفاح الشعب الفلسطيني، أعني بها "منظمة التحرير الفلسطينية"، وبات عدو الأمس صديق اليوم، ونهضت العزيمة للدعوة إلى التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي مع الإرهاب الصهيوني، وسيقت الجماهير العربية والإسلامية إلى وقائعه، وهي غير مالكة زمام المبادرة والاختيار لكن فلسطين في الفكر دائما علامة على فكر الشخصية القومية، لا الذوبان في المخطط الامبريالي العالمي، علامة على فكر الهوية الحضارية لا الانمساخ الثقافي والحضاري؛ هرول من هرول، وتباطأ من تباطأ.

         وإذا كان هناك من يحرص على محوها من أفق التفكير، بعدما محاها من أفق الشعور، فإن حبل الخديعة في التاريخ قصير، ومدى التخدير في تجربة الشعوب المغلوبة على أمرها محدود، وإرادة الفتية الذين آمنوا بقضية المثل العليا في أوطانهم حديدية، وسيرى الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون. إنا نحتاج أن نفكر في فلسطين إذن، أداء للواجب الماهوي الإنساني؛ باعتبارنا مثقفي هذه الأمة، وإخلاصا للمثال الأخلاقي باعتبارنا حراس الحق الفلسطيني من مغتصبيه، وتواؤما مع انتمائنا القومي العربي، باعتبارنا تطاونيين مغاربة سبقت مشاركة أجدادنا في الكفاح الفلسطيني. وإن كان التفكير في فلسطين لا يحتاج إلى مبرر، إلا أنا نحب أن نتكلم عن أسباب جعلنا فلسطين أفقا للتفكير مرة أخرى ومن جديد، مع التنبيه إلى أن التفكير متى تم وأنجز على شروط نراها ضرورة الضرورات، اقتضى التحرير على شروط القوة والإعداد، التي تملكها الأجيال الحاضرة والقادمة، فالحرب حضارية، كانت وما تزال. فلم نحتاج إلى التفكير في فلسطين؟

 

لم نحتاج إلى التفكير في فلسطين؟

 

         يظهر لنا أنا نحتاج إلى التفكير في فلسطين، استجابة لـ"المسؤولية الحضارية" التي يستشعرها الفرد وهو ينتمي إلى العالم العربي الإسلامي، تاريخا ولغة وحضارة ومصيرا. إن انتماءنا إلى الطليعة من قومنا، يفرض علينا التزامات أخلاقية وسياسية وحضارية متعددة. تقرأ التاريخ فترى أن فلسطين غزة وعسقلان ويافا وغيرها، سجلت بدماء الفخر ضريبة الدفاع عن هوية العرب والمسلمين من الغزاة في الشرق والغرب. وتتصفح كتب الدين، فترى أن فلسطين بكاملها، كانت إحدى أهم مراكز العالم العربي الإسلامي؛ فيها تبلورت حضارتهم، وازدهرت ثقافتهم، وأينعت حياتهم، وحتى فيها ظهرت معالم انحطاطهم. تصنع ذلك كله فتستصفي، في النهاية، أو في الأثناء، نتيجة واحدة هي اعتبار هذا الجزء من الوطن العربي الإسلامي، وطنك بالانتماء والهوية. ثم تمضي إلى إبراز استعدادك للدفاع عنه متى حاق به الكيد، أو أحاط به الخطر، أو لحقته أفعال الشر والخديعة والحال أنه منذ 1982، وقت اكتساحا عصابات الإرهاب الصهيوني أرض لبنان العربي، لم يستطع جيلنا على الأقل- وأنا هنا أتحدث عن الجيل الذي ولد عام 1963 أربع سنوات قبل النكسة- أن يصنع شيئا يذكر؛ اللهم إلا التغني بفلسطين في القصيدة، والحكاية عنها في الرواية، والتوقيع بها في التشكيل لم يفكر جيلنا في الالتحاق بصفوف المقاومة الفلسطينية واللبنانية عام 1982، ومن هبط من جيلنا إلى الرباط لكي يبحث عمن يرحله إلى بيروت للدفاع عن الشرف العربي المهدور، منع وعاد بخيبة الأمل في كل شئ، وسخط على الحكومات العربية طرا، ونعا عليها عروبتها وإسلامها، وعلم أن الآفة ليست في فلسطين، ولا في بيروت؛ فتلك نتيجة لآفة أم هي الآفة الموجودة في كل أقطار العالم العربي، آفة الحكومات الساكتة عن الحق الفلسطيني، مثلما سكوتها عن الحق المغربي والمصري والليبي والتونسي والجزائري وهل تنتظر من حكومات ساكتة عن حق شعوبها، أن تمضي إلى التنادي بحق شعب آخر غير شعبها؟ ما ذا صنع جيلنا؟ انخرط في النضال الديموقراطي في الأحزاب السياسية والجمعيات الثقافية أو الحقوقية، كأنما أدرك بالحدس، أن الحق الفلسطيني يحتاج إلى النضال على واجهات المجتمع المدني، يمارس سياسيا، ويؤصل فكريا، وينشط حقوقيا، في أقطار الوطن العربي الإسلامي، وأن ارتباطه بالحق المغربي، على سبيل المثال، أمر لا جدال فيه، والدليل على ذلك اعتبار القضية الفلسطينية قضية وطنية من قبل جيل من الحركة الوطنية المغربية. لكن لا الحق القطري ِنيل، ولا الحق الفلسطيني ُأخذ، وأنه لما اشتعلت الانتفاضة، لم يعتبرها جيلنا انتفاضة الفلسطينيين ضدا على الاغتصاب الصهيوني، بل ضدا على السكوت الرسمي العربي، وصار يظهر أن نظرية المقاومة، كما بلورها أصحاب القضية في الجبهة المتقدمة، هي أصلح من نظريتنا نحن الذين في مغرب الوطن العربي، أو في مشرقه. افتخرنا بالنظرية فأزهقت حقوقها ممارسة الانتفاضة من جهة، وبقعة التطبيع التي تتسع شيئا فشيئا حتى وصلت إلينا. لم يعد الحق الفلسطيني هو الضائع، إن الحق المغربي هو أيضا برسم الضياع. لكن هذه المرة ليس بشكله السياسي الجزئي المباشر، ولكنه بات يضيع بشكله الحضاري الكلي. التطبيع يعني نسيان حالة اليقظة الحضارية التي تميزت بها أجيالنا كلها، والاسترخاء على كرسي التطبيع المريح. والتطبيع يعني إلقاء تراثنا النضالي في "وادي المحنش"، والبش في وجه العدو الحضاري، والتزوج بوجهه الذميم زواج المحلل حتى يذوق عسيلة العروس الفلسطينية! لكل حقه في أن يهرول، أو أن يتباطأ باتجاه هذا التطبيع، ولكنا نرفضه من منطلق الصدق مع النفس، والإخلاص للتاريخ، والوفاء لقيم الإنسانية. نرفضه لأنه اغتيال لشخصيتنا الحضارية، وخنق لامتدادنا التاريخي، وإجهاض لإبداعنا الثقافي، ومحق لحقنا في الحرية والاستقلال عن المركزيات الواحدية والمتعددة. ولهذا، إذا كنا نفكر في فلسطين، فإنا نفكر في المغرب أيضا، وفي اليمن، وتونس والجزائر وكل أقطار الوطن العربي. بدأ التطبيع في فلسطين بعدما أجهضت الانتفاضة، وهاهو يصل إلى المغرب، ويعلم الله إلى أين منتهاه. فلهذا نحتاج إلى التفكير في فلسطين فإن تفكيرنا فيها تمرين على الرفض، وممارسة للتحدي، واستقواء على المواجهة، وتعود على التصدي نحتاج التفكير في فلسطين وتقوم نصب أعيننا الدواعي التالية:

خشيتنا على الحق الفلسطيني الخاص، والعربي العام، من الضياع.ليس تفكيرنا في فلسطين تفكيرا جزئيا إلا بالبداية؛ فالواقع أنه ينتهي إلى الخشية على الحق بكافة صوره. غير أن الحق الفلسطيني بمستطاعه اختزال تاريخ اغتصاب الحق من مالكيه. لذلك كان النموذج المتخذ كأفق للتفكير. إن الحق يضيع في أمكنة أخرى غير فلسطين، وما الحق الضائع هناك إلا امتدادا لضياعه في أماكن أخرى، فليس في العالم ما يؤمن عليه من قيم العدل حتى لا يظلم المظلوم، أو الحق حتى لا يتجبر الباطل. العالم كتلة من الاختلالات في السياسة والاقتصاد والفكر، ما إذا لم تنصلح، استمر الحال على ما هو عليه.

ضرورة امتلاكنا الأسباب القوية للدفاع عن هذا الحق، واسترداده من غاصبيه؛ إذ ليست الخشية من ضياع الحق كافية في أمر انشغالنا بقضية فلسطين، ولا التفكير فيها إذا لم ينضف إليها تفكيرنا في مختلف الأسباب التي تجعلنا نسترد هذا الحق من غاصبيه، والاستعداد للدفاع عنه متى اغتصب أو هدد بالاغتصاب، وإلا سنكون أكثر سلبية ممن يتعلل بأوهى التعلات حتى لا يقوم بواجبه القومي والوطني. وحسبنا، في اللحظة التاريخية الراهنة، الإشارة إلى السؤال التالي: هل نملك الشجاعة الكافية للقول، إنا لا نستطيع الزعم أنا نملك الأسباب القوية للدفاع عن الحق المغتصب في فلسطين؟ إنا لا نملك الأسباب القوية للدفاع عن الحق المغتصب في االمغرب، وسائر أقطارنا العربية فكيف لنا بامتلاكها في قضية فلسطين. صحيح إنه من موقعنا كمثقفين نستطيع إحداث أثر ما على الرأي العام الوطني والقومي، فيما يخص هذه القضية، ولكن هذا التأثير هو بكيفية نهائية محدود المدى، نظرا للسيطرة الكاملة التي تخضع لها وسائل السمع والبصر والكتابة في بلادنا وبلاد العرب، وهي سيطرة لا تتماشى ،في الغالب الأعم، مع تطلعات الجماهير العربية في التحرر والاستقلال. ليس معنى ذلك تقاعسا عن أداء واجبنا هو الخيار النهائي والوحيد في خضم هذه السيطرة التي تمارسها الدولة القطرية في بلادنا العربية على مجالات التأثير الجماهيرية، ولكنه بمعنى من المعاني استمرار في العمل بكامل الإيمان المراد للقضية، والإصرار على المضي قدما في أداء الواجب مع الوعي بالشروط الموضوعية التي تحف هذا العمل، سواء كانت عوامل إعاقة أو عوامل مساعدة، والدفع بإمكانات القضية، في صورها الإيجابية، نحو التبلور والتطور، والكف عن عوائقها بالحزم والعزم الكافيين.النضال على هذا المستوى طويل الأمد، والنفس الطويل والصبر العظيم، هو عدته وعتاده. ولذلك ينبغي على أصحاب القضية وحملتها من المثقفين الشرفاء، التزود لهذا الطريق الطويل الطويل ولعل الزاد الضروري هاهنا هو امتلاكهم نظرية في المقاومة.

النضال لأجل استرجاع حق مغصوب لا يحتكم إلى فراغ نظري، وإلا لما حقق أهدافه أبدا. النضال هاهنا ينبغي أن يستند على نظرية متكاملة في المقاومة، أبرز عناصرها معرفة الحق المغصوب، وغاصبه، وأهداف الاغتصاب وأبعاده، ثم معرفة الغاصب وفكره، ومقاصده وطموحاته، وأسباب القوة والضعف لديه. وبين هذا وذاك، العمل بالتعريف بالذات وبإبداعاتها، وهويتها الحضارية، وشخصيتها الثقافية والدينية والتاريخية، وربطها بأغراض النضال استرجاعا للحق المغصوب، ومنعا للذوبان في المركزيات الحضارية الأخرى المساندة للغاصب. العنصر الحاسم في نظرية المقاومة هذه الإيمان بعدالة القضية، والإيمان القوي الذي لا يتزحزح مهما شاب مسيرة النضال من انكسارات أو تراجعات. ينبغي أن يفترض المرء أن الطريق شوك كله،حتى لا يحسبها ورودا كلها فيحدث له ما لا يحمد له من إحباط وانهزام نفسي وسلوكي وفكري. ثم إن نظرية المقاومة هذه لا ينبغي أن تصرفها الخلفيات الإيديولوجية، وما يطبعها من اختلاف، عن أداء واجبها النضالي؛ لا سيما إذا كان ذلك الاختلاف من طبيعة معيقة لا من طبيعة مساعدة، يثبط الهمة، ولا يحفزها على التجاوز. ويبدو أن الحل العملي دائما هو الحفاظ المستمر على الفهم الصحيح للغرض من النضال في سبيل القضية، وهو استرجاع الحق المغصوب. ليس من الضروري الاتفاق على المداخل النظرية لاسترجاعه، المهم هو تحرير فلسطين، فمتى عنينا بأية إيديولوجية وحسبناها هي المؤهلة لقيادة نضالنا القومي والوطني، لن نخرج إلى صعيد العمل الحقيقي وهو صعيد الحقائق العملية، لا الحقائق النظرية، والتصورات الميتافيزيقية. وهي، على أهميتها، ينبغي أن ُتصرف إلى الجوانب التطبيقية. وحتى إذا كان لا بد منها نجعلها العدة للدعم النظري والمعنوي للجماهير في نضالها من أجل تحرير الحق من آسريه ومغتصبيه. وفي نفس الوقت، نجعلها على قدم وساق في معركة التحرير دون فضل للواحد على الآخر، ولا تفاضل بينهما. المهم هو انطواؤها على بذور العمل النضالي، وجراثيم التحقيق العملي. إن امتلاك نظرية في المقاومة بعناصرها هذه، ليس يعني أنها ثابتة ونسقية أبدا، فالمجال الذي يتحرك فيه النضال هو مجال المتغيرات. ولذلك يجب أن تكون نظرية المقاومة نظرية مرنة، تتكيف مع معطيات الواقع النضالي ومتغيراته؛ اهتداء بالمبادئ الأساسية التي تمت الإشارة إليها مثل الإيمان بعدالة القضية، ومعرفة الذات، وهويتها الحضارية ومعرفة العدو ومنازعه الإيديولوجية، ومقاصده الاستراتيجية، إلى غير ذلك من العناصر الأساسية.

         أما وقد كشفنا عن سبب حاجتنا إلى التفكير في فلسطين، نأتي إلى السؤال عن المنطلقات التي يجب أن نفكر منها، فما هي هذه المنطلقات؟

 

منطلقات التفكير في فلسطين

 

         إن تبيان هذه المنطلقات أمر أساسي لكي يثمر تفكيرنا عن عمل نضالي غني بإمكانات التطبيق والتحقيق. ونتصور تلك المنطلقات بالكيفية التالية:

منطلق أخلاقي بامتداد سياسي، فنحن نفكر في فلسطين من منطلق أخلاقي بامتداد سياسي؛فالأمر يتعلق باغتصاب حق وتشريد أصحابه، وقمعهم، ومسخ هويتهم. والموقف الأخلاقي المثالي، بامتداده السياسي، هو الانحياز إلى الحق، ومساندة أصحابه، والنضال معهم في خندق واحد لكي يسترجعوا حقهم الذي هو أيضا حقنا باعتبارنا نشاركهم الموقف الإنساني المفروض أن يكون موقفا أخلاقيا مثاليا بامتداد سياسي. قد ينكر البعض على هذا المنطلق أهميته في حمى العناية بالمصالح والخيرات الشخصية والوطنية والقومية، ويخيل إلي أن الإنسان يحقق امتداده الطبيعي سواء وطنيا أو قوميا، عبر الارتباط بجوهر الإنسان النازع- إن شئنا- إلى المثال باعتباره أرقى ما يحققه الإنسان من تصالح مع ذاته، ومع بيئته البشرية والطبيعية والقيمية. ولما كان اغتصاب الحق مما ينافي هذا، كان الموقف الأخلاقي والسياسي هو إدانة المغتصب وقتاله، حتى يرجع الحق إلى  أصحابه. وليعلم البعض منا أنا إذا دأبنا على التفريط في حقوق الآخرين، بحجة عدم ارتباطنا معهم بروابط من المصلحة أو النفع، فإنه سيأتي علينا الدور، ولا نلق من يساندنا في معركتنا من أجل استرجاع حقوقنا من مغتصبيها مثلما هو الشأن لدينا نحن المغاربة الذين بعض ثغورهم ما تزال رهن الاستعمار الإسباني في الشمال.

منطلق ديني إسلامي منفتح. ومثلما نفكر في فلسطين من منطلق أخلاقي بامتداد سياسي، نفكر فيها أيضا من منطلق ديني إسلامي منفتح. فنحن مسلمون، وموطن أي مسلم هو موطننا، أكان في الشرق أم في الغرب. وفلسطين فيها القدس الشريف، أولى القبلتين، وثالث الحرمين، مسرى النبي العربي الأمين، وموطن الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين والمستعمرين. نفكر فيها من منطلق ديني، لأن أمة الإسلام واحدة، ودينها واحد، وإلهها واحد، في السماء وفي الأرض. ونستمع إلى قوله تعالى" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، فنأمر بإرجاع الحق إلى أصحابه، وننهى عن اغتصابه منهم. ونستمع إلى قول رسوله الكريم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فنحب لأخوتنا الحرية والسلام والاستقلال والديموقراطية والعدل والتقدممثلما نحبه لأنفسنا. بل إنا نفكر فيها من منطلق ديني إسلامي، تعضيضا للمسيحيين باعتبارهم إخوتنا في الكتاب، هم أهله، منهم الربانيون، ومكانة السيد المسيح عليه السلام في قلوبنا عالية، ووالدته السيدة مريم ابنة عمران من الطاهرات، في فلسطين كنيسة القيامة، وقبة الصخرة، ومآثر القديسين، ومولد الأنبياء، وموطن نشأتهم ورسالتهم وإنا نفكر فيها أيضا من منطلق ديني إسلامي مناصحة لليهود الذين تخدعهم الدعاية الصهيونية، فتحرف اليهودية عن حقيقتها، وتستغل اليهود لتحقيق أغراضها التوسعية الامبريالية حتى تستنزف خيرات المنطقة، ومعها امبرياليات الشرق والغرب لا يمكن إغفال هذا المنطلق، ونحن نفكر في فلسطين بحجة عدم إيمان بعض رفاق النضال منا بها، وانتماء هذا المنطلق إلى مجال الميتافيزيقا، فيكفي أن هذا هو الجانب الذي حرك الحروب الصليبية طوال اشتعالها في المشرق والمغرب العربيين، وما يزال يغذي الأوهام الصهيونية في "أرض الميعاد"، ويتقوى في ذلك بدعم الحركات الأصولية المسيحية في أمريكا خاصة(*) هذا إضافة إلى كافة الدعوات الوطنية والقومية هي دعوات ميتافيزيقية بالمعنى الذي يصبح فيه للميتافيزيقا حافزا على العمل، لا مثبطا له، وعنصرا للأمل، لا إعداما له

منطلق وطني، فتفكيرنا في فلسطين يتم  أيضا من منطلق وطني؛ إذ بدورنا عانينا آفات الاستعمار البغيض، يوم كانت إسبانيا في الشمال، وبعض الأطراف الصحراوية في الجنوب، وفرنسا في الوسط، تعيقان انطلاقة المغرب في طريق الحرية والتحرر والتقدم والنمو، تستنزف خيراته، وتقمع أهاليه، وتمسخ تاريخه، وتحدد مستقبله، فلا يمكن إلا أن نساند حق الفلسطينيين في مطالبتهم بحقهم ضد غاصبيه، ونقف معهم على طرفي رديف في خندق المواجهة للعدو الصهيوني، فهو عدو وطني بالمعنى الذي يظهر لنا فيه حرصه على عدم استقرار نظامنا السياسي، وتقدمنا الاجتماعي، وازدهارنا الاقتصادي، وانطلاقتنا الحضارية، ودسه من يعيق تحولنا الديموقراطي، ومصادقة خصومنا الإقليمين والدوليين، وخطبه ود ضعاف النفوس من قومنا حتى يزينوا له صورتهم لدى شعبنا، فيجد عندنا موطئ قدم بما يخدم طموحاته التوسعية، وأطماعه الامبريالية. إن تفكيرنا في فلسطين ينطلق من منطلق وطني، لأن غاصبها يعمل ضدا على أمانينا في الحرية والتحرر، وأشواقنا في التقدم والازدهار، وطموحاتنا في الديموقراطية والعدالة

منطلق قومي، وإن تفكيرنا في فلسطين مثل انطلاقه من منطلق أخلاقي وسياسي وديني ووطني، ينطلق أيضا من منطلق قومي. إن فلسطين عربية اللسان والتاريخ، وزرع كيان دخيل على تقاليدها التاريخية، وتراثها الحضاري في قلب الوطن العربي، نسف لأشواق الأمة العربية في الوحدة والحرية والتقدم، لأنه بلا وحدة يستحيل تحقيق الحرية، ومعها التقدم. إن التشظي القطري الذي نعاني آفاته الآن يساعد العدو الصهيوني على الاستقواء، لأنه يلعب على التناقضات القطرية. ولذلك نفكر في فلسطين من منطلق قومي، لأن وجود كيان دخيل يعوق مأمول الوحدة الذي نعيش على أمله منذ عقود، ومتى زال هذا الكيان يصبح الوطن العربي قد تغلب على واحد من أكبر عناصر الإعاقة الموضوعة في طريق تقدمه وازدهاره؛ إن بشكل مباشر، مثل الكيان الصهيوني، أو بشكل غير مباشر مثل ارتباطاتها بالدوائر الاستعمارية والامبريالية. لا يمكن التفريط في ميراثنا النضالي والتضامني مع الفلسطينيين نحن أبناء القطر المغربي قبل الاستقلال، حينما تأسست لجان لدعم اللاجئين من أبناء فلسطين، وكان مبعوثهم إلينا الشيخ "الطاهر الفتياني"، وبعد الاستقلال حينما تأسست "جمعية مساندة الكفاح الفلسطيني" مثلما لا ينبغي أن ننسى وقفاتنا التضامنية مع محنة هذا الشعب المكافح أيام الطلب الجامعي، حينما كنا ننظمها تحت الراية النقابية لـ"الاتحاد الوطني لطلبة المغرب" أمسيات شعرية وخطابية نارية. لا ينبغي أن ننسى هذا مثل عدم نسياننا دماء الشهداء البررة الذين سقطوا في ساحة الشرف دفاعا عن الكرامة الفلسطينية والعربية، فالدم العربي المراق لا ينبغي أن يذهب هدرا أمام إلحاح المهرولين على التطبيع مع الإرهاب الصهيوني الذي نجح في غسل أدمغتهم وتنظيف ذاكرتهم.

         إذا كانت هذه هي منطلقات تفكيرنا في فلسطين، فكيف من ثم نفكر فيها؟

 

كيف نفكر في فلسطين؟

 

         نفكر في ففلسطين ونصب أعيننا المقتضى الأول الأكثر ضرورة، ونقصد به مقتضى القضاء على آفات ثلاث: آفة المنابذة، وآفة المفارقة، وآفة المخاذلة.

آفة المنابذة: يحتكم الخلاف بيننا إلى الهوى، فينتبذ كل فريق منا مكانا يجتر فيه كيانه وذاتيته، بعيدا عن الكيانات والذاتيات الأخرى؛ فينابذها المنابذة الكاملة، لا هو منها هوية، ولاهما معا أمام مسؤولية حضارية فيها البناء هو القيمة العليا لا الهدم، الحوار هو المكسب الأسمى لا الإقصاء.

آفة المفارقة: ثم إذا آن للمنابذة أن تشتد وتستقوي بضعف أصحابها، أصبحت المفارقة معلومة بالمبدأ، يزعم أهلها أنهم أصحاب الفرقة الناجية، ومن فارقهم الهالكون، وأضحت مشهورة بالعمل، يدعي ممثلوها حرمة التشارك والتعاون والتواصل والتزاور والتراحم مع من غايرهم في المعتقد وخالفهم في المسلك

آفة المخاذلة: ثم إذا استوت المفارقة على نار الهوى، نضجت لحمة المخاذلة سما زعافا؛ فتنادت بالتشرذم، إذا دعت الدعوة إلى التجمع، ومالت إلى التمزق، إذا اقتضت الضرورة الوحدة، ورفعت شعار السكوت عن الحق، والانخذال أمام الباطل، إذا أزف ميقات الطغيان ليست المؤازرة خلق المتخاذلين، ولا المناصرة شيمتهم، ولا الدعم من شريعتهم، ولا المساندة من دينهم، فليس هناك إلا الانخذال والخذلان والتخاذل وبئس ذلك من الحال السيئ.

         نفكر في فلسطين إذن ونصب أعيننا على المقتضى الأول: القضاء على آفات المنابذة والمفارقة والمخاذلة. ومثلما نحتاج إلى هذا، نحتاج أيضا إلى المقتضى الموازي المتعلق بتأسيس فكر المواحدة، وفكر المؤالفة، وفكر المواجهة.

تأسيس فكر المواحدة: إنا طرائق قددا، في التفكير والتدبير، ولكنا ملة واحدة فيما يتصل بالقضايا المطروحة علينا حاضرا ومصيرا، قضايا الهوية والاستعمار والديموقراطية والتقدم والتنمية وحقوق الإنسان. نفكر فيها بالاختلاف لا بالائتلاف، ونقدم لها الحلول والنهايات بما يتواءم ومنطلقاتنا الفكرية والإيديولوجية ومطامحنا الشخصية، نختلف في وسائل نيلها وهي واحدة في النهاية، فلم لا نتوحد فيها تفكيرا وتدبيرا، هي الغاية ونحن الوسائل، وأيها الواصلة أخذناها بغض النظر عمن يملك شرف الوصول إليها

تأسيس فكر المؤالفة: إنا إذا توحدنا في قضايانا تلك، إن تفكيرا أو تدبيرا، فليس إلا عبر المؤالفة إمكانية تحقيق ذلك بين فرقاء الاختلاف؛ فالعقول مختلفة في التفكير، ولكن القلوب هواها مع حسن التدبير، وتأليف القلوب هاهنا، لا العقول، هو المراد لنا صنعه تأسيسا لنمط جديد في تداولنا الفكري حتى يتحقق ما نرجوه من حسن التدبير. فالقضايا واحدة، ونحن أمة واحدة، يفكر رجالها وليس أولهم بأحسن من آخرهم، وبأيهم اقتدينا اهتدينا، هم رجال ونحن رجال

تأسيس ممارسة المواجهة: إن القضية واحدة، ونحن أمة توحيد لا أمة تفريق؛ اكتملت لنا عناصر القوة، وننطوي على إمكانيات كثيرة، فلم لا نجعلها حقائق واقعية هي المتراس لنا في المواجهة الحضارية مع الخصوم الإستراتيجيين؟ نتواحد مؤالفة، ونتآلف مواجهة، ونتواجه مع عدونا الحضاري حسبنا إنضاج مواطن القوة في كياننا الثقافي، وتراثنا الحضاري، والاستقواء بما يميزنا كتجربة حضارية باسم التجدد والانطلاق، تكريم الإنسان وعزته وفضله، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، والصلاة رفض لطاعة خارجية إلا للمطلق الإلهي، والزكاة تكافل اجتماعي، وصلة الرحم تواصل اجتماعي، والإيثار فضيلة أخلاقية، والعفو عند المقدرة خلق المتسامح.

 

اعتبارات التفكير في فلسطين

 

         إنا بعد أن نقضي على آفات المنابذة والمفارقة والمخاذلة، ونؤسس لفكر المواحدة والمؤالفة والمواجهة، نمضي إلى التفكير في فلسطين باعتبارات كثيرة نجملها في ثلاث: فلسطين باعتبارها عنوان الهوية الحضارية، وتحديها، وإبداعها.

التفكير في فلسطين باعتبارها عنوان الهوية الحضارية: إن التفكير في فلسطين باعتبارها عنوان الهوية الحضارية، يستند على عاملين أساسيين هما العامل الديني والعامل القومي. وحسبنا تدليلا على أهمية هذين العاملين، مما يمكن أن يقع لو تم "تهويد" الأرض الفلسطينية برمتها، بأماكنها المقدسة إسلامية ومسيحية. إن التاريخ بكامله سينتهي ليبدأ تاريخ صهيوني جديد، ويمضي إلى التاريخ السابق عليه، بشقيه المسيحي والإسلامي إلى الاضمحلال المهين، فلا أثر له بعدئذ يذكر. وحتى إذا ما ذكر، فليس إلا بالزيف والتشويه. فهل يعتبر هذا من العدل الحضاري والتاريخي؟ هل من العدل أن يمحى تاريخ بأكمله مسيحي وإسلامي عربي لصالح عرقية شوفينية مركزية؟ ماذا يبقى لمن يروا في فلسطين مولد المسيح ونشأته ونبوته؟ ومسرى النبي العربي وأولى القبلتين، وثالث الحرمين، من شئ يذكروه عن مشروعيتهم الدينية، وشرعيتهم التاريخية، وموئل انتمائهم القومي؟ إن التفكير في فلسطين باعتبارها عنوان الهوية الحضارية، في بعدها الديني والقومي، حاجة مصيرية في سياق الطمس الجاري لهذا العنوان من الوجود الحضاري والتاريخي، عبر سرطان التطبيع اللاهث وراء العافية المتبقية في الذات العربية.

التفكير في فلسطين باعتبارها عنوان تحدي الهوية الحضارية: في فلسطين يأخذ الصراع الحضاري كثافته الدرامية الحقيقية، ويختزل كافة أنماط الصراعات التي تشهدها باقي أقطار الوطن العربي؛ فهو صراع بأبعاد دينية وقومية ولغوية وتراثية وثقافية وسياسية واقتصادية تخوضه الأمة العربية الإسلامية مع عدو حضاري متعدد الألوان والألبسة؛ فهو بالأصالة عن نفسه امبريالية، وبالنيابة عن غيره صهيونية، وبالوكالة استعمار. ولذلك يقتضي الأمر التفكير في فلسطين باعتبارها تحدي الهوية الحضارية، إذ فيها يجري مسخ تلك الهوية، وإلحاقها بغيرها تبعية؛ تمهيدا لإزالتها نهائيا من خريطة الوجود التاريخي وجغرافيا الحضور الإنساني فلا كانت، ولا كانت ينبغي أن تكون، وهي قط لن تكون لو كانت

التفكير في فلسطين باعتبارها إبداع الهوية الحضارية: ثم أن تكون فلسطين عنوان هويتنا الحضارية، وتحديها قائم على الحفاظ عليها من المسخ والتشويه، معناه نيلنا الفرصة التاريخية لإبداع هوية حضارية متجددة على شروط نهضوية جديدة.من هنا ضرورة التفكير في فلسطين باعتبارها إبداعا لتلك الهوية الحضارية المتجددة. لا يتعارض عندنا وجود هوية حضارية مع إبداعها، فما نحتاجه من المضامين الجديدة. أما الأشكال القديمة فلا ضير عليها لدينا. والأمر المؤكد هو أن معركتنا في فلسطين قضية تشي، منذ كانت إلى اليوم،  أن شيئا ما ليس على ما يرام فيما نملكه من هوية؛ فلم لا نخضعها إلى سؤال الاختلاف والاستفهام والنقد وإجراء التفكيك حتى تضخ في شرايينها دماء جديدة. إن التفكير في نظر جيلنا يقترن بالتدبير، ولذلك ينبغي الانتقال من التفكير في فلسطين إلى تحريرها. صحيح إن التفكير شرط التحرير، ولكن التفكير ناقص الفضل دون تدبير، ناقص الفضيلة دون تحريرفكيف نحرر فلسطين؟

 

كيف نحرر فلسطين؟

 

         نحرر فلسطين عبر تحرير أنفسنا أولا، فليس هناك من يستطيع تحرير شئ، وهو يعيش حالة الأسر والعبودية. لا يستطيع الواحد منا تحرير أرضه ويداه مكبلتان. يلزمه تحرير يديه من الأغلال، ونفسه من القيود، حتى ينهض بتحرير أرضه. هكذا هو حالنا: ينبغي لنا أن نتحرر ذاتيا لكي نحرر موضوعيا فلسطين. ينبغي لنا تحرير أنفسنا من:

الاستعمار بلونيه السياسي والثقافي والحضاري والاقتصادي، إما بالأصالة أو بالنيابة. فكثير من ثغورنا مستعمرة، وكثير من شؤوننا في الحياة مستلبة. لم نستطع تأسيس وعي صحيح بذاتيتنا، ولا إدراكا سليما لشخصيتنا، ولا تبلورت لدينا رؤية واضحة عن عناصر هويتنا؛ لأنا ما زلنا مسكونين بالاستعمار الثقافي، ورهائن للاستعمار الاقتصادي، وموضوع ضغط من الاستعمار السياسي. لا نصنع القرار، أو نصنعه إلا بتأثير من الآخر، وليس استجابة لمصالحنا وإرادتنا.

التبعية، بجميع أبعادها، فآفة الاستعمار التي ابتلينا بها، وما زلنا، خلفت لدينا شرائح من الناس تدور في فلك الغرب الحضاري، وفاتها أن الحضارة مبنية للتعدد والاختلاف، لا بالوحدة والهوية. لا وجود لنمط واحد من الحضارة، هناك أنماط عدة ومتنوعة، والإمكانات الحضارية ما زالت في شأن كل يوم. ينبغي، للقضاء على التبعية، تأسيس فكر الشخصية الحضارية، وبناء العقيدة الوطنية، وبلورة فلسفة الذات المنفتحة المتحاورة، المعتزة بهويتها الحضارية. ينبغي القضاء على التقليد، إما للقدامى فهم رجال ونحن رجال، وعدم اجترار ما فكروا فيه، فلعصرنا قضاياه، ولأمتنا مشاكلها. النصوص منتهية، والحوادث غير منتهية. ينبغي القضاء على التكرار، وخلق دعائم الحوار؛ فالتاريخ تاريخ حوار، لا تاريخ تكرار، والمستقبل للتجديد لا للترديد.

التخوين والتكفير، بكافة صوره؛ فالتخوين، سيف مسلط على من يفكر في وطنه، ويجب وضعه في متحف التعصب قطعة أثرية في درس التسامح والحوار والائتلاف والوحدة فتلك مسؤوليتنا. والتكفير زائدة دودية، ترهب كل من يحاول التفكير في دينه وشؤون أمته، ويجدد لها رسالتها الدينية والتاريخية، ويعطيها إمكانات العيش المختلفة فبدل التخوين والتفكير، ينبغي إقامة علاقات الحوار والفهم والتواصل.

الاستبداد بجميع صوره، فهو عائق دائما أمام تفتح الحرية، وازدهار المبادرة المختلفة، وتلاقح الحس الجماعي مع حاجة العصر. ينبغي القضاء على الاستبداد والدعوة إلى إعادة التفكير في مفهوم السيادة حتى لا يركب أحد الأطراف السلطة لكي يشتط فيها، ويمارس الاستبداد على غيره بشرعيتها. فالقضاء على الاستبداد الاجتماعي، بخلق تكافؤ الفرص في الشغل والتعليم والصحة والسكن والعطلة، والاستبداد الاقتصادي، بجعل اللامركزية حقيقة جغرافية لا ورقية، تصرف فيها التنمية الحقيقية بنسب متصاعدة.

إن تحرير فلسطين يمر عبر تحرير أنفسنا من الاستعمار والتبعية والاستبداد والتقليد والترديد والتخوين والتكفير. ثم بالموازاة تأسيس فكر الاستقلال والديموقراطية والحرية والإبداع والاجتهاد والتجديد والحق في الاختلاف وروح المؤالفة والمواحدة

إن الطريق إلى فلسطين يمر عبر أنفسنا، فمتى كنا أحرارا أصدرنا القرار الحضاري بتحرير فلسطين، ولن تنقصنا الإرادة الشعبية لذلك حتما!!

 

 



(*)فلسطين كأفق للتفكير: من التفكير إلى التحرير. "الأنوار" اليومية.  من 6 إلى 9 يناير 1997.

 

(*) انظر: "البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني دراسة في الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية" في هذا الكتاب.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home