القلم العلمي

 

تسويق التعليم

محمد ياسين العشاب



تسويق التعليم

بقلم: محمد ياسين العشاب

طنجة/المغرب

Achab79@yahoo.fr

 

لقد بدأ التعليمُ ينعطف منعطفا خطيرا باتخاذه سبيلاً آخرَ من الطابع الاجتماعي التربوي إلى سلعة اقتصادية، ليساهم بشكل مباشرٍ في خدمة المنافسة إما عن طريق تكوين المستهلك وتحفيزه، أو بانفتاحه المباشر على الأسواق، وبمقتضى ذلك تجري مطابقة المدرسة مع الاقتصادِ سواء بسواء على مستوى المضامينِ والمناهجِ والممارساتِ البيداغوجيةِ والإداراتِ والبنيات.        

تحدياتٌ جديدةٌ وآفاقٌ لَبَّدَتْهَا غيومُ الجَشَعِ الاقتصادي، وغَدٌ يُهَدِّدُ بالتجرد الكامل من المعاني التربوية للتعليم، منذ مطلع الثمانينيات وتدخلاتُ البنك الدولي تُؤَلّفُ سحابَهُ ليَغْدُوَ ركامًا، تَخْرُجُ من خلاله المقاييسُ العالميةُ للتعليم الاقتصادي لتُنْذِرَ بالإفلاسِ التربوي.

إن النطاقَ قد اتسع اتساعًا ليشملَ البُعدَ الدوليَّ للعولمة الرأسمالية التي تجاوَزَتْ مجالَ الاقتصاد، وامتدَّت بظلالِها لتشملَ كلَّ شيء، وتُحوِّلَ الحياةَ برمتها إلى سلعة، وأخطرُ ما تؤدي إليه هيمنةُ العالم الاقتصاديِّ على شتى مجالات الحياة أن تجرِّدها تجريدًا كليًّا من وازعِ الأخلاق ومعاني التربية، حتى وإن تعلق الأمر بأخطر مجالات التربيةِ نفسِها، فليس ميدانُ التربيةِ والتعليمِ في منأًى عن الخطر، بل هو في قلب الخطر.

لم تكن مؤسساتنا ومعاهدنا التعليميةُ مؤهَّلَةً لمواجهة التحدِّي، لم تَتَحَصَّنْ بجودة أدائها واستمساكِها بثوابتِ عقيدتِها ولغتِها، لم تَستمِع لنداءاتِ المصلحينَ الذين حَذَّرُوا من هذا المصير، يوم تصبحُ المدارسُ مجرَّدَةً من جانبها التربوي، ويومَ تغزو الثقافةُ الأجنبيةُ جوهرَ المنظومة التعليمية، فكيف بها وقد غزاها ما هو أدهى من ذلك وأَمَرّ؟!

أتى على مدارسنا حينٌ من الدهر لم تَخْضَعْ لإصلاح، وزادها انغلاقُها على نفسها رتابةً وجمودا، حتى إذا غَزَتها الإمبرياليةُ الأوربيةُ وَجَدَتْ في حالها المَهِينِ ذرِيعةً لتُبادرَها بالإصلاح، وتمرِّرَ من خلاله إيديولوجيتها وثقافتها الاستعمارية، ووَجَدَتْ من بني جلدتنا المتخرجينَ من مدارسِها من حَفِظُوا عهدَها ولَزِمُوا طريقتها، وصَمُّوا الآذانَ عن نداءاتِ ودعواتِ المخلصين من أبناء هذا الوطن، فما زاد ذلك المؤسسة التعليميةَ إلا تراجعًا، فكانت ذريعةً أخرى ليبادرَ البنكُ الدوليُّ لاستصلاحها، ويناديَ من خلال برامجه بضرورة التخلي عن المؤسسات التعليمية المحلية بسبب محدوديةِ ثقافتها، وأن وقتَ التعليم خارجَ المدرسةِ قد حان، وأن تحريرَ العملية التعليميةِ يتيحُ الاعتمادَ على أسلوبٍ تعليميٍّ أكثر إبداعًا من البنيات التقليدية، وما ذاك إلا لأجل إتاحةِ المجال الشاسعِ أمام المستثمرين، وتقييدِ التعليمِ بأغلالٍ جديدةٍ هي أغلالُ السوق، وإخضاعِه لواقعٍ جديدٍ هو واقع سيادة السوق.

وبدأ إعصارُ السوقِ يكتسِحُ بقوةٍ وسرعةٍ جنونيةٍ بعد الإعصارِ الفرنكفوني، وشَرَعَ أخطبوط الرأسمالِ العالميِّ يلتف على الدنيا ويهيمِنُ بسوقه المستهلِكة، ويجعل التعليمَ بمؤسساته وهياكله ومن فيهِ من مُعَلِّمِينَ ومُتَعَلِّمِينَ تحت خدمته المباشرة.

هيمنَةُ فَكْرِ السوق تعني تخليقَ المجالِ العامِّ بأخلاقيات السوق، وتحويلَ السلوكِ الإنسانيِّ من وازعِ الفطرةِ إلى وازعِ المنافسة، ليس من قبيل " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون "، ولكنها منافسةٌ محمومةٌ على الربحِ واحتكار مصادرِ الإنتاج، وتسابُقٌ ليس من قبيل " سابقوا إلى مغفرةٍ من ربكم "، ولكنه تسابقٌ مجنونٌ في حلبةِ سباقٍ دنيويٍّ لا تنتهي إلى نهاية، وهجومٌ عنيفٌ على القيمِ الأخلاقيةِ يقودُهُ الرأسمالُ العالميُّ معزَّزًا بالمؤسساتِ المالية العالمية، مُؤَزَّرًا بالاتفاقياتِ الدوليةِ التي تُشَرِّعُ لهُ وتُشَرْعِنُ هيمَنَتَهُ على الأسواق، ويأتي الاتفاق العام حول تجارة الخدمات AGCS ليَزُجَّ بالتعليم في ذلك الخِضَمِّ المُظلِم [1].

مجالُ التعليمِ مجالُ النورِ والصفاءِ والفطرة، غايتُهُ الأولى والآخرةُ هي التربية، فلا تعليمَ بغير تربية، إنِ انتُزِعَت منهُ ظلَّ بغير معنى، وأُفرِغَ من جدواهُ إن أصبح ميدانًا لتلقي المعلومات، وما جدواهُ إن كان كذلكَ ولدينا من مصادر المعلوماتِ ما يكفي لحشر أدمغة أجيالٍ خلالَ قرون؟!

والسوقُ ميدانٌ حافلٌ بمعاني التنافس على المصالح، تسري فيه رائحة الأنانية والشح حتى تزكمَ الأنوف، وتنمو حولَهُ وعلى جوانبه الطفيلياتُ التي تقتاتُ على الفَضَلات، وأصنافٌ أخرى تبيع ضمائرَها ببعضِ الفُتَات، فمنهم بُغَاثُ طيرٍ يَنْزِلُ بها من سمائِها شِلْوٌ مُمَزَّع، ومنهم أُسْدٌ تفترسُ الضعيفَ بحكم السوق! ومنهم أدِلاَّءُ مُضَلِّلُونَ وسماسرةٌ اِنتهازيون، وبينهم جميعا تهتَزُّ تربةُ الأسواق وتربو بالكذب والغشّ والخداعِ والاحتيال...، فلا تنتهي النفوسُ ولا ترتدعُ في طلب المزيدِ من الربح، وكلُّ مجالٍ سَرَتْ فيه رائحةُ الربحِ فقد غزاهُ السوق.

صدق نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: " أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " رواه مسلم في صحيحه [2].

المسجدُ مَحْضِنُ التربية ومَجْمَعُ الخيرِ وموقِظُ الفطرة، كلُّ ما فيه نورٌ وهُدَى، فيه تُتْلى آياتُ القرآنِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، وفي كلِّ ناحيةٍ منه تزدادُ الأخلاقُ الإيمانيةُ والمكارم، فيه نتعلم الصدقَ والأمانةَ والعدل، ونرتفعُ بأرواحنا عن الدنيا الماديةِ التافهة، ونتعلمُ القربَ من العليِّ القدير، فإذا انعقدَتْ بين جدرانِه حلقاتُ العلم غَشِيَتْها الرحمةُ وتَنَزَّلَتْ عليها السكينة، وكان التَّعَلُّمُ فيها عبادةً من العباداتِ وقُربةً من القُرُبات، وامتزَجَ التعليمُ فيها بالتربيةِ والتربيةُ بالتعليم، فالمساجدُ مدارس، والمدارسُ مساجد، ما فَرَّقَ بينهما إلا ما فَرَّقَ بين الدين والدنيا، بين السماء والأرض، بين الروحِ والجَسَد، رحم الله القرويين وأيَّامَ القرويين!

روى الطبراني رحمه الله في الأوسط بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها، فقال يا أهل السوق: ما أعجزكم! قالوا وما ذاك يا أبا هريرة؟! قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا، ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا وأين هو؟ قال في المسجد، فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا يا أبا هريرة، قد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئا يقسم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة : ويحكم! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم [3].

أذلكَ خيرٌ أم سيادةُ عالمِ السوق؟ ورَهْنُ مصيرِ التعليم في أيدي الرأسماليينَ الذين أخضعوهُ لمنطق الربح والمنافسة، وأَسْلَمُوهُ للمقاولاتِ تحدِّدُ مضامينَهُ وتَرسُمُ خطَطَهُ وأهدافَه، وتُمْلي برامجَها بقوَّةٍ على مجالس تدبير مؤسساته وشبكات التربية والتكوين، وتَخنُقُ أنفاسَهُ بتوجيه ثلثي المتعلمينَ إلى التكوينِ المهني والتقني، حتى يستجيبَ بيسرٍ ومرونةٍ لمتطلباتِ المقاولة.  

أما المتمدرسونَ فتستفِزُّهم طبيعةُ المناهج وواقعُ السوق، فيسارعون إلى الاندماجِ فيه، وينفِرون من جوِّ الرَّتابةِ المسيطرِ على المدارس، ويتطلعونَ إلى تحصيل الشواهدِ التي لها قيمةٌ مادية، فما جدوى المكوثِ بين جدرانِ المدارس والجامعات سنواتٍ لا تفضي في النهايةِ لغيرِ البِطالة؟ وما كان لعلمٍ ولا معرفةٍ أن يُجْدِيَا نفعًا إن لم تكن لهما قيمةٌ مُحَصَّلَةٌ في السوق، وإلا فإن الذين تضيع أعمارهُم في طلب العلم وحفظ العلومِ إنما يبعثونَ على الشفقة: ميادينُ العملِ تنفضُهُم، ومنطِقُ الربحِ يرفُضُهُم!

ذلك أن منطقَ الربحِ النَّهِمِ لم يكن أبدًا ليتوافقَ مع طبيعة المدرسة كمحضنٍ للتربية والمعرفة، وسيادةِ الفهمِ الصحيحِ لمكانة العلم ومكانةِ السوق، وليس مُتاحًا أمام الرأسمالِ أن يستأسدَ بمنطقهِ إلا من خلالِ سيطرته على محاضن التربية والتعليم، وتوجيههِ الإعلامَ بشتى أنواعه لتغيير قناعات الناس، فإذا كان السوق قد انْحَطَّ من أنظارهم بالأمس، فإنه اليومَ محورُ الحياةِ كلها، يخترقُ الإعلامَ والشوارعَ والأحياءَ والدُّورَ والمحلاَّتِ والإداراتِ إشهارًا وإعلانات، والعقولَ والنفوسَ ومجرى الدَّمِ ومعاقدَ القلوبِ طُيُوفًا وخيالات، فلا يَفِرُّ المرءُ منها إلا ليقعَ فيها، فهي تلاحقه أينما حلَّ وارتحل، وتَجِدُّ في طلبهِ بإغراءاتِها وألوانها وموسيقاها وصورها، وتخاطب فيه الجانبَ الحيوانيَّ بما تُجَسِّدُهُ أمامَهُ من مفاتنَ وعُري، وما تُكَرِّسُ من ثقافةٍ ساقطةٍ هابطة، فلا يجد من سبيلٍ للفرارِ منها إلا أن يستجيبَ لها.

هكذا يُفرِغُ منطِقُ السوقِ برامجَ التعليم من كلِّ معنًى تربوي، ويُفقِرُها من المعرفةِ إلا ما يخدُمُ مصالحَه، فيقصُرُ النظرُ عن فهم حقيقةِ المجتمعِ والتاريخِ وسُنَّةِ اللهِ في الكون، كأنما أفواجُ المتمدرسينَ " مواردُ بشريةٌ " لا تعِي إلا أنها آلاتٌ صمَّاءُ عمياءُ لتحريكِ دواليبِ المقاولة. 

آلاتٌ بشريَّةٌ غَمَرَتْهَا المصالحُ والتنافس، فتجرَّدَتْ من معنى الإنسان، لأن طواغيتَ المال يصوغونهُ بحسبِ حاجةِ السوقِ إليه، وبما أن طبيعةَ الاقتصادِ الرأسماليِّ تنافي الاستقرارَ والتخطيط، فإن الإنسانَ عرضَةٌ للتَّقَلُّبِ كلما تَقَلَّبَتِ الأسواقُ واختلفت حاجاتُ أربابِ العمل، ولا يتورَّعُ أصحابُ المقاولاتِ أن يُجَرِّدُوا الإنسانَ من معناهُ مقابلَ الربح، ويُطَالِبُوا العمالَ بالتطور المستمر سلوكًا وتعليمًا للتكيُّفِ مع بيئة الإنتاج المتقلبة، وتكونُ حُجَّةُ التحولِ التكنولوجي وتغيُّر المنتَجَاتِ كافيةً لتكييفِ التعليمِ والمدرسةِ مع متطلبات السوق، وتحويلِ العاملِ إلى طاحونةٍ تدورُ في حلقةٍ مفرغةٍ لا معنى لها إلا أنها آلةُ إنتاج، يتعين عليها التكوينُ المستمرُّ طوالَ الحياةِ حتى تَظَلَّ منتجةً وقابلةً للتشغيل، يَسْتَنْزِفُ استغلالُها الدائمُ من أربابِ المصالحِ طاقتها فلا تنفعُ لغير الإنتاج، ولا تنتفعُ منه في شيء، ويحجبُها عن نفسها والغايةِ من حياتِها ومصيرها الأخروي، وتُحْرَمُ للأبَدِ فرصةَ تلقي أيِّ معرفةٍ إلا ما ينفعُ مستخدِمِيها، وتتحوَّلُ المعرفةُ إلى مُنْتَجٍ بَخْسٍ مُعَرَّضٍ للتَّلف. 

وينخَدِعُ المتعلِّمُونَ والعمَّالُ بضجيجِ الدعاية، ولا ينتبهون إلى حقيقةِ استخدام التعليم أداةً في المنافسة الاقتصادية، ويحسبونَ " معارفَ المستقبل " و" التعليم العَمَلي " غايةَ الغاياتِ ومنتهى النهايات، ويُشفِقُونَ على من يَقْضُونَ أوقاتَهُم في دراسةِ التاريخ والأدب وعلوم الحياة، ويكون عندهم أنفع من ذلك كلِّهِ تعلُّمُ كيفية تشغيل برنامجٍ معلوماتيٍّ جديد، أو استعمالُ آلةٍ جديـدة وفهمُ طبيعةِ منتَجٍ جديد.

أما الطاقاتُ البشريةُ المبدعة التي تجاوزت تلك المستويات الأولية فيتم استقطابُها من مراكز الإنتاج العالمية، لأن فلسفة " سوقنةِ العالم " تقضي بتوحيدِ السوق العالمية، والاستفادة من الطاقات المتعلمة بغير حدود، وهو ما يعني في حقيقة الأمر استفادةَ السوق المهمينة وخسرانَ الدول المُفَقَّرَةِ لأبنائها المتفوقين، فلا تقدرُ على المنافسةِ ولا مواجهةِ طغيان العولمة الاقتصادية، ومع تدهور أوضاعها الداخلية على جميع المستويات تتضاعفُ أعدادُ شبابِها الجامعيِّ المهاجرِ سنةً بعد أخرى.    

وتتغَيَّرُ القناعاتُ بشكلٍ لا شعوري، فتغدو المعرفةُ سوقًا والسوقُ معرفة، وتغزو روحُ الاستهلاكِ المدارس، فتتربى الناشئةُ في مناخٍ اِستهلاكيٍّ حار، تسيطرُ على مخيلتها الصور والألوانُ التي تشاهدها في التلفزة والأنترنت والمجلات والجرائد ولافتاتِ الإشهار في الشارع، ويتولَّدُ لديها الشعور بالحرمانِ كلما تطلَّعت للمزيد، وليس يشفي غليلَها من ذلك شيءٌ مهما كَدَّ الآباءُ واجتهدوا في إرضاء فلذات أكبادهم، ومهما بَذَلُوا لتربيتهم على القيم لم يُدْرِكُوا إلا فائدةَ المزايا المادية، وقَصُرَ فهمُهم للمجتمع والحياةِ في ظلِّ تعليم السوق وسوق التعليم.

ولا بأس من التضحيةِ بأيِّ شيءٍ في سبيل الاستهلاك، ولا بأس أن يدفعَ أبناؤنا الثمن، وأن تدفَع بهمُ البرجوازية العالمية إلى أحضانِ المدارس الاستثمارية، ليكونوا من بين ملايينِ الزبائن المخلِصين لها في أنحاء العالم، فهيَ لا تُقَيِّمُ إلا بالأرقام، ولا تُعَلِّمُ إلا الأرقام، وتُرَبِّي بالأرقام! وترى في التعليم مجالا رائعا لاستثمار أموالها واكتساب الأرباحِ الطائلة.

وأمام هذ الإغراء، لا يبقى للأبناءِ قيمةٌ ولا للشباب ولا للشيوخ، وتبالغُ الميزانياتُ العامة في تشجيع التعليم الخاص، فتتضاءل بالمقابل ظروف العمل في قطاع التعليم العام بسبب برامج التكييف الهيكلي، ومع تزايُدِ احتياجاتِ السوقِ والاستهلاكِ لا مناصَ من توسيع عملية تسويق التعليم على امتدادِ مراحل الحياة، ولو بتعليمِ الكهولِ والعجائز كيف يقرأونَ علامةً تجارية، ويفهمونَ إعلانًا إشهاريا.

فالرأسمالُ العالميُّ ينزَعِجُ من شريحةٍ عريضةٍ أمِّيَّةٍ لا تعرف القراءةَ ولا الكتابة، فيفرِضُ بمؤسساته على الدول المُصَنَّفَةِ في العالم الثالثِ أن تعلِّمَ مواطنيها، فتنظِّمُ دروسَ محو الأمية على نطاقٍ واسع، وتستخدم في الترويج لها أبواق إعلامها، فيتقاطرون عليها دون أن يشعُروا بأنهم زبائنُ يتم إعدادُهم للاستهلاك، ويتلقون المبادئَ الأولية للقراءة والكتابة حتى يتمكن الواحد منهم أن يقرأ بوضوح : إشرب كوكاكولا!

لم يَكُنْ في حسبانِ الاقتصاد العالميِّ المستكبرِ يوما أن يُقدِّمَ خدماتٍ إنسانية، لكنه أقدم عليها عندما أَحَسَّ بقيمة مردوديتها وتأثيرها المباشرِ على الاستهلاك، فليس فيما يقومُ به أو يمَوِّلُ من مشاريعَ تظهرُ عليها اللمحة الإنسانيةُ إلا المصالح، فليس يؤمنُ بدينٍ إلا دين الاستغلال، ولا مبدإ إلا مبدأ الربح والمنافسة، ولا قيمةٍ إلا القيمة المادية والاستزادة من تحصيلِ الفوائد، ولا يطمحُ إلا لمزيدٍ من الإنتاج مقابلَ استهلاكٍ مضاعَف.

دائرةٌ مفرغةٌ يدورُ فيها الإنسانُ الذي لم يَعُدْ يصلُحُ إلا للاستهلاك، وآلةُ إنتاجٍ لاتتوقفُ لحظةً إلا لتعمَل، وتنافسيَّةٌ عمياءُ لا يَبِينُ لها غيرُ الربح، تُغرِقُ بلدانَنَا الْمُفَقَّرَةَ الْمُجَهَّلَةَ في محيطِ الاستهلاك، وتَغْمُرُ كيانَ الإنسانِ من المهدِ إلى اللحد بما تتقنُهُ من ألوان الإشهار وفن التسويق، حتى يفقدَ معناهُ وجدوى تصرفاته، ويدفع به التعليم المُسَوَّقُ الذي تربّى في أحضانه إلى الاستهلاكِ باستمرار، ولا يسألُ الرأسمالُ المتوحِّشُ عن فائدةِ الإنتاجِ ولا عن مدى قدرة المواردِ والموادِّ الخامِّ على توفيرِ المزيد، فليس يهمه إلا أن يستمرَّ الاستهلاكُ بمزيدٍ من الدعايةِ والإشهار، ولو بتدجينِ عقل الإنسانِ حتى يَظَلَّ يلهثُ في طلبِ المنتجاتِ وإن فَرَغَتْ منها الأسواق، ولو برَهْنِ مصيرِهِ وحاضِرِهِ ومستقبلِه بها، وغزْوِه في سائر الميادينِ والمجالاتِ التي تتكوَّنُ فيها شخصيتُه، حتى تتشَكَّلَ وتَصَاغَ بما يريدُهُ السوق، ولو بحرمانهِ وتعاستِهِ من أجلِ رفاهيةِ وسعادةِ أربابِ المال.

وفي بلداننا المحرومة تتدخل الاتفاقيات العالمية وصندوق النقد الدولي لتفرضَ عليها التوجهَ التسويقيَّ للتعليم، فتَزُجُّ به في واقعِ غريبٍ عليه، وتُخضِعُهُ لدكتاتوريَّةِ السوق العالمي، وتجعلُهُ رهنَ إشارتهِ وفي خدمتِهِ المباشرة، وتعيدُ بالتالي تفجيرَ الأوضاعِ الداخلية، مع أن أوضاعنا الداخلية غيرُ قادرةٍ على مزيدٍ من التحمل، فكيف بها إذا غزاها السوقُ في ميدانٍ يضُمُّ مئاتِ الألوف من الناشئةِ والشباب؟

ويتزايدُ التدخل الأجنبيُّ السلبيُّ فلا يَجِدُ منا إلا وَهْنًا وتخاذُلاً واستسلاما، بل وفي كثير من الأحيان نُتِيحُ له من الإمكانيات أكثرَ مما كان يطمحُ إليه، ونفتحُ أمامَهُ من الأبوابِ المُشرَعَةِ ما لم يكن في حسبانِ أطماعِه، وقد نال تعليمُنَا المُسَوَّقُ من ذلك النصيبَ الأوفر، وأصيبَ في مقتَلٍ عندما جُرِّدَ من مضمونه التربوي.



[1] ظهرت منظمة التجارة العالمية للوجود في يناير 1995، عندما حلّت محلّ الاتفاقية العامة حول التعريفات الجمركية والتجارة (الغات)، وهي سلسلة من المفاوضات المفتوحة المعروفة بدورة الإرغواي التي اختتمت أعمالُها في مراكش 1994 بتوقيع 120 دولة على اتفاق إنشاء منظمة التجارة العالمية ، ومن بين ما أقرته في اجتماعاتها إخضاع الخدمات الاجتماعية وتجارة المواد الأولية والمنتجات الفلاحية لإرادة الشركات المتعددة الجنسيات، أما الاتفاق العام حول تجارة الخدمات AGCS فلا يضم قوانين واتفاقات كاملة، وإنما هو عبارة عن منتدى مفتوح تتواصل فيه المفاوضات لأجل تحقيقِ غايةِ تحريرِ التجارة تدريجيا وعبر مراحل، فضلا عن إخضاع مختلِف الخدمات الاجتماعية لمنطق السوق وملاءمة سائر التشريعات القانونية في مختلف الدول لهذه الغاية، وقد تداول ممثّلو الدول الأعضاء في الندوات الوزارية المختلفة 12 قطاعا اِجتماعيا منها التعليم.

[2] المسند الصحيح/ 671، كما أورده الشوكاني في السيل الجرار 1/178، والألباني في صحيح الجامع/ 167.

[3] رواه الطبراني في الأوسط 2/ 114 ـ 115، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب 1/ 82، والهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 128، والألباني في صحيح الترغيب 83.




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home