القلم النقدي

 

باب الحارة ...ورحلة البحث عن المكارم

نجيب بن خيرة



" باب الحارة "  .. ورحلة البحث عن المكارم                              

                                                                     

أن يستطيع عمل تلفزيوني أن يحقق الانتشار،ويثير الإعجاب، ويخطف الأبصار،ويفرض حضر التجول أثناء عرضه ، ويوضع عنوانه على المحلات التجارية ، ومقاهي الأنترنيت ، ومطاعم المدن العتيقة ..كما فعل مسلسل " باب الحارة " فإن ذلك يحتاج إلى قراءة ووقفة وتحليل ..سواء كنا من المعجبين به أم من غير المعجبين ، من القابلين له أو الرافضين .

وأنا لست مع الذين اعتبروا أن العمل يحمل شحنة "ميلودرامية "، أو "حمى فولكلورية"جعلت المشاهدين يتعلقون به ، وليست هنالك من دوافع أخرى وأسباب خفية باعثة على هذا الاهتمام وذلك التعلق ..، بل إن العمل حقق نجاحا منقطع النظير جعله من أكثر المسلسلات شعبية في تاريخ الدراما العربية ، لأنه جسّد الحياة في المدينة العربية ، والحارات العتيقة بكل إيجابياتها و تناقضاتها و أخطائها ، فظهرت فيه بصمة الفطرة النقية المتجسدة في مكارم الأخلاق التي راح المشاهدون في طول البلاد العربية وعرضها ـ وحتى في المهجر و الاغتراب ـ يرحلون إلى البحث عنها طيلة حلقات المسلسل خلال شهر رمضان المبارك .

وفي تصوري أن وراء هذا العمل الهادف ذوقا سليما ، وفكرا عميقا ، ورساليّة فذة ،خرجت بنا عن مألوف الأعمال التاريخية التي تغرق في التفاصيل ، وتتتبع سير الحوادث ، وتركز على الأشخاص ، بعيدا عن تصوير الواقع ، ولفت الانتباه إلى القيم المسيطرة ، والأخلاق السائدة ،و العادات المتبعة .

وقد استطاع هذا العمل أن يعرض بمِهَنية عالية ، وبطرافة مُمتعة ، وبأداء مُميّز ، صورا من العزة ، و الشهامة ، و المروءة ، و البطولة ، والروح الجهادية التي تحمي المقدسات ، في زمن نفتقر فيه إليها جميعا !.

ألم يكتشف الرجال اليوم أنهم ذكور وليسوا كرجال " باب الحارة " في نخوتهم ، وعفّتهم ، ونبلهم ، وحتى في قسوتهم ، فإن القسوة أحيانا لا تخلو من العطف  و الحنان ؟، ..فالأب المتسلط الجبار الحاكم بأمره لا يلبث أن يحيط أسرته بالرعاية و الحدب و المحبة .

ألم يكتشف الآباء اليوم أنهم متعطشون أن يعاملهم أبناؤهم بطاعة وولاء كما يعامل أبناء " باب الحارة " آباءهم ؟ .

ألم يكتشف الشباب اليوم أنهم في حاجة إلى وجود أنثى تشتعل نار الحب في مشاعرها ولكن ذلك لا يخلع عنها ثوب العفة و الخجل و الوقار ، ويظل بُرقُع الحياء يُزيِّنها حتى تُزفّ إلى "ابن عمها" فترفل معه في مباهج الحياة الزوجية السعيدة ؟ ، وتظل طيلة عمره  تردد على سمعه " حاضر ابن عمي " حتى و لو كان ابن العم هذا حلاقا في طور التمرين !، أو له عقد ما قبل التشغيل !.

ألم يكتشف أصحاب حارتنا اليوم أن باب الحارة لما فتح عصفت بالحارة الرياح الهُوَج ، وتفرق أهلها شَذَرَ مَذَرْ، ولم يعد للحارة قيادة رحيمة بأهلها تسهر على أمنهم ، وتتفقد أحوالهم ، وتعطي محرومهم ، وتعين قاصرهم ، وتحمي ضعيفهم ...فإذا  ثار نزاع أو تخاصم بينهم فإن مجلس " أعضوات الحارة " يفك الخصام ، وينشر الوئام ، ويرجع الأمور إلى العدل و التراضي و الإنصاف .

ولئن صوَّر المسلسل المرأة طيلة حلقاته مفقودة الدور ، مسلوبة الرأي ، مكسورة الجناح ، فإن ذلك مما يؤخذ على الكاتب و المخرج لأنه تكريس  للثقافة الذكورية التي طبعت حياتنا الاجتماعية منذ قرون ، وجعلت المرأة منسحبة من الحياة ، تعيش ظلا للرجل و ليست لباسا له .

كما لم يعرض المسلسل جانبا كان مشهودا في عقد العشرينيات و الثلاثينيات من القرن الماضي ـ و هي الفترة التي يؤرخ لها العمل ـ في بلاد الشام عموما و في دمشق على الخصوص ، وهي الحركة العلمية و التنويرية ، فالحياة السياسة و الثقافية كانت تعج بالعديد من الأدباء و المفكرين و الأطباء و القضاة و المحامين ...وهذا ما ينبغي أن يتداركه المسلسل في جزئه الثالث .

ولكن رغم ذلك  فإن "باب الحارة "استطاع أن يصور العلاقات الحميمة ، ودفء التواصل العائلي ، ويكون بديلا لأفلام القنوات الداعرة التي ملأت الأرض و السماء وتساقط في حمئها الآسن  جموع الأسر و الشباب ، والصغار و الكبار ، الرجال و النساء .

وإن ما يفعله مسلسل واحد هادف أكثر مما تفعله عشرات المحاضرات و الخطب و الدروس ، لأن النفس البشرية مجبولة على التأثر و المحاكاة .و الخير، و الجمال، و الشجاعة ، والبطولة..معاني جميلة تعشقها النفس ولكنها لا تتمثلها إلا في رجل يسعى بين الناس ، فلو أن أعمالنا الدرامية عرضت سير الأمير عبد القادر وابن باديس و ابن مهيدي وأحمد ياسين ...لرأينا الأثر العجيب تتوارثه الأجيال، و يتعاقب عبر الأزمان .

ونحن مطالبون اليوم قبل الغد بإنشاء كليات ومعاهد تُدرِّس التمثيل و الإخراج و كتابة السيناريو وتملأ الساحات الفنية الرحبة بصناع الفن الهادف ، لتكنس هذا الميدان من عبث ذوي العاهات العقلية و الخلقية و النفسية ممن ملأوا ميدان الفن بالخنا و الفجور .

وتحت شعار حديث النبي صلى الله عليه و سلم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " كرّم المدير العام لمُجمّع النور أحمد كفتارو ـ مفتي الديار الشامية سابقا ـ بدمشق الدكتور صلاح الدين كفتارو عمالقة التمثيل في مسلسل " باب الحارة " وقال : " إن العمل بكل ما فيه من ملاحظات فإنه يعزز مكارم الأخلاق ، ويحيي التراث و الثقافة العربية الأصيلة ، إن هذا العمل يقف في مواجهة التحديات الهوليولدية الغازية التي تريد النيل من ثقافتنا و تريد تفتيت عضد شبيبتنا العربية من خلال ما يؤكدون عليه في أفلامهم على الجريمة و الرعب و الفسق و المجون ، لذلك كانت رسالة  باب الحارة " رسالة تربية و أخلاق ، وتعزيز ثقافة ، وإحياء تراث " .

نعم : لقد مثّل هذا العمل الجاد صحوة دفينة ملامحها الحنين إلى الماضي القريب ،وقيمه النبيلة ، نستلهم منها الرشد ، ونرسم بها صفحة جديدة للذوق ، و الفن ، والإبداع .

و يا ليت عُمّار اليتيمة في مبنى شارع الشهداء عندنا تأخذهم الغيرة على واقع الفن في بلادنا ، أم أن الشارع أصبح حارة بلا أبواب ؟!!.




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home