القلم النقدي

 

آمال جبارة في لوحة المدن : البحث عن مسارب الأمل في مدن الألم

محمود الزهيري



 

آمال جبارة في لوحة المدن : البحث عن مسارب الأمل في مدن الألم !!

محمود الزهيري

mahmoudelzohery@yahoo.com

هي أرادت أن تعبر المدن النائمة , ولا أدري ما الذي أوعز إليها بهذه الغواية المؤلمة النتائج في عبور مدن الأموات التي تتاشبه بالقبور حيث لاحياة , ولاروح تنبت في شوارعها ولا أرصفتها , حتي ناس هذه المدن عبارة عن أشباه أو مسوخ بشر ماقبل الإنسان في تطوره الحضاري , لقد كانت ومازالت مسألة عبور هذه المدن النائمة تمثل أزمة كارثية لمن ألقي السمع ولكنه لن يكون شهيداً , فإلقاء السمع للصمت , وإلقاء الخفوت في مواجهة الضوء , وإطفاء الشموع والفتائل في مواجهة الظلمة , وإطراح التمدن والتحضر في مواجهة القفر والجدب , ليكون الصمت والظلام والقفر والجدب هو حال هذه المدن النائمة .

فلماذا إذاً عبور هذه المدن ؟

هل هو الحنين لماضي مكلوم فيه الإنسان المعذب بأحاسيسه المشتتة بين ماضي ليس مضئ إلا في فترات تمثل وميضاً هارباً من غيبوبة العقل لأزمة المشاعر والوجدان والأحاسيس الهاربة للشنق والإعدام ؟

هل هو النكوص عن الرفاهية والعودة بذاكرة التاريخ حيث الزهد في اللاشئ والعدم الفارض وجوده علي حياة عدمية مستبدلة المؤجل بالآني العدمي ؟

هل كانت هي رؤية عدمية أوعبثية وجودية تريد أن تستنهض الألم والوجع وأكاليل الحزن المتوج بها واقعنا المحزون بفسادات رجال الدين , وسفالات رجال السياسة ؟

هل لأنها أنثي عربية متفردة بمشاعر وأحاسيس غابت عن نسائنا وفتياتنا المقهورات بالجهل والفقر العقلي والعطش العاطفي بمشاعره التائهة في الحاضر المطنبة في إستغراق مشاعر الألم والتلذذ بالحزن كحالة مرضية أراد الأوصياء من الفاسدين من رجال الدين ورجال السياسة أن لايكون لها دواء حيث رفع الوصاية والولاية والقوامة علي المرأة والفتاة العربية هو الدواء الوحيد ؟!!

هل كان عبور المدن النائمة هو من أجل بعث روح الإنسان وحياته من الموات إلي حيث الرغد والفرح والحبور ؟!!


 ومن هنا لم تكن لوحة المدن لوحة جدارية صامتة تشخص فيها شخوصها وعوالمها شخوص الصمت الجداري ليراها ن العابرون أو مشاهديها بنظرات عابرة أو مستفسرة عما تحتويه هذه الجدارية
,ولكن لوحة المدن جاءت جدارية تحتوي مضامين التراث والعادات والتقاليد التي أسرت المرأة والفتاة العربية في أسر منذ المنبت الطفولي حتي إعلان حالة الوفاة لتكون مآسي المرأة والفتاة العربية متكررة ومعتادة في عالمنا العربي المأزوم بتراثه الثقافي ومواريثه الإجتماعية بتقاليدها وعادتها التي هي بمثابة تأزمات في تاريخ المرأة والفتاة العربية التي يحرم عليها البوح بالمكنون والمستور الداخلي إلا من خلال الرمز والإشارة والدلالة والكناية والإستعارة والتشبيه المستتر كما أراد لها مجتمع الخوف الذي ولدت فيه وضرب عليها العديد من الوصايات المكذوبة التي تخرج بها من عالم الإنسان ولاترتقي إلا عالم أدني منه أو أقل سواء في مملكة الحيوان , أو المملكة النباتية , ولكن كانت الإرادة الفاعلة لتكون المرأة أو الفتاة في مجتمع الخوف مجرد أقل من جماد , وكأنها شئ من الأشياء يتم إستخدامه والتمتع بالناحية الوظيفية لهذا الشئ , فكان المجتمع الذكوري هو صاحب رؤية الخوف الضاربة بوصاياتها المكذوبة علي المرأة والفتاة العربية .

إلا أن صاحبة لوحة المدن كسرت هذه الحواجز بأسلوب أدبي شاعري رهيف ومؤلم في بعض الأحيان , فكان لها ما أرادت أن تبوح به لتكسر تلك التابوهات وتجمع مفردات لغتها الشعرية لتبوح بأسرار المدن في لوحة المدن التي لم تكن لوحة جدارية حجرية صامته , ولكنها إستنطقت المشاعر والأحاسيس التي يريد أن ينطق بها حتي هذا المجتمع الذكوري ولكنه لايدري أين تكون تلك الحروف وكيفية تجميعها ليستنبئ عن مفردات لغوية تفضح المكنون وتأسر أزمات الواقع المأزوم حيث يكون التاريخ الملعون , ويتحدي الحاضر المكلوم , ليقول أنا هاهنا .

ولكن كان الصمت له دلالات حينما أرادت آمال أن تعبر تلك المدن بآمالها الرحبة الوسيعة التي تجتهد أن تتصادم مع الواقع المأزوم الذي أتعبها وأرهقها في تجوالها الدؤوب بين أرصفة المدن النائمة إلا من الخراب الزاعق بين جنباتها وعلي أرصفتها التي تتوزع عليها القطط الضالة التي ليس لها أصحاب وليس لها مبيت إلا خرائب المدن وحائقها هي الأرصفة الخاوية من البشر ,فظلت تتسائل في حيرة عن الطريق الذي يصل بها إلي عالم المدن الحقيقية المسكونة بالبشر المحبين للحياة والرافضين لفكرة الخراب والعدم .

وفي لمحة إنسانية عالية القيمة لم تُرد صاحبة لوحة المدن بالرغم من ديمومة خفقانات قلبها وارتجاف مشاعرها , وصمتها المهيب بجلاله  وروعة حزنها المكتوم إلا من خفقانات داخلية تتبدي في حالة التوهان وغياب الطريق عن قدميها , ومع ذلك كانت تتملكها الرحمة في أعلي مراحلها الإنسانية رافضة أن تتألم القطط السائبة بألم الخفقان الذي يلازمها .

فهي تقتفي آثار المستحيل وهي تعلم أنه مستحيل ومع ذلك لم تتأثر بإستحالة المستحيل , فكانت تنثر الآمال والماني علي أرصفة هذه المدن الخربة الميتة , والتي بلاروح , وكانت تحاول أن تُربك الخوف وتشتت جمعه وترعبه بالأماني والأحلام التي تريدها أن تهزم هذا الخوف في مجتمع الخوف , وأن تستنهض الهمم في مواجهة مجتمعات ميتة بالخوف والرهبة من المكان , حيث الحاضر المعاش يمثل في كينونته تكرارات متماثلة تُرضع الخوف وتشبعه في حالات متكررة في الواقع وتكررة في الماضي .

مازالت الأزمات تتكرر بإجترار الماضي بشخوصه وأحداثه وعوالمه البائدة من غير مقدرة علي إحداث أي تجاوب مع الحاضر المتغير , فكانت الجغرافيا المكانية للماضي بأحداثها التاريخية هي التي تريد أن تتواجد في الحاضر , وكان هذا من المستحيل حدوثه , حيث الشخوص لم تعد هي هي الشخوص , والأحداث لم تعد هي هي الأحداث , فالجغرافيا تتغير والتاريخ ثابت بأحداثه المعبأة بصراعاته وعاداته وتقاليده الصانعه منه التراث الإجتماعي المعبأ بافكار بشر أرادوا لها أن تكون ديناً متبعاً , فكانت إرادة البعض أن تستجلب التاريخ لتعيد إنتاج أحداثه وإعادة إنتاج أفكاره لأن الحاضر أصبح في المفهوم خاوياً وخرباً ولم يعد قادراً علي الإنتاج والإبداع , ومن ثم كان الإنفعال والديماجوجية العقلية والعاطفية هي التي تخاطب المدن بل والقري حتي النجوع والكفور والأماكن ذات التجمعات الإنسانية البسيطة , فأصبحت المدن العربية تشبه الليل والإنفعال , ومن هنا ضاع الطريق للوصول إلي بداية النهضة والتحرر .

أعبر المدن النّائمه

صامته...

تعب القلب بين يديّ

أمنع الخفق للقطط السّائبة

والطّريق الذي ظلّ يوغل  فيّ

يرهق مقلا هائمة

صامته...

اقتفي أثر المستحيل

في انعراج الثّنايا التي تكتوي بالخطى

أربك الخوف في قفر ذاك السّبيل

ناثرة في الرّصيف الأماني

وكلّ أحلامي ...نجمة أو فتيل

 

صامته...

اقتفيني وأرصد رجف الرّكب

سائلة قلبي أين من قدمي الّطّريقْ؟

تعب الخفق من فرط هذا السّؤال

واستوى في رحاب الجواب بريقْ

.........................................

حائط يمضغ السّبات

ويرتدي اللّون كي يقتفيه النّهار

والرّصيف الذي يعلن القفر والاشتعالْ

ينفث تعب الارتحال

والطّريق الذي يشبه اللّيل والانفعالْ

يجثم فوق أوجاعها الدّائمه

عندما أعبر المدن النّائمه

وبهذا عبرت آمال جبارة في تساؤلها الدال عن الضياع والتشتت الوجداني والعاطفي واصفة الطريق بالليل والإنفعال سائلة قلبها :أين من قدمي الطريق ؟!! حيث الطريق الذي يشبه الليل والإنفعال يجثم فوق الأوجاع الدائمة لهذه المدن !!

 

أعبر المدن النّائمه

صامته...

تعب القلب بين يديّ

أمنع الخفق للقطط السّائبة

والطّريق الذي ظلّ يوغل  فيّ

يرهق مقلا هائمة

بهذه المفردات الشعرية أرادت أن ترسم شاعرتنا آمال بآمالها الوثابة لمدن تنضج بالحياة وتنبسط لأسارير الفرح ومشاعر السعادة , إلا أن واقعها المرسوم في لوحتها للمدن يعاندها ويقف أمام آمالها وأحلامها الوثابة لعالم أفضل حيث تأمل آمال أن تدب الحياة في مدن الصمت والخوف حينما أرادت صامتة وجلة أن تعبر تلك المدن الملبدة بالليل والخوف , ولكنها تعاني من عدم القابلية والإنسجام مع مجتمع الصمت والخوف , وتستشرف المعني الإنساني لخفقان القلب المضطرب الوجل من المدن التي تحولت إلي لوحات جدارية صامتة حوتها كتل أسمنتية خرسانية وكأنها مقابر تعج بالأموات ولاتسمع منها صوت ينبئ أو ينم عن حياة , فكانت رؤوم بحيوانات هذه المدن , فأرادت أن تمنع الخفقان عن القطط السائبة التي لم تجد لها عوالم من الأحياء فكان سكناها خرائب وأرصفة هذه المدن التي تحولت إلي خرابات وأرصفة خاوية إلا من القطط السائبة كرمز لفقدان الألفة حتي بين الإنسان والحيوان , إلا أنها أصرت علي خلق هذا الترابط الإنساني بينها وبين حيوانات أليفة ودود وة مثل القطط ورفضت أن توزع عليها خفقان القلب ووجله واضطرابه من تلك المدن الخربة من الروح ومشاعر الإنسان , فكانت الأرصفة والطرق توغل في داخلها لتبحث عن إنسانية الإنسان إلا أن الطرق لم تجد إلاإنسانية تبحث عنها آمال وطموحات من رسمت لوحة هذه المدن التي لم تتآلف مع نفسها ولم تتآلف حتي مع الحيوان , فكانت نظراتها الهائمة الشاردة الباحثة عن الإنسان لدرجة الإرهاق من التحري والبحث عن هذا الإنسان في مدن حالت بينها وبين الإنسان جداريات من الخوف والصمت والرهبة الموغلة في أعماق الإنسان من تلك المدن المرعبة .

وهاهي ظلت :

صامته...

وتعلن :

اقتفي أثر المستحيل

في انعراج الثّنايا التي تكتوي بالخطى

وكأن الخطي التي تبعث بها للطريق المتحول إلي ثنايا وتعرجات تكتوي من شدة الإنعراجات والثنايا البعيدة عن خطوط الإستقامة  , وتحاول بالآمال حيناً وبالأحلام حيناً أخري أن تربك الخوف الساكن في مدن مقفرة مجدبة من روح الإنسان , وتسعي حاملة أحلامها وآمالها لتنثرها كالورود والأزاهير علي رصيف الأمنيات التي ترجوها أن تتحقق , وتتصادم مع الواقع المرير المأزوم واصفة أحلامها بأنها نجمة أو فتيل شمعة , ولكن هذه النجمة أو ذاك الفتيل , كيف له أن يضي ثنايا الصمت , وحنايا الروح الغائبة عن المعادلة الإنسانية .

أربك الخوف في قفر ذاك السّبيل

ناثرة في الرّصيف الأماني

وكلّ أحلامي ...نجمة أو فتيل

فالصمت لابديل عنه , والألم لا رادع لفراقه , والحزن يأبي إلا المصادقة , والركب راجف ومضطرب , والقلب المألوم يتسائل عن الطريق ويقول : أين من قدمي الطريق ؟!!

يااااااااااااااااااااااااه , القلب يسأل عن الطريق الذي يصل بالمدن إلي بر الحياة وشاطئ الروح , وسعادة النفس , ولكن القلب مازال يخفق من تكرار الأسئلة في عالم الأسرة الأبوية الذكورية التي ضربت الوصايات وصكت مسببات الولايات , و صنعت من مجتمع الذكور قُوام علي النساء والفتيات , حتي تعب القلب من فرط الأسئلة وتكرارها  , ولما ظهرت بوادر الأجوبة إستوي بريق الأمل وكأنه القادم من بعيد ليعلن عن نفسه بمجيئه ليصطدم بحوائط المدن الحجرية وكأنها مدن بعثت من العصر الحجري ماضغة السبات والغفلة من جديد , مرتدية ألوان السواد والعتمة بما يعتمل في ثنايهما من خوف ورهبة ومهابة من الظلام كرمز لإستجلاب النور الذي يقتفي النهار أثره , إلا أن المدن بأرصفتها وحوائطها ماتزال علي إصرار في حالة إعلان ورفض إلا للقفر والجدب والحرائق , وتتأوه الأرصفة والطرق في هذه المدن من تعب وألم الإرتحال والبحث عن الإنسان الغائب من معادلة تلك المدن التي تشبه الجداريات الصامتة , وتتحول إلي ليل حالك الظُلمة وإنفعالات مكبوته لاتقدر علي البوح بالمكنون الساكن داخلها والمعبأ بمخزون الخوف والرهبة حتي من المكان لتستمر الأوجاع الدائمة والألام المستديمة , وكل هذه الألام والأوجاع حينما تتكرر حالات عبور المدن , من مدينة إلي مدينة أخري من المدن النائمة عن الحياة وروح الإنسان وحضارة الإنسان .

صامته...

اقتفيني وأرصد رجف الرّكب

سائلة قلبي أين من قدمي الّطّريقْ؟

تعب الخفق من فرط هذا السّؤال

واستوى في رحاب الجواب بريقْ

.........................................

حائط يمضغ السّبات

ويرتدي اللّون كي يقتفيه النّهار

والرّصيف الذي يعلن القفر والاشتعالْ

ينفث تعب الارتحال

والطّريق الذي يشبه اللّيل والانفعالْ

يجثم فوق أوجاعها الدّائمه

عندما أعبر المدن النّائمه

2

مازال الحلم في كسر حدود الجغرافيا الصناعية التي لم يصنعها الله , ولم يريد أن يكون بين بني الإنسان فواصل جغرافية , ولكن نحن بني الإنسان بعنصريتنا وإنغلاقنا الإنساني المصنوع بعقول الإستبداد والظلم واستعباد الإنسان للإنسان , واستلاب مقدرات الأمم التي تتبدي في حالات الضعف والوهن , فكانت الحدود والفواصل الصناعية البغيضة التي كان سوء القصد وبذاءة المبتغي منها للتمايز بين الأمم وبعضها .

في لوحة المدن أرادت آمال جبارة أن تشق للأمنيات طريقاً لعبور المدن بلاعوائق مصطنعة , وبلا حدود عنصرية تتمايز بها الأمم علي بعضها سواء باللغة أو بالدين أو بالنوع والجنس واللون , أرادت أن تعلي من القيمة الإنسانية لإنسانية الإنسان وكأنها تريد أن تكون الأمم تسكن في مكان واحد تطل شرفات الأمم علي بعضها البعض بلا خوف ولا وجل ولاخجل , بلا إستشراف لأحداث الماضي العنصرية الدموية وصرعاته المريرة , فكان لها أن تحلم بفتح تلك الشرفات وأن تحلم بسقوط كافة الحدود التي تعيق الطريق أمام إنسانية الإنسان وتواصله مع أخيه الإنسان والذي ينسب إلي أب واحد وأم واحدة وأرض واحدة وسماء واحدة , وكأنها تتسائل وتقول يارب السماء والأرض , يارب الإنسان من باعد بين الإنسان وأخيه الإنسان ؟!!

فكانت آمال جبارة تتسع خطواتها من أجل هذا التواصل الإنساني , مبتغية أن يتحقق أملها في الحلم بطي السبل الآتية من بعيد , ولكن الحلم يتأزم من جديد حينما تفاجأ بأن الرصيف يتقلص ليتعرج من جديد , ويلف الصمت الأرصفة من جديد لتعاود المدن رحلتها في الخراب والصمت المخيف لتستجلب القطط والكلاب السائمة التي ليس لها أصحاب سوي خرائب المدن الصامتة والمسكونة بالخوف والليل والإنفعالات , وتريد آمال جبارة أن يخذل الواقع تلك القيود الحديدية المصنوعة في الماضي بالخرافة والأسطورة والعفاريت والجن والشياطين , وأعمال السحر والدجل والشعوذة

تفتح شرفاتْ.....تسقط في الطّريق الحدودْتتّسع الخطوات ْتأتي سبل من بعيدْيتقلّص الرّصيف لانعراج جديدْينفكّ للتّوغّل صمت يخذل الوقع قيودا من حديدْ

 

وكانت دائماً تحلم بإنبجاس وولادة المعاني الحالمة الناعمة في حثها للعشق للتخلص من كابوس الألم الإنساني المصنوع كذلك بأيادي تجار الخرافة والأسطورة الملتبسة بمفاهيم مغلوطة عن الدين والمعتقد , وكأنها تريد للتحضر وأنسنة الإنسان أن يكونا هم الرمز الدلالي لصداقة الإنسان لأخيه الإنسان بعد ظهور الكهرباء وعصر التنوير والتحضر في إشارة إلي عمود الكهرباء الذي يتجمع حوله الأصدقاء حيث الأنس والدفء بوجود هذا العمود الكهربائي الذي بوجوده كان للخرافة والأسطورة أن تهربا بمجرد بزوغ نجم لمبة عمود الكهرباء التي تنير المدن وتملء أرصفتها بالبهجة والسعادة , ومن هنا كان للنجوم والتنجيم والسحر والدجل والشعوذة لايمكن أن يكون لهم محل في الحاضر المعاش حيث عصر العلم والتحضر حيث عامود الكهرباء الذي جعل النجوم الحائمة تضطرب وتخاف باحثة لها عن مكان الظُلمة والليل , حيث آهات الخوف وتأوهات الإنفعال , ولكن هذا يحدث حينما تعبر آمال جبارة المدن , فكأنها هي المرأة والفتاة العربية المعبرة عن أجيال باتت بالخرافة مقهورة , وأصبحت بالوهم مأسورة , وأمست مع ظهور أعمدة الإنارة واعية لما يحيط بها من أحداث وعوالم إنسانية بحثت عن سبل العلم وأسباب الحضارة !

فاستدركت معبرة عن أحلامها بمفرداتها الشعرية الحالمة وأرادت أن ينبجس المعنى :

تفتح شرفاتْ.....

تسقط في الطّريق الحدودْ

تتّسع الخطواتْ

تأتي سبل من بعيدْ

يتقلّص الرّصيف لانعراج جديدْ

ينفكّ للتّوغّل صمت

يخذل الوقع قيودا من حديدْ

ينبجس المعنى

.................................

أحث العشق لبياض الحائط

صار لعمود الكهرباء أصدقاء

واضطربت نجوم حائمه

حين عبرت المدن النّائمه

3

وهكذا تتبدي ملامح الأزمة المشاهدة للوحة المدن , وكأنها أزمة لاتريد أن تنفك , أو تجد لها طريقاً تنتهي معه أسبابها التي تشاهد في الأفق علي أنها مستحيلة , ومن ثم تستفيق لوحة المدن وكأن هذه المدن بلا روح , وبلاحياة , حتي جسد هذه المدن وكأنه قد تحول إلي جسد أسمنتي فاقد للروح والحياة  , كحال مدن العرب , فالسماء في لوحة المدن هذه سماء غائمة , تدعو الخريف أن يكون ودوداً , وأن تغتسل الطرقات والمسالك من آثار الماضي في فتراته الرجعية المتخلفة عن الركب الحضاري الإنساني إحتفالاً بمقاصد التزاوج بين العقل وأسباب العلم والتحضر ووصولاً لمدن شاخصة لرفاهية الإنسان كارهة لشقائه , ورافضة لتألمه , وماقتة لعذاباته , حيث تستضئ  الشرفات بألوان الورود والأزاهير .

ولكن هيهات هيهات أن يتحول الحلم إلي واقع , والخيال إلي حقيقة , ومآسي الواقع إلي عدم , حيث تتقطع كافة السبل في وجه المدن , وتضيع سبل العلم والحضارة والرقي الإنساني , حيث الفساد والظلم والإستبداد والحاكم الذي يريد أن يصل إلي مرتبة نصف إله , فهنا لابد وأن تبحث المدن عن الإله الكامل , ويصير البحث عن أسباب التخلف والجهل والأمية العلمية والحضارية في أسباب مكمنها كما يريد علماء الكهنوت وأرباب الكهانة , وينمو علي سطح الأحداث رجال الدين بفتاواهم المغيبة للواقع والآسرة له في التاريخ , راجعين بأسباب أزماتنا إلي أسباب مفادها البعد عن الله وعدم الإخلاص في طاعته وإتباع سبل الشيطان في التشبه بالغرب الكافر الملعون الذي يحارب الله ويحادده , فما كان من أهل المدن إلا طريق واحد ووحيد وهو الإستناد إلي المآذن وجعلها هي الملاذ الوحيد حيث الشغف والأمل في حلول الأزمات المعاصرة , ولكن مادام الإستناد للدين بلا مرجعية من الأخذ بأسباب العلم والتحضر والتمدن فلن يكون للمآذن دور في النهوض لأن الله لم يكن مع الكسالي والمتعطلين , حتي الذين يقولون اللهم ولي علينا خيارنا ولاتولي علينا شرارنا , في إشارة إلي الإتكالية علي الله دون الأخذ بالأسباب في كيفية إختيار الحاكم بالطرق الديمقراطية العصرية الموائمة للغة العصر والدولة العصرية , ومن هنا تم التكريس لنظرية المستبد العادل والمهدي المنتظر وكانت الجنة المؤجلة هي غاية المراد من رب العباد في تأجيل لكافة أسباب العلم والتحضر والتمدن لتظل مدننا عبارة عن لوحات جدارية صامتة بلاحياة وبلاحرية وبلا إنسان يستشعر إنسانيته , حيث ريشة الفنانة والشاعرة مازالت ترسم بريشة الخيال صانعة من الظلال مداداً يرسم تلهفها ولهفها لعالم أفضل وغدٍ أسعد , وتجعل أقدام هذا الرسم المرسوم بمداد الظلال تستكين له الطرقات بلا خطي حقيقية تجاه المستقبل وتعود القطط للتسكع علي أرصفة المدن الخاوية من إنسانية الإنسان وتصبح كل الإتجاهات ملتئمة ومسدودة في واجهة الآمال والأحلام , وهنا فقط تستفيق الأمنيات الغائمة لتتصادم مع مدن بلا روح !

وهكذا أرادت آمال جبارة أن ترسم لوحة المدن العربية بريشتها الشعرية ومازالت تحلم إلا أن الحلم لايستطاع رؤيته حيث :

سماء غائمه...

تدعو الثّنيّات خريفا ودودا

لتغتسل المسالك احتفاء بمقاصد الوطء

ولتستضيء ألوان الورود  في الشّرفاتْ

 

أسند للمآذن شغفي

ترسم الظّلال لهفي

وتستكين لقدمي الطّرقاتْ

 

ينعقد المواء لحونا للصّمت

وتلتئم لوجهتي كلّ الاتّجاهاتْ

.......تستفيق أمنياتي الغائمه

حينما أعبر المدن النّائمه

 

 

فهل ستستفيق أمنيات آمال جبارة الغائمة حينما تعبر المدن النائمة مرة أخري حينما تتحرر هذه المدن من الخرافة والأسطورة , وحينما تعاود هذه المدن الإيمان بأسباب العلم والتحضر , كما تؤمن بالله ؟!!

أم أنها ستظل مسندة للمآذن شغفها بلا وسيلة من وسائل العلم والتحضر وأنسنة الإنسان ؟!!

محمود الزهيري

mahmoudelzohery@yahoo.com

 

 

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home