القلم النقدي

 

قراءة في قصة " لوحةٌ وبـزّة مـتـّسـخة"

مهند صلاحات



 

قراءة في قصة " لوحةٌ وبـزّة مـتـّسـخة"

للأديبة الفلسطينية انشراح حمدان

 مهند صلاحات - الأردن

             إن فن القصة القصيرة، فن راق ٍٍ ومعقد في نفس الوقت، حيث يتطلب من الكاتب الصدق في الطرح القصصي، مع العمق حتى يغني نصه بإشراقات تضع الضوء على دلالات النص مباشرة، كما أنه يُطلب من الكاتب أن يركز دعوته ولا يجعلها مفتوحة، فهنالك عناصر أساسية يستطيبها القارئ كالدعوة إلى الحرية و الدعوة للتضامن مع هم الإنسان وصراعاته مع قيود زمنه، وتصوير مشاكله وإحباطاته المتنوعة وهمومه الكثيرة، وأفراحه الصغيرة، من خلال نصوص ينبغي أن تزهو بفنيتها وقدرتها على التعبير السردي المكتمل الموجز، وعلى الكاتب أن يتعمق في هموم الإنسان العادي، ليكون أكثر قربٍ من قلب القارئ، وحتى يحقق نزاهة نفسه ويكون بعيداً عن إتهامات المثقف المزور أو الموالي، وقبل ذلك كله للغة دور مهم جداً في القصة القصيرة، حيث أن اللغة ورصانتها ترتقي بالقصة ومستواها الأدبي.

 كما أننا إن أردنا الوقوف على قصة قصيرة ما، فلا بد قبل كل ذلك إلى أن نشير إلى أهمية القصة القصيرة نفسها ودورها في الوقت الحالي، فأهميتها تكمن في كون نصوصها الجيدة تكشف عن تعدّد حقولها الدلالية، وتُساعد القارئ على إعادة إنتاج الرمز الذي ينهض به وعليه، أي فيما يتصل بحال الرسالة التي يُريد المبدع إيصالها إلى المتلقي سواء أكانوا أفراداً، أم مجتمعات، ويُغني النص في حالة القصة القصيرة عن نصوص سردية طويلة، وإن كان بالطبع لا يمثل إشباعاً فنيا كالقصة الطويلة أو الرواية، إنما حسبه أن يُمتعنا فنيا وجماليا ـ في لحظات ـ بالإضافة إلى المستوى المعرفي اليسير، فيقول الأديب والعالم الفيزيائي الدكتور أحمد زكي «ليس ألذ في أحاديث الناس من قصة، وليس أمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذا قلت قصة ذهب النوم، واستيقظت العقول، وأرهفت الآذان ...».

 هذه المقدمة الطويلة نسبياً كان لا بد منها عن الوقوف على نص أدبي تم تصنيفه على أنه قصة قصيرة، لشاعرة فلسطينية قبل أن تكون قاصة، فهذا يعطيني فكرة أن القصة التي بين يدينا هي قصة بلغة شاعرة.

قبل كل شيء لا بد من تصنيف القصة وقياسها حسب مقاييس الأدب العربي لنخرج بتصنيف أدبي لها، فقصة "لوحة، وبزة متسخة" لانشراح حمدان تقترب من الشكل التقليدي ، ثمة بداية ووسط ونهاية، وهي قصة سردية من القصص التي تأخذ الطابع الرمزي، فالبداية والوسط فيها أخذت السرد الواقعي العادي، بينما أعطت النهاية البعد الرمزي أكثر فيها، وهذه القصة التي يمكن إيجازها في ثلاثة شخصيات رئيسية هي : صابر الخياط البسيط، والسيدة الشقراء ذات العيون الزرق، وسائقها المغلوب على أمره، وتتلخص القصة بوقوف سيارة في داخلها امرأة شقراء وسائقها أمام محل صابر الخياط، وتخبره بأنها تريد الدخول لمحله لانتقاء بزة لسائقها، لكن صابر يتردد في مسألة دخولها لمحله لأنه قد قطع لوالده عهداً بألا تدخل المحل امرأة، فيقوم بعرض عدد من النماذج عليها وهي في سيارتها فلا تعجبها فيفكر في عرضها على السائق باعتباره صاحب الشأن فيأتي جواب السائق مخيباً بالنسبة لصابر حين يقول له : الأمر لسيدتي، هي تفصّل وأنا ألبس.

وفي النهاية تدخل المرأة للمحل وتختار البزة الرثة القديمة المعلقة على الجدار، حينها يبدأ صابر بالانكماش، ويصغر ويصغر حتى يغدو بحجم صرصار ومن ثم يقفز ويختبئ في جيب الجاكيت.

فعلى الرغم من هذه النهاية التي تبدو خيالية أسطورية، إلا أنها نهاية أكثر واقعية من الخيال، فالرمزية كونها عنصر أساسي في الأدب الحداثي تعطي الحق للكاتب في أن يمتد بخياله نحو التحولات غير الممكنة، فعملية تحول صابر إلى صرصار هي أيضاً إشارة رمزية إلى ما تود الكاتبة قوله بشكل آخر مختلف.

 ونص انشراح حمدان هذا يثير العديد من الأسئلة ، وبخاصة أن الكاتبة أنجزت القصة في محاولة وصف واقع بين قديم وحديث مليء بالانتكاسات العربية، فجاء النص في خاتمة تفاصيله يحمل حدث الانتكاسة التي نعيشها ليكون السبب الذي أوحى لها بكتابتها في هذا الوقت بالذات، وإن كان قارئ القصة يتساءل أيضاً إن كانت ثمة علاقة بين شخوص القصة وبين الواقع بكل تفاصيله، فصابر الذي يشكل في القصة جزءاً من الواقع العربي وبين السيدة الشقراء بالعيون الزرقاء إشارة واضحة لغربتها عن الواقع العربي.

 لاحظنا أن انشراح تكتب عن عالم يلامسها من قريب، ولا تكتب عما تسمع، بل إنها تكتب عما عاشته ومرت به، ليس بالشكل التفصيلي فالقصة ذات بعد رمزي إنما التفاصيل التي تترجمها كونها قاصة وشاعرة إلى رمزيات أخذت النهاية فيها دور المتخيلة، وإن كان هذا العالم المتخيل ذا نصيب من الواقع ، وله حضوره.

 يتكون العنوان من ثلاثة مفردات "لوحة" و "بزة" "متسخة" . إنه مكون شخصي ومكون مكاني، وهي بالتالي تتحدث عن تفاصيل رمزية في مكان ما، سرعان ما يفصح عن هذه التفاصيل جسد النص، فالمكان هو محل للخياطة والذي يرمز للوطن أو البلد، والكاتبة حين جردت قصتها من تحديد بلد معين أو دولة معينة ، أرادت أن تكتب عن أجواء عربية بشكل عام. وليشمل "صابر": أهل الدولة أو البلد ، وتشمل السيدة الشقراء : " الاستعمار" الذي يحاول الدخول إلى  المنطقة العربية، بينما يجسد " السائق" الشخوص الذين يختار لهم الاستعمار زيهم ونظامهم.

فالبزة إذن والتي جاء الاستعمار ليفصلها لمجموعة ما لترتديها، تمثل الواقع العربي الذي بدأ يتحول باتجاه الانقلابات المدعومة بشكل واضح من الدولة الاستعمارية الكبرى "أمريكا".

  الموضوع الرئيسي في القصة هو موقف صابر ورد فعله إزاء حدث، وهو دخول المرأة الأجنبية لمحله رغم وعده الذي قطعه لوالده بعدم السماح لأي امرأة كانت بدخوله، هذا الحدث الذي تمّ رغماً عنه بسبب ضعفه في منعها من الدخول لتختار البزة العسكرية ذات الطراز القديم، مما يعني ذكاء الإشارة، وجمالية  توظيف العبارة لتخدم الفكرة التي أرادت إيصالها القاصة، وهي أن هذه الشقراء التي تمثل أمريكا والتي ترفع شعارات لدخولها للمنطقة بالتغيير والديمقراطية قد كشفت زيف إدعاءاتها بالتغيير بأن اختارت الطراز القديم ذاته، أي أنها تريد استبدال شخوص فقط لا حالة، استبدال الجنرال بجنرال آخر قد أعلن لها الولاء والطاعة، ونجحت في توظيف المفردات في التعبير عن ذلك حين جاء جواب السائق على صابر :"الأمر لسيدتي، هي تفصّل وأنا ألبس".

 فمن خلال الرد نتعرف على موقف السائق المستسلم الخانع للإرادة الاستعمارية الجديدة، وهذا ما يعيد لذاكرتنا مقطع قصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل بل ويجسدها أفضل تجسيد حين قال :

قلت لكم في السنة البعيدة

عن خطر الجندي عن قلبه الأعمى، وعن همته القعيدة

يحرس من يمنحه راتبه الشهري وزيه الرسمي

ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء والقعقعة الشديدة

لكنه.. إن يحن الموت فداء الوطن المقهور والعقيدة

فر من الميدان، وحاصر السلطان

            حقاً إن نهاية قصة " لوحة، وبزة متسخة" تنبئ بأن هناك تغيراً لا بد سيحدث، إلا أن الإفصاح عنه يبدو ، بوضوح، في تحول صابر وهربه ودخوله لداخل البزة . تنتهي بالعبارة التالية:

" صرخ صابر صرخة مَن رأى وجه (ميدوزا) ، وراح ينكمش ويصغر ويصغر حتى غدا بحجم صرصار ثم قفز واختبأ في جيب الجاكيت " .

           أما لغة القصة،  فيلحظ قارئ القصة نفسه أمام ثلاثة أشكال لغوية ، هي : شكل السرد وشكل الحوار وشكل لغة المونولوج الداخلي ، وقد راوحت القاصة في التنويع في الأسلوب القصصي.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home