مقال

 

لماذا رحلوا.. وعاد عمرو خالد؟

أحمد دعدوش



لماذا رحلوا.. وعاد عمرو خالد؟

بقلم أحمد دعدوش

 

هاهو يحصد المزيد من الثمار ويفاجئ متابعيه، محولا مشروعه الذي بدأ بمغامرة- حسب قوله- إلى منظمة دولية ترعاها مؤسسات مصرفية وتجارية دولية، وكأنه يعلن لأولئك الذين شككوا في رسالته ولم يروا فيها أكثر من "تقليعة" أنه لم يعد من الممكن تجاهله.

قبل أربع سنوات ونيف، بدأ الرجل دعوته بقوة عبر شاشة (اقرأ)، واكتسب شهرته الواسعة من خطابه الوعظي الجديد، والذي كسر به قاعدة الدعوة المؤسسية التي ظلت تنوء بحمل الرسمية والتقليدية، وتفصلها عن المجتمع شروخ عميقة نظرا لعدم تمكن الكثير من الدعاة من تفهم متطلبات الجمهور المخاطب، وعجزهم عن إيجاد قنوات الاتصال التي تراعي ثقافتهم، خصوصا وأن البيئة التي نشأ فيها أولئك الدعاة تختلف عادة عن الوسط الذي يتوجهون إليه.

لم ترق للكثير من الجهات هذه الدعوة الجديدة التي سرعان ما اكتسحت أوساط الشباب، وبدأت بسحب البساط من تحت أقدام النجوم الذين لم يعتادوا على منافسة من هذا النوع، فجرّدت صحف عدة أقلامها لقصف هذه "الظاهرة"، خصوصا عندما أخذت بالتوسع مع انضواء أقطاب جديدة تحت لوائها كالشيخ خالد الجندي والحبيب الجفري، ثم ازداد الطين بلة بانسحاب أعداد كبيرة من الوسط المعارض إلى هذه البيئة الجديدة في حركة "ردة" مفاجئة، لتبدأ "ظاهرة" حجاب المذيعات في مصر وغيرها، كضربة موجعة على الأنوف التي تورمت من ظاهرة حجاب الفنانات من قبل، وبدا واضحا اكتساح مفاهيم "الدعاة الجدد" لكل مناحي الحياة، إلى درجة تجرؤ البعض على إخراج الأغاني الدينية في نمط الفيديو كليب بشكل بدا للكثيرين ضربا من التحدي!

لم توفر الصحافة آنذاك جهدا في انتقاد ما يجري، فبعد أن اتهمت عمرو خالد بالسطحية وقلة العلم، وذرفت دموع التماسيح على قداسة المهمة الدعوية المنتهكة، استنفرت مشيخة الأزهر لاستصدار قرار يدين خروجه عن النمط الدعوي التقليدي، ولما لم تجدِ المحاولة نفعا تحولت الأنظار إلى تمحيص خطابه الدعوي ومحاولة استخراج بعض السقطات التي يمكن أن تشكك في عقيدته، ووُظفت في ذلك بعض الأقلام المتخصصة التي أخرجت كتاباً يحكم بكفر الرجل وخروجه عن الملة، ثم بدأت بعض أصوات الدعاة الآخرين بالارتفاع للتنديد به وتجريح بعض مقولاته بشكل متهافت، وفي صورة تشي بالغيرة في أبسط صورها المألوفة.

تطور الأمر بعد ذلك إلى استحداث الأكاذيب، فتطوعت إحدى المجلات الشهيرة لاختلاق تهمة امتلاك الرجل شركة إنتاج تجني أموالا طائلة من جيوب عامة الشعب من خلال بيع تسجيلات محاضراته الشهيرة، ثم أخذ الأمر بُعدا هزليا عندما أصبحت كل كلمة أو حركة يأتي بها محل سخرية، حتى أن بكاءه في إحدى الحلقات بدا لبعض الكتاب المتربصين مصطنعا بشكل لا يقبل الشك!

المفاجئ في كل هذا أن عمرو خالد لم يلتفت إلى شيء من هذه التهم، ولم يعرها أي اهتمام يذكر، بل اكتفى بجمع المقالات التي دافعت عنه ونشرها في موقعه، الأمر الذي أصاب نقاده في مقتل، إلى درجة أن أحدهم كتب يتساءل في استفزاز واضح عن السبب الذي يمنعه من الدفاع عن نفسه ملتزماً كل هذا الصمت، وكأنه يلوّح بتهم خطيرة باتت في حكم الجريمة المفروغ منها عند عامة الناس!

في وسط هذا النقاش المحتدم بين النقاد والمؤيدين، لم يكتف عمرو خالد بالصمت فقط، بل كان يخطط بنشاط لخطوته القادمة، إذ انتهز دعوة إحدى الجامعات البريطانية لنيل درجة الدكتوراه، ثم آثر الثناء على وطنه الذي منعه من إتمام مسيرته في إعلان مستبطن لعدم جدوى استفزازه ودفعه لانتقاد سياسة بلاده، ورحل بكل هدوء إلى بيروت لتصوير برنامجه الجديد (صناع الحياة)، والذي كان بمثابة الضربة القاضية لكل النقاد الذين أوسعوه قذفا بالسطحية وضعف الخطاب، ورفعوا عقيرتهم طويلا بنقد دعوته التي لم تنجز شيئاً على أرض الواقع، فضلا عن تخديرها لعقول الشباب بالقصص والبطولات! فجاء برنامجه الجديد ليفتتح مرحلة جديدة من حركة التنمية في العالم العربي، وتمكن بالفعل- وبالرغم من كل التشكيك- من تحريك ملايين الشباب العرب الذين أنهكهم الاستهتار العربي الرسمي طوال عقود، حتى أثمر جهده بعقد اتفاقيات عدة مع جهات رسمية وحكومية لتحقيق الكثير من المشاريع ورعايتها، وصولا إلى تأسيس "اتحاد صناع الحياة" الذي جاء تتويجا لكل هذه الجهود، ومستفيدا من الدعم الكبير الذي لقيته هذه الدعوة من جماهير الشباب.

في هذه المرحلة، أفصح عمرو خالد أخيراً عن فلسفته في الصبر وتجاهل كل ما أثير حوله من شبهات ولكن بطريقة مستبطنة، إذ دعا مشاهديه في إحدى حلقات برنامجه (صناع الحياة) إلى تركيز جهودهم على تحقيق أهدافهم دون تشتيت الطاقات بأي التفاتة إلى نقادهم، ثم أشاد في برنامج (على خطا الحبيب) الرمضاني بطريقة النبي صلى الله عليه وسلم في تجاهل بعض منتقديه من مشركي قريش، مؤكدا على أن بعض الاتهامات لا يجدي معها الرد، وأن الإصرار على تجاهلها- مهما كان الاستفزاز- أفضل!

أما اليوم، فلم تعد إثارة الرأي العام ضد عمرو خالد بتلك السهولة، فبعد أن عاد إلى بلاده منتشيا بالتفاف الملايين من حوله، ومؤكدا على متابعة المسيرة من وطنه الذي لا يفتأ يثني عليه بكل خير، أصبحت فرصة اقتناص الرجل أكثر صعوبة من أي وقت مضى، أما السؤال الخجول الذي رفعته مجلة (روز اليوسف) على غلافها: هل تشكل عودة عمرو خالد خطراً على مصر؟ فلا يشكل في رأيي أكثر من محاولة أخيرة لحفظ ماء الوجه، ولذا أقترح أن يطرح السؤال الذي ابتدأنا به هذا المقال بدلا منه، والذي حاولنا الإجابة عنه بهذه العجالة، فمن أجل هذا رحلوا.. وعاد عمرو خالد!




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home