القلم العلمي

 

فن الترسل

ناصر بوصوري



فن الترسل

بقلم:ناصر بوصوري*

                      البريد الإلكتروني:boussouri_nacer@yahoo.fr

    لاشك أن أدب الرسائل قديم جدا وله صفحات مضيئة في تاريخ الأدب العربي وقد أُلِّفَتْ فيه كتب ودواوين كثيرة ونهج كل أديب منهجا يختص به.

    والرسائل فن أدبي ازدهر وانتشر في القرنين الثالث والرابع الهجريين خاصة عندما بلغت الحضارة العربية الإسلامية قمة العطاء في مختلف الميادين والمجالات.

     وهو فن نثري يُظْهِرُ مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية المنمقة القوية.

و لم تكن الكتابة شائعة بين العرب في الجاهلية، ولهذا السبب لم يكن للرسائل دور في حياتهم الأدبية في ذلك العصر لقلة الدواعي إليها. وإنما ازدهر عندهم الشعر والخطابة والحكم. وعندما جاء الإسلام تغيرت الحال و ظهرت مفاهيم جديدة لم تكن معروفة من قبل فرسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ كان يشجّع المسلمين على تعلم القراءة والكتابة،لذلك وجدناه في غزوة بدر الكبرى يطلب ممن يحسنون الكتابة والقراءة من كفار قريش الذين كانوا أسرى في أيدي المسلمين أن يعلموا عددا معينا من أبناء المسلمين لقاء فدائهم،وما ذلك إلا لخطر الكتابة وعظمة شأنها,فهي كالمال بل أكثر من المال، وقد اتخذ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ   كُتَّابًا يكتبون له القرآن الكريم، ويكتبون رسائله التي كان يبعث بها إلى رؤساء القبائل، وزُعَماء المناطق، وملوك الدول و قد كانت الرسالة أول اتصال بالعالم الخارجي للرسول الكريم و لم يكن لا الشِّعر و لا الخطابة قادرين على أداء الدور العملي الذي تؤديه الرسالة حين تنقل ما يتصل بسياسة الدولة من مراسيم سياسية أو توجيهات أوتعليمات إدارية ومن هذا التاريخ نافس الكاتبُ الشاعرَ والخطيب وأصبح له منزلة خاصةٌ.

     و استمر تشجيع الخلفاء الراشدين على تعلم القراءة و الكتابة و اتخذوا لهم كتابا هم أيضاً يكتبون إلى الولاة وقادة الجيوش الفاتحة التي انتشرت في مختلف الأصقاع لنشر رسالة التوحيد.

     و رسائل صدر الإسلام عموما« غالبًا ما تبدأ بالبسملة ثم يأتي بعدها تعابير من قبيل :من محمد رسول الله أو من خليفة رسول الله ،أو من أمير المؤمنين .وقد تبدأ الرسالة باسم الرسول مباشرة مثل:"هذا كتاب من محمد رسول الله ".وإذا كانت الرسالة موجهة إلى مسلم فإنَّ خير ما تستهل به "سلام الله عليك".أما إذا كانت موجهة لغير المسلم فإن ما تستهل به هو"السلام على من اتبع الهدى" و تأتي بعد السلام مباشرة التحميدات مثل :"فإني أحمد الله"أو "أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو "وقد يرد فيها ذكر التشهد أيضًا أو يكتفي فيها بعبارة :أما بعد. »  ([1])

    و عندما آل الحكم إلى بني أمية وأراد معاوية بن أبي سفيان أن يطور شؤون الدولة الإسلامية؛ أنشأ  ديوان الرسائل هذا الديوان يعنى بشؤون المكاتبات التي تصدر عن الخليفة إلى ولاته وأمرائه وقادة جنده وملوك الدول الأخرى. وقد كان الخليفة ـ في بداية الأمر ـ هو الذي يُملي الرسائل على كاتبه، ثم بمرور الزمن أخذ الكاتب يستقل بكتابة الرسائل، ثم يعرضها على الخليفة وكان أسلوب الرسائل آنذاك تغْلبُ عليه البساطة والوضوح، ويخلو من التأنق والتصنّع كما حدث ذلك لاحقا و شهد فنُّ الكتابة نقلة ً كبيرة في عهد هشام بن عبد الملك عندما تولى مولاه سالم رئاسة ديوان الرسائل في عهده، ثم في عهد مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، الذي تولى أمر ديوانه عبد الحميد بن يحي الكاتب*. فقد عُرِف عبد الحميد بالبراعة في فن الترسل حتى غدت مكاتباته مضرب المثل في الجودة والإتقان، حتى قيل:"بدئت الكتابة بعبد الحميد ".

و قال عنه جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"(فتحت الرسائل بعبد الحميد و ختمت بابن العميد**) ومن رسائل عبد الحميد المشهورة رسالته التي كتبها عن مروان إلى ابنه وولي عهده عبد الله حين وجهه إلى محاربة الضحاك بن قيس الشيباني الذي ثار في العراق، ورسالته التي وجهها إلى عمال مروان بن محمد بالأمصار يأمرهم بمحاربة لعبة الشطرنج، ورسالته التي وجهها إلى الكُتَّاب وأصبحت دستورًا لمهنة الكتابة.وعندما قامت الدولة العباسية أخذ خلفاؤها هم الآخرون يولون كتابة الرسائل عناية أكثر من سابقيهم، ولهذا السبب كثر الكُتَّاب، ونبغ كثير منهم في فن الترسل، وازداد التنافس بينهم ولا غرابة في هذا، لأن العمل في ديوان الرسائل أصبح مصدر رزق لهم، وغدا التفوق في فن الترسل وسيلة للحصول على ولاية أحد الأقاليم، بل إنه غدا مؤهِّلاً للوصول إلى منصب الوزارة، ونستحضر في هذا المجال أسماء: يحيى بن خالد البرمكي، وابنه جعفر، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وأحمد بن يوسف الكاتب، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وعبد العزيز بن يوسف، وضياء الدين بن الأثير وغيرهم ممن أوصلتهم هذه الصنعة وهذا الفن إلى ما كانوا يطمحون إليه من نيل لأعلى المناصب فقد كان لا يصل إلى تولي ديوان الرسائل إلا من حسنت سيرته وذاعت شهرته و كان فارس بلاغة و صاحب إتقان و جودة في تدبيج و تطريز الرسائل. 

  وقد بلغ فنُّ كتابة الرسائل أَوْجَهُ في القرنين الثالث والرابع الهجريين، بحيث يمكن لنا أن  نصف هذين القرنين بأنهما يمثلان الفترة الذهبية لهذا الفن.

  وتنقل لنا الكتب أن« أول من وضع البريد ،معاوية بن أبي سفيان ولم يكن البريد،عندئذ مثل ما نعرفه الآن في نقل الرسائل،و إنما كان مقصوراً على نقل ما يهم الدولة و رجالها ،كما كان صاحب البريد في كل كورة ،بمثابة عين للخليفة يكتب إليه بكل ما يقع عليه بصره ،أو يصل إلى أذنه من أخبار.»([2])

    غير أن هذه الصناعة أصاب سوقَََهِا الكسادُ في عصور الضعف حتى غدت الرسائل ضربا من التفنن في جمع الألفاظ و رصها إلى بعضها، ثم ابتليت الأمة بعد ذلك باستعمار بغيض ضعفت أثناءه الكتابة عموما والرسائل خصوصا،وعمَّ هذا الضعف حتى كاد فن الترسل أن يمّحي لولا بعض الأدباء الذين أبقوا على حياته بفضل ما سطرته أقلامُهم من روائِعَ، أما في وقتنا الراهن فقد صارت كتابة الرسائل لاتخطر على بال أحد من الناس ذلك أن التكنولوجيا الحديثة قد قضت أو كادت تقضي على فن الترسل برسائل مقتضبة و قصيرة تكتب على أجهزة الهاتف النقال أو في أحسن الظروف على البريد الإلكتروني فتأتي باردة خالية من العواطف والأحاسيس ولعل الحنين إلى فن الترسل يذكي في نفوس الناس قبسًا من نور فتعود كتابة الرسائل إلى سابق عهدها و يولد جيل جديد يعيد إلى الكتابة ألقها فنرى جاحظًا جديدا وعبد الحميد الثاني في الكتابة و غيرهما من الذين منحوا حياتهم وجهدهم لفن الكتابة والترسل.

أـ معناه اللغوي و الاصطلاحي: قبل أن نلج إلى موضوعنا لابد من طرح أسئلة من قبيل:ما معنى الترسل؟ وما معنى أدب الرسائل ؟و من نّظر لهذا الفن أو الصنعة؟و ما هي أنواع الرسائل الأدبية؟ وهل لأدب الرسائل كأحد الفنون النثرية ارتباط بغيره من أنواع النثر الأخرى؟وما هي خصائصه الفنية والبنائية؟ وغيرها من الأسئلة التي تطرح في هذا الباب.

جاء في لسان العرب لابن منظور في باب الراء:

«و راسَلَهُ مراسلة،فهو مراسل و رسيل و الترسّل كالرسل و الترسل في القراءة والترسيل واحد،قال:و هو التحقيق بلا عجلة.و في موضع ثان قال:الترسل من الرسل في الأمور و المنطق كالتمهّل والتوقّّر والتثبُّت، وجمع الرسالة الرسائل .

قال ابن جنية:« الترسل في الكلام التوقر و التفهم و الترفق من غير أن يرفع صوته شديداً.

و الإرسال:التوجيه،و قد أرسل إليه،و الاسم الرسالة و الرَّسالة و ا لرسول    والرسيل ،الأخيرة عن ثعلب ،و أنشد:

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم

 

بليلي ،و لا أرسلتهم برسيل

 

و الرسول بمعنى الرسالة ،يؤنث و يذكر،فمن أنَّث جمعه أرسلا ، قال الشاعر:

قد أتتها أرسلي

و يقال :هي رسولك.و تراسل القوم:أرسل بعضهم إلى بعض.والرسول.الرسالة والمرسل وأنشد الجوهري في الرسول الرسالة للأسعر الجُعفي:

ألا أبلغ أبا عمرو رسول


 

بأني عن فتاحكم غني .


 

عن فتاحكم  أي حكمكم .

 وفي التنزيل العزيز  إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِين و لم يقل رُسُل لأن فعولا        وفعيلا يستوي فيها المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع مثل عدو و صديق.

و الرسول:اسم من أرسلت و كذلك الرسالة. » ([3] (

كما جاء في مختار الصحاح في مادة رسل:« راسله مراسلة فهو مراسل           ورسيل.و أرسله في رسالة فهو مرسَل (بفتح السين) و رسول و الجمع رسل (بتسكين السين و ضمها) و الرسول أيضا:الرسالة. » ([4])

و هو أيضًا ـ أي الترسل ـ « من ترسل ترسلاً ،وهو كلام يراسل به من بعُد أو غاب فاشتق له اسم الترسل،والرسالة من ذلك ،و الترسل مبني على مصالح الأمة،وقوام الرعية،لما يشتمل عليه من مكاتبات الملوك،و سَراة الناس في مهمات الدين،وصلاح الحال وبيعات الخلفاء و عهودهم إلى غير ذلك. » ([5])

أما الزمخشري في "أساس البلاغة" فقد ذكر في "باب رسل" ما يلي:« راسله في كذا.وبينهما مكاتبات و مراسلات، وتراسلوا، و أرسلته برسالة وبرسول.وأرسلت إليه أن افعل كذا.و أرسل الله في الأمم رسلاً. » ([6])

أما الرسالة فتعريفها لغة: «هي كل ما يرسل أو هي الكلمة شفوية أو مكتوبة يبلغها الرسول أو يحملها إلى من ترسل إليه، وهذه الكلمة تختلف طولاً وقصرًا على حسب موضوعها. » ([7])

و الرسالة تكون كتابة كما تكون مشافهة كما يقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته:

ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة 

 

و ذبيان هل أقسمتم كل مقسم مقسم

 

و نجد هذا المعنى أيضًا في قول كعب بن زهير:

   ألا أبلغا عني بجيرا رسالة رســـالة                                                        



على أي شيء ديب غيرك دلّـَكا

على خلق لم تلف ابنا و لا أبا    


 

علـيه و لم تدرك   عليه أخا لكا

  ومن الكتب القديمة التي اهتمت بتعريف الترسل و الرسائل  كتاب نقد النثر لقدامة بن جعفر حيث جاء فيه: «والترسل من تراسلت أترّسل ترسّلاً و أنا مترسل،و لا يقال ذلك إلا لمن يكون فعله في الرسائل قد تكرر،وراسل يراسل مراسلة فهو مراسل؛و ذلك إذا كان هو ومن يراسله قد اشتركا في المراسلة، و أصل الاشتقاق في ذلك أنه كلام يراسل به من بَعُدَ أو غاب،فاشتق له اسم الترسل و الرسالة من ذلك» ([8])




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home