القلم النقدي

 

ملاحظات نقدية

عبد الكريم عبد الرحيم



 

 

ملاحظات نقدية للعثور على الحياة المشتركة بين الإنسان و اللغة

 

* عبد الكريم عبد الرحيم

                       

لا يمكن أن تستكين لدعاوى الحداثة والهمس وما بعد الحداثة، وأنت تجرب الخروج على الفراهيدي وابن جني والمتنبي، لا بد من مشاكسات، لتقفل فانوسك السحري، وتقف على زيتونة الوطن، تحبُّ أن تشرب من نسغ الحياة، من شرايين المعرفة المصطفاة، وأنت تعرف أن المرور بدهشة مخيم جنين، بالمقاتل الذي أدمن لغة الحياة، وانتزع وسامها ، خير من المكوث تحت غبار تجربة الاستنساخ في تجربة الحداثة الغربية، المخضبة بدماء الشعوب، وثرواتهم ومرجعياتهم، تلك الثقافة التي تلقفها بعض المثقفين العرب، فحملتهم على قرن الشيطان إلى موائد اللعنة والصَغَار، فجعلوا من التجديد جنازات للصدق والإبداع والحب والوجود .

      

 يقول سميح القاسم في مقابلة مع محطة "دريم" المصرية: لتعلموا أنه لو طبّع 357 مليون عربي مع إسرائيل ، فإن واحداً من العرب لن يطبّع معهم هو سميح القاسم.

كان لا بد من هذه المقدمة المباشِرة قبل البدء، بالحديث عن الثقافة و الإبداع و الدلالة، ومذاهبها، لغتها ، الأسلوبية، الحداثة، وما إلى ذلك مما تستطيع مقالة حمله إلى المتلقي العربي.

الشعر العربي والرواية العربية، حملا الهم الإنساني في القضية الفلسطينية التي يقول فيها الدكتور كمال أبو ديب وهو مدرس الأدب العربي في الجامعات البريطانية: القضية الوحيدة التي لا يختلف العرب والمسلمون فيها هي القضية الفلسطينية، في معرض حديثه عن رواية إلياس خوري التي وثقت لنكبة فلسطين وإنسانه والتي تُرجمت إلى معظم لغات كوكبنا الأرضي .

ويعتبر إلياس خوري في كتابه دراسات في نقد الشعر  "الطبعة الأولى 1979 والثانية 1981" المؤسس لرؤية نقدية عربية في العصر الحديث، وفيه يقول في الصفحة "15" : هل من المنطقي أن تؤخذ المعاني من طريق ويؤتى بالصناعة من طريق آخر؟ ويخلص الخوري إلى أن لغة المستقبل أو اللغة الجديدة القادمة مع النموذج الجديد، ولئن كانت اللغة هي وعاء الإبداع بمفهوم وهي الإبداع عينه بمفهوم آخر، فإن الأسلوبية الحديثة في الأدب والشعر والرواية بخاصة، وجدت لنفسها مهرباً من الدلالة مستندة إلى مدارس ما بعد الأيدلوجيا،

يقول غابرييل غارسيا ماركيز : " على أني أعتقد أن كتابة أدب سيئ ، تعرقل مسيرة العملية التاريخية نحو الاشتراكية ،تحفظي تجاه ما يُعرف بالقصة الاجتماعية الملتزمة ، فيكمن في طابعها الجزئي التجميلي ، الذي يعطي القارئ صورة جزئية عن العالم و الحياة . . . في رأيي أن القارئ في أمريكا اللاتينية ، لا يحتاج إلى من يقصُّ عليه مآسيه و اضطهاده و غياب العدالة الاجتماعية .إنه يعرف كل هذا و يعاني منه يومياً ، و إنما هو بحاجة إلى أدب جديد ، ففي الأدب الجديد تحريض و توعية ."  ( في مقدمة مائة عام من العزلة ترجمة : د . سامي الجندي و إنعام الجندي) .و في هذا ربط بين الجدة و الدلالة بشكل ما و ابتعاد عن الشعاراتية التي كانت محرضاً لرفض الأيدلوجيا ، فماركيز يشير إلى ذلك بوضوح في خطابه النقدي لم يبتعد عن الدلالة ، و لكنه يبحث عن الأدب الجديد الذي يحمل التحريض و التوعية ، و هو الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1983 .

 وهنا تكمن مصيبة الأدب الفلسطيني المعاصر كغيره من الشعر العربي باستثناءات قليلة ربما يمثلها في سورية الشاعر مصطفى خضر صاحب مجموعة "حجارة الشاعر"، كما يمثلها من شعراء فلسطين مجموعة شعراء الشتات في سورية، وبعض شعراء العراق المعاصرين ،وبعض شعراء فلسطين في الجزء المحتل منها. وغالبية شعراء حمص .

اللغة: فقد الأدب الفلسطيني والشعر بخاصة سمة التشابه ، التي جعلت كثيرين من الشعراء يقعون في معجم محمود درويش ، وفي لغته المتميزة - شعره -وصورته وبنائه للقصيدة، وربما كان هذا في الفترة التي كان فيها يقول سجّل أنا عربي ، وامتداد هذه المرحلة إلى البندقية التي كانت بينه وبين ريتا.

عندما سقطت تلك البندقية، لم يبق في معجمه إلا الذين خشوا أن يكونوا في صف الحياة أو المقاومة، وربما بدا ذلك واضحاً في المقارنة بين قصيدته في محمد الدرة التي قالها على خجل وبين قصيدة شاعر مهم لكنه ما زال مغموراً في غزة هو سائد السويركي:

أغمض عيونك يا حبيبي.. نمْ قليلاً / تحت ظلِّ رصاصة عبرتْ سمانا / كالسحابة / نم قليلاً / آنَ أنْ ترتاحَ من غيم السؤالِ / وآن للشفتينِ أنْ تتسلقا سورَ الإجابة /ويختتم نصه :

قل للأرضِ.. لو جنحوا تجاه السلمِ / فاعلم أنها الرايات تزرع في أكف الحربِ / لو جنحوا تجاه السلم.. عدّ أصابعَ الكفين ِ / دعْ عينيك تبصرْ ظهركَ المطعونَ / يحضنُ خبزَكَ الأسمر.

إن اللغة المبصرة، اللغة التي لا تمحو ملامحَها طقوسُ العبادة في حضرات المترجمين، ومانحي الجوائز ومنظمي المهرجانات هي لغة البقاء والحياة، لغة جديدة وبلاغة جديدة.

من أجل دلالة لا يعتريها الشحوب، ولا تقع في الشكلانية.

الدلالة: أعجبتني صفة الدلالة الهدى، عندما تحدثت في مقدمةٍ عن أدب الشهداء وفي مقدمتهم الروائي والقاص غسان كنفاني، فلماذا اغتيل الكنفاني، هل لأن إبداعه امتاز شكلاً ولغة وفناً؟ ربما يكون هذا السؤال الساذج مفتاح مفهوم الدلالة من جهة التماس مفهوم الحداثة، فالأوربيون كانوا نماذج ثقافية للمذاهب الأيدلوجية والاجتماعية السائدة، باستثناءات لوركا الدلالة أو رامبو الدلالة وكل منهما نموذج خاص لدلالة لا تتكرر، ومن هذا اللون لمفهوم الدلالة كان غسان، لم يتكرر كمفكر ولا كمبدع ولا كمناضل، الدلالة في أعمال الكنفاني الأدبية تمثل رؤيوية المقاومة كبعث للحياة وتجديد لها. و استشراف للغة المستقبل ، وهذا ما ميزه كأيدلوجي في أم سعد، تحتشد فيه الروح والدموع والأمكنة والأحياء والخيام والزغاريد والفقر والمقاومة التي تصنع الحياة ولهذا اختلفت خيمة عن خيمة ؛ خيمة التشرد والذل والوحل وخيمة المقاتل بكل مشاهدها الإنسانية الحارة.

الدلالة ليس بمباشرة الأشياء وحسيتها، وإنما باكتشاف دفئها وزمرة دمها وكيفية تفكيرها بالخلق والكون والبقاء والوصل، بالرمز تخلقه الوقائع الاجتماعية فتمنحه اللون والرائحة والبهجة حتى في لحظات الموت بحثاً عن البقاء.

الدلالة لا يمكن إلا أن تكون لها مرجعية أيدلوجية، لأن أي موقف حتى الإبحار بحثاً عن المتعة والجسد والذهب أو عشبة البقاء يرجع إلى أيدلوجيا، مثله مثل الشعر الهامس أو المكتوب على لوحات قماشية أو على الجسد، فلماذا يكون هرب بعضهم من الأيدلوجيا مدعاة للتنازل عن الوطن.

و ليس من الحكمة أن يأخذنا التفكير إلى أن دعاوى غياب الأيدلوجية ( المذهب الفكري أو المرجعية ) في النقد و الأدب عموماً ، يعني ولادة أدب و نقد لا علاقة لهما بالأيدلوجية .

كما أنه ليس من الحكمة أيضاً ادعاء أن الحداثة ليست ضرورة أيدلوجية ، أو أنها لا تعبر عن موقف من الحياة و المجتمع و الاقتصاد و الفن .

إن الحالة الإبداعية لا تأتي من فراغ ، ليست وحياً يهبط على مبدع لا علاقة له بما يجري حوله من حب و كراهية و حرب و سلام و فقر و غنى ، إن الإبداع تعبير عن مخزون ثقافي و عن كل ما ذكرنا ، و لا يمكنه أن يكون لوحة بلهاء لا تنطق ، أو قطعة جليد لا تشعر .

    الأيدلوجية الدخول إلى الإبداع : الحديث النخبوي الآن عن الديمقراطية ، ألا يشبه إلى حد بعيد أحاديث النخب نفسها عن الماركسية و اليسار قبل نصف قرن  ، إن الحاجة الإنسانية إلى الإبداع ، كحاجتها إلى أسباب المعيشة اليومية ، كحاجتها إلى الحب و المصنع و الحقل ، بل إن الإبداع يشكل بنيتها الروحية ، التي عبرت عنها الأديان و الفلسفة ، ولا أعتقد بأن مقاتلاً أو أسيراً كان يمكن له البقاء لولا مخزونه الروحي الدفيء ، و لا أعتقد بالوقت نفسه بأن الغرب ولّد مدارسه الإبداعية لولا ذلك أيضاً ،و دون شك إن تقبل ثقافة الغرب للطريقة التي استشهد فيها محمد الدرة تحت أضواء الكاميرا ، يأتي من رؤية ثقافية تمثل حداثته ( أيدلوجية )  ، أوَ لم يكن للإقطاع مرجعية فكرية و ثقافة سوغت له اصطياد الإنسان الأفريقي ، و بيعه في أسواق النخاسة بعد حمله بالسفن إلى شواطئ الغرب الأكثر غنى و ثقافة قياساً بثقافة أفريقيا آنذاك ؟.

أليس الغزل تعبيراً عن أيدلوجية ، إذن لماذا كثر شعر الغزل في الحجاز لدى تأسيس دولة بني أمية ، و لمَ افتَنَّ المغنون في هذا العصر بعد انتقال العاصمة إلى دمشق ، و لم كان الموشح في الأندلس ؟

و اليوم الأدباء إبراهيم سلامة و إسماعيل دبج و حسن عبد الله في رام الله و غيرهم، هل كتب هؤلاء لولا تجربة الأسر المريرة ، و لولا الإرهاب الفكري و العسكري الذي مارسه الصهاينة ، أَ وجد الفلسطينيون أنفسهم يكتبون الرواية و الشعر بالطريقة نفسها التي يكتبون بها الآن ؟

دون شك هناك إبداع ينهض عندما تشتد مقاومة الناس للاحتلال ، و هناك أدب موازٍ يدعو إلى قتل الفلسطينيين و يستمتع بمذابح صبرا و شاتيلا يكتبه صهاينة معرفون ، أو ليس هذا أدباً ، أ ولا يحمل هذا الأدب ثقافة و له مرجعية فكرية ينتمي إليها و يعبر عن أيدلوجيتها.؟ و لو أنني أعتبر ما كتبه الصهاينة الأصوليون لا يعدو كونه زمراً يسبق القتلة و الإرهابيين إلى مسرح الجريمة .

إن مناصبة الأيدلوجية العداء ، هو موقف أيدلوجي و ينبع من أيدلوجية ، و لكن تختلف المشارب و المذاهب .

والدلالة الهدى ثانية في أدب وفكر فلسطيني، ولدا في جبهات المقاومة، في المخيم والخندق، والتعبير الرائع عنها في رسالة خاصة لابن نوح للشاعر العربي أمل دنقل، وفي قصائد سيلة الظهر للشاعر خالد أبي خالد، وفي أم أحمد للشاعر الفلسطيني صالح هواري، وفي إبداعات عصام ترشحاني ومحمود حامد وغيرهم.

والدلالة الهدى ثالثة فيما ولدته سجون العدو، أدب يفيض بالحياة وفكر لا يستسلم، وشعر لا يئد الرجال، ولا يستبيح حرمة الأرض، أدب يصنع المستقبل ويدل إليه بقوة.

ودلالة رابعة مشاكسة لا تعرف الاسترخاء، عشاق مجانين، في الحياة الفلسطينية، لا يروق لهم النزول عن المقصلة دون السباحة في شواطئ عكا وحيفا ويافا وغزة وخان يونس، رشاد أبو شاور عدنان كنفاني بشار إبراهيم وآخرون لا أستثني نفسي منهم في جمعية الشعر الفلسطينية التي يندرج حباً فيها معظم الشعراء العرب وعدد كبير من الروائيين العرب.

 حكاية الدلالة ليست ضوضاء الخطابات في السوح والمنابر، إنها الاندماج الروحي والجسدي في الدلالة واللغة من أجل محصلة معرفية جمالية، وولادة كما يحصل في الطبيعة حين ترفع السنابل الخضراوات الرؤوس في الحقول، وحين تتفتح أكمام الحب في القلوب، حين يصبح المتراس دار عبادة، وحين لا يَنتجُ في " الهرولة " عباد صغار في جمعيات أهلية تمولها جمعيات الغرب المختلفة، والتي أعادت إنتاج حداثتها على مقاصل أطفال فلسطين، وعلى محارق زيتونها.

أخيراً لا بد من تأكيد ارتباط الدلالة بالشكل الجديد لإنتاج الأدب الجديد أدب الحياة و قد فطن إلى ذلك الآمدي في موازنته حيث كان يشير في غير موضع إحسان أبي تمام لفظاً و معنىأو قوله: و هذا من أحسن معنى و أحلاه ، و ما فتئ يبين جمال الكلام و الصورة و المعنى فيما ذهب إليه من موازنة .

 

الأسلوبية الحديثة:                                         

 إن الاهتمام الواسع بالأسلوبية في الشعر العربي المعاصر، يدفعني إلى السؤال : هل تختلف هذه النظرة الأسلوبية إلى الشعر، عن مدرسة البديع التي حمل لواءها مسلم بن الوليد وأبو تمام ومن ثمّ المتنبي ؟. وما الفارق الرئيس بينهما؟.

ترافقتْ هذه الأسلوبية المعاصرة بالدعوة إلى الهمس، والأنا – الذات -، والنأي عن الأنا الجمعية، وفي التطبيق العملي للنقد، قامتْ بدراسة الألفاظ المفردة، وتراكيبها المختلفة،والصورة، ولم يكن فيها أكثر من إشارات إلى المضامين واكتفت بنعوت الرؤيوية، والحداثية، وأحياناً موت المؤلف، وما إلى ذلك من المصطلحات النقدية، التي شغلت النقاد والشعراء، والتي تمركزت حول عدد من النقاد الغربيين ومدارسهم النقدية.

شيء واحد لفت نظري في كلام ناقد أكاديمي يستخدم كثيراً من أدوات النقد المعاصر، إشارة إلى مسعى/ تأسيس النقدية العربية /، وهذا مهم جداً، وبخاصة إذا كانت الأدوات النقدية، لم تقتصر على ما قدمته مدارس النقد الغربي، بصفتها العلم المبني على الإبداع الغربي، ورؤيته الأيدلوجية للكائنات،ومن ثَمَّ نظرته إلى التفكير والاقتصاد والسياسة والمجتمع.

و فيما يرى بعض النقاد " نحن نزعم أن مشكلات مجتمع ما بعد الحداثة بالرغم من أنها تجابه المجتمع الغربي المتقدم أساساً ، هي مشاكلنا أيضاً . " ويرى آخر : " و يتندر هاشم صالح و هو يقول :إذا كان فيلسوف فرنسي مثل ميشيل فوكو أنفق حياته الفكريةكلها في نقد طغيان المؤسسات على الفرد الغرب في إطار مجتمع رأسمالي متحكم ، ماذا يهمنا نحن من أفكاره هذه ، إذا لم تكن عندنا أصلاً مؤسسات ؟ ! . " ( مجلة عالم الفكر العددان الثالث و الرابع 1988 ) .

الإشكالية قائمة ،و يمكن النظر فيها من زوايا مختلفة :

الدونية و الغرب :

في هذا الموضوع الشعور بالدونية التي يحس بها عدد من المبدعين و النقاد العرب تجاه ما قدمه الغرب من نقد و إبداع .

قيل ليس هنالك ملحمة في الشعر العربي ، و بعد سنين كانت ملحمة جلجامش  و غيرها ، نحن لا ننكر أهمية سبقهم في كتابة الرواية و المسرح ، لكن ذلك كان ضرورة حياتية لمجتمعاتهم ، و كذلك المقالة ، لكن تطور مجتمعاتنا ولّد في مرحلة من التاريخ رسالة الغفران

و حي بن يقظان لابن طفيل ، و علم الاجتماع لابن خلدون ، و الشعر العربي قديمه و حديثه مازال يشي بعمق ثقافة الإنسان العربي ، و هو معيار و مقياس للشعر الإنساني و بشهادة ناقدين مهمين من الغرب نفسه .

و أنا لا أرمي في هذا إلى نيل السبق في جميع مجالات الإبداع و النقد لكنني أقول كتبنا في النقد ، منذ كانت أسواق العرب المشهورة . . إلى المجلدات التي بحثت في اللغة و الصورة و البنية و البلاغة و الدلالة و الصدق و الصوت و الموسيقا و حتى الألوان و الرائحة و ما إلى ذلك من جناس و طباق و همس و نبرة و تدخل في ذلك فلاسفة مرموقون ، و لكن هذا بقي شتيتاً ، و لم يقيض له ناقد فذ يجمع و يدقق و ينتهي إلى جديد مفيداً مما ذهبت إليه الشعوب الأخرى بل ابتلينا بببغاوات ، تردد ما يقوله الآخرون خجلين من ذكر انتماءاتهم أو جذورهم .

لا أدري كيف يمكن لناقد معاصر يرتكب أكثر من خمسين غلطة لغوية مكتوبة في مقال ، أن يستطيع استنباط أصول النقد الذي اتبعه الآمدي في موازنته و أحياناً أشك في أنه سمع بالآمدي أو ابن سلام في طبقاته أو .. غيرهما من النقاد العرب ، بالإضافة إلى أن معظم النقاد الرواد في العصر الحديث الذين أفادوا من النقد الغربي انتهت دراساتهم إلى حيث قالوا و لم يتابع عملهم أحد من المعاصرين الذين اهتموا بالترجمات و تطبيقاتها على الأدب العربي ، دون الالتفات إلى خصوصية المكان و الزمان و الحياة العربية .

  نحن أمة تركت على الأرض آثاراً مدنية ما زال التنقيب و البحث يكتشفان الكثير من أهميتها التي تؤثر في التاريخ البشري ،و تعيد كتابته ، و ما زلنا بانتظار أن يُكشف النقاب عن كثير ، كما حصل في ايبلا ، و إذا كانت الأبجدية الأولى من بلادنا فمم نخجل ، و نحن نحاول أن نقول كلمتنا في أدبنا ؟ !

نؤثر في حديثنا هذا أن نشير إلى ضرورة العمل على تأسيس نقد عربي ، يحمل سماتنا ،و هو عمل يبشر به بعض الأكاديمين الجادين ، كما نشير إلى أن الرواية العربية استطاعت أن تحمل سماتنا ، و تعبر عن حياتنا بصدق و عمق ، روايات نجيب محفوظ عبد الرحمن منيف غسان كنفاني حنا مينة إلياس خوري رشاد أبو شاور وكثيرون لا أستطيع ذكر أسمائهم هنا ، تقدمت على الرواية الغربية بدليل نوبل و نجيب محفوظ و آخرون يحول دون حصولهم على نوبل موقفهم السياسي و الاجتماعي و الفكري من مانحي الجائزة ، و النقد قادر أيضاً أن يفعل ذلك و لكن مازلنا ننتظر ! .

المحافظون : ومقابل هؤلاء ما يسميهم بعضهم المحافظين الذين لا يرون شيئاً عند الآخر ، و لا يقبلون نقد الموروث أو تقويمه ، و يجزمون أن العقل العربي قدم في عصوره الذهبية و كفى .

ملاحظات :* كان يشدد الدكتور شكري فيصل على رفض الطرفين مؤكداً أن العصر العباسي شهد الحالين معاً و أن عصر الفكر العربي الذهبي ابتدأ بجيل ثالث استوعب حضارة الآخر و تمثلها مع فهم تراثه و استيعابه ، ثم قدم نهجه الجديد . ( مجموعة محاضراته في النقد عند العرب جامعة دمشق عام 1967 ) .

* الترجمة ملأت معظم كتب النقد العربي ، و كأنها بديل عن الإبداع الذاتي ، و هذا ما سيؤخرنا عقوداً عن إبداع نقد عربي .

 * إن حداثة المذهب لا تأتي من فراغ، لا يمكن مثلاً أن تكون صوفياً وأنت ماديّ، كما لا يمكن أن تكون محافظاً وأنت مجدد، الحداثة الغربية هي تمركز هذا الغرب حول ذاته، وهي سلطوية بامتياز، لأنها ترفض الآخر، وتؤسس لإعادة إنتاج الأدب بما ينسجم ومنطلقاتها، وعندما تمضي إلى ما بعد الحداثة، تؤكد نرجسيتها، وإعجابها بذاتها . ودون شك إن بناءها الروحي، لا يمكن أن يستمد مفرداته، إلا من الرؤى التي أسست لفكرها ومن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

وربما حفزني إلى التوقف حول الحداثة الأسلوبية تكاثرُ بيوض هذه الحداثة، في دفاتر النقد العربي الآن، وكثرة الأسماء المعتَمدة في هذا النقد، بالإضافة إلى ما أنتجته من أدب، وما أشبه هذه المرحلة بالحال التي عاشها العرب عندما ترجموا  الفكر الإنساني، أواخر العصر الأموي وما طرأ عليه من جذب ورد في العصر العباسي ، و هذا ما أشار إليه أستاذنا المرحوم الدكتور شكري فيصل . ويمكن أن أجد نموذجين الآن من النقاد:

1 – نقاد يتحدثون في النظريات النقدية استنساخاً للغرب ، دون النقد التطبيقي على الإبداع العربي .

2 – قلة من الناقدين:

أ – يطبقون النظريات النقدية على الشعر العربي، وجل اهتمامهم بالأسلوبية.

ب – يطبقون النظريات النقدية، ويدرسون النصوص، وهم أكثر دراية باللغة العربية ونقدها القديم والحديث، وثقافتها، وهم ندرة، ربما يكونون البدايات لحركة نقد عربي.

في هذا الاستعراض الموجز، أردت التحذير من "الاسلوبية في النقد" كبديل عن النقد الأيدلوجي ، الذي ساد منطقتنا العربية (والذي أفهمه أنه مبني على الالتزام الفكري وليس كسلطة تملي وتفرض). والذي لا يمكن لنقد أن يتخلى عنه، مادمنا نبحث في شكل ومضمون أي نص . مهما كان ما ذهب إليه في المدارس الأدبية.

إن الاتجاه إلى الأسلوبية ليس بالجديد على الفكر الإنساني، وإنه لمدمر ومشوه للإبداع.

إنه تماماً النظر إلى المرآة مع غياب الصوت والحس والعقل. كمن يبحث عن امرأة فائقة الجمال لكنها بلهاء!

والمأخذ الآخر هو تقطيع أوصال النص دون إعادة جمعه، فهو مخالف للطبيعة الإنسانية، إن الشعر المبتور لا يثير فينا الإحساس بجماله، بقدر ما يثير الفزع والشفقة وربما القرف.

إن النص يمتلك جماله وحياته، الجمال الذي يشكله التآلف والجمع والانسجام، الخلق الحقيقي، أي الشكل والمضمون المعبران عن القلق الإنساني، كما في المخلوقات الجميلة جميعها، والتي تشكل الحياة جمالها، وربما نجد في الموت جمالاً ما، كما وجدوا جماليات القبح، ولكن في الأحياء .أما التشويه والبتر، فمسألة من نوع آخر.

الأسلوبية وحدها نكوص، ارتداد، لكنها جزء مهم من عملية نقدية متكاملة، لا يمكن مثلاً قبول نقد يبدو فيه الناقد جاهلاً بعلوم اللغة وفقهها، جاهلاً بعلم جمالها، مدعياً تجاوز أسرارها، بما عتم الجهل في مداركه، أو بما يريده هو من تشكلات في اللغة، وربما كان جهل أميٍّ مضحكاً، أمام تجاهل أكاديمي، لدوافع يمليها عليه تمكنه من لغة أجنبية يتقنها ؛ فيغرق في لجة الآخر، ويصبح المولود غير الشرعي، لناقد بتَّ الصلة بين تفكيره، وبين ثقافة مجتمعه التي تشكل المقاييس والمعايير؛ لاسيما إذا كان المجتمع في مرحلة مخاض، يؤسس في مقاومته للمشروع التصفوي مشروعاً نهضوياً، مشروعَ بقاء وحياة تزخر بالإبداع.

فالأسلوبية العربية لم تنقطع عن الفكر والحياة والفلسفة والدين والحرب والسلم، لذلك منحت الإنسانية الأدب الخالد، فأيُّ أسلوبية يمضي إليها الشعر والنقد الآن؟

يكذب الناقد! حين يريد أن يقفز إلى دائرة ضوء التبشير والتشهير، والانتقال من موقف إلى آخر، ينزع جلد وجهه، ويلحس مواقفه المكتوبة والشفهية ، ولا أعتقد لأنه قرأ كتاباً جديداً في الأسلوب والحداثة الغربية، بل لأنه يريد أن يحقق سبقاً ويبرز أستذة لا يستحقهما.

إن إطلاق أحكام القيمة دون دراية أو دربة بنقد لا يعتمد إلا على الأسلوبية مضيعة للوقت.

وبخاصة عندما يفقد المصداقية، وحين تتبدل المواقف مع الأهواء،  إن اعتماد المحو ليس مأثرةً، في المحو يتساوى الأكاديمي والجاهل، ويخسر المبدع فرصةَ أنْ يحمل الأكاديمي مفاتيح المعرفة إلى المتلقي.

نحن أمام مجزرة، يرتكبها الدعاة الجدد إلى الحداثة الأسلوبية، تبدأ من إطلاق الأحكام المسبقة الصنع، وتصدر الأوامر إلى المبدعين، وتعدم النصوص.

نحن بحاجة إلى ثقافة وإبداع يلائمان بين اللغة الجديدة وبين حياة المخيم والمعتقل وجنازات الشهداء؛ ومبدعونا في هذا المجال أصواتٌ تُكسِّر جليد الموت وتحقق وجودنا الإنساني.

المكان بين تضليل المصطلح و حقيقة الحياة :

المكان شيء متصل بهذا كله ، البيئة ينمو فيها الإنسان و تتشكل لغته ، و من ثمَّ لهجته و لسانه فيها أيضاً ، عندما كان البدويُّ يتنقل في الصحراء ، أ لمْ تقل المطالع الطللية الكثير عن المكان ،الذكريات و الماضي بحضوره القويّ ، الحب و الحرب و الغزو بمعنى أدق ، أدهشنا العربي بما افتنَّ من أساليب التعبير عن هذا المكان ، تماماً كما كان الشعر العربيّ و الفلسطينيّ حين تحدث عن الوطن ، تماماً أيضاً كما تحدث عنه أبو فراس الحمداني في الروميات .

المكان بما يعنيه بوجوده المادي و الطبيعي ، و بما يعنيه من أشواق و مشاعر و تمازج بين الإنسان و الطبيعة ، فعبد الباسط الصوفي أمام العاصي و الفرات دخل في المكان الذي أشعل بصيرته ، و عمر أبو ريشة :

إنها حجرتي لقد صدئ النسيان

                                   فيها و شاخ فيها السكوتُ

الشاعر المعاصر بحداثته و الشاعر العربيُّ القديم : " و قلَّ لنجدٍ عندنا أن يودعا "

و الشعور بالغربة لدى فقد المكان ، و ارتباط ذلك بالإنسان الحبيب و الجار ، أو ذكر الأمكنة بأسمائها في مطالع القصائد ، كل ذلك ، يجعلنا نعيد النظر فيما سمي التقليد في المطلع الطللي ، إنها حياة الإنسان العربي في الصحراء ، فالصمة القشيري ، يربط بين المكان و بين وجوده الإنساني :

و أذكر أيام الحمى ثمّ أنثني               على كبدي من خشية أنْ تصدّعا ( الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ج 6 ص5 ) ، وفي الصفحة التي قبلها يقول :

كأن فؤادي من تذكُّره الحمى             و أهلَ الحمى يهفو به ريشُ طائرِ

وفي ص246 ج 6 من الأغاني يصف شاعر الرحيل :

تحمَّلَ جيراني فعيني لِبَيْنهم              تفيضُ بتهتانٍ إذا لاحتِ الدار

و في الجزء التاسع ص 285 يقول شاعر عربي :

إذا ذكرتْ بغدادَ نفسي تقطَّعتْ            من الشوقِ أو كادتْ تموتُ بها وجدا

كفى حزناً أنْ رحْتَ لم تستطعْ لها        وداعاً ، و لم تُحدثْ لساكنها عهدا

و كثيراً ما وقفتُ في غير موضع أمام قول الشريف الرضي :

و تلفّتتْ عيني و مذ خفيتْ              عني الطلولُ تلفّتَ القلبُ

 أو سحر المتنبي و هو ماضٍ إلى حلب حين يقول " أطويل طريقنا أم يطولُ " .

إن الرحيل الدائم ( الغربة المستديمة ) في الجاهلية ، و من ثمّ الرحيل الآخر في أرجاء الأرض بعد الإسلام و الذي تعبر عنه قبور الصحابة الحجازيين على سبيل المثال و آثارهم المنتشرة في أرجاء العالم من دمشق و حتى كوانتو في جنوب الصين التي مازال على بوابة مقبرتها نصب كتب عليه : و كفى بالموتِ واعظاً " الطريق إلى جنة ابن أبي وقاص " ؛

جعل الشعر العربيّ تعبيراً عن الحياة ، ولذا تكرر ذكر الأماكن في قصائدهم حنيناً إلى المكان ، و سعياً للتمسك به و هذا ما فعله الشعراء الرواد الفلسطينيون ، و منهم عبد الكريم الكرمي أبو سلمى و إبراهيم طوقان و عبد الرحيم محمود ، فقد أصبح المكان الفلسطيني في أشعارهم جزءاً من الإنسان نفسه ، حالة من التوحد في كثير من الأحيان تشبه حال المتصوفة،و لا يفوتني الإشارة إلى ما كتبه الشعراء العرب حول المكان الفلسطيني .

لقد حاول بعضهم التضليل باستخدام المصطلح ، وذلك إما لأنهم لم يعرفوا أن المستشرق مقصر في الوصول إلى لبّ القصيد العربي بسبب عجزه عن إدراك فقه و علوم ودلالات اللغة العربية أو أنه لم يعِ ماذا تعني اللغة بالنسبة إلى الشعر العربي ، فكيف يمكنه فهم : أطويل طريقنا أم يطول في قول المتنبي ، وهذا ما عجز بريشير عن استيعابه لدى كتابة موسوعته في الترجمة الطويلة التي كتبها عن المتنبي ، و كان ميالاً إلى تفضيل أبي فراس الحمداني عليه ، لأن صور و عاطفة أبي فراس المذهلة في رومياته ، قابلة للترجمة إلى أي لغة ، أو أن خسارتها في الترجمة أقل من خسارة شعر أبي الطيب ، الذي كانت اللغة تشكل الحمولة الأكثر حظاً من الإبداع . دون أن ننفي قيمة صورة و دلالة و صدق المتنبي .

إن التعامل مع المكان له أسبابه التي ذكرنا عند شاعرنا القديم ، كما له أسبابه الأكثر إيلاماً مع العربي المعاصر ، فكيف نستطيع أن نترك للمدرسة الغربية أن تتعامل مع نصوصنا ؟

يمكن لناقد عربي مدرك لمعنى القواعد الجمالية التي تنتظم النصوص الشعرية ، و واعٍ للمدارس الغربية أن يقول كلمته في نصوصنا . لكن تلميذاً نجيباً لجون كوهن " الذي شيد صرحه النظري و المنهجي في تحليل " بنية اللغة الشعرية "على مجموعة من الثنائيات أهمها نظرية الانزياح ( معيار / انزياح ) ". لا يستطيع التعامل مع المعلقات و أشعار العرب التي تلتها ، دون المرور بعلوم البلاغة العربية و فقه اللغة ، أو باختصار دون أن يكون هناك حياة بين اللغة والإنسان ، يتشاركان فيها .  

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home