مقال

 

عذرا ياخنساء

فتحي العابد



بسم الله الرحمان الرحيم

 

عذرا يا خنساء

 

منذ مدة وأنا أحتفظ بخبر نزل علي نزول الصاعقة، وما يزيد قلبي أوجاعا غرابته وأن هذه الفاجعة وقعت في أحب بلاد الله إلى قلبي ألا وهي تونس.. عن والد انتفض لشرف عائلته عندما قضت ابنته التي تبلغ من العمر العشرين ليلة خارج البيت، وعند تماديها في ذلك التصرف صفعها، فما كان منها إلا أن ذهبت إلى مركز الشرطة وقدمت في والدها شكاية. وكان الضابط المكلف بمتابعة القضية إنسان مبدئي وخير، فحاول إصلاح الأمر بين الإبنة وأبيها، لكنها أصرت على متابعة والدها قضائيا. فما كان من الضابط إلا أن قرأ على والدها _ على انفراد _ النصوص القانونية التي تجعله في وضع لا يحسد عليه طالما لم تتنازل البنت عن دعواها، ولأن الضابط لم يكن مقتنعا بهذا الحيف القانوني فقد ضغط على الفتاة أن تتصالح مع والدها، فاشترطت أن تعيد الصفعة لوالدها! فكان لها ذلك أمام مرأى من الضابط، ثم عادت تمارس "حرية بلا حدود" تبيت خارج المنزل وتعود متى تشاء. بحكم القانون ورغما عن أنف أبيها وقيم وأعراف المجتمع، والأخلاق والدين.

عند قراءتي هذه القصة أثارت في أفعال متباينة وغريبة كغرابة الحدث نفسه، مما جعلني أهز كتفي وأقول باستهتار " يستاهل، ليش يضربها"، وأنا أراجع نفسي، وأستنكر تصرف الفتاة وتجرؤها الوقح على والدها بغض النظر عن الإساءة التي وجهها لها، وكيف تنكرت لمعروف معروف لدى كل الأعراف والأديان. تأَكد عندي ما أسمعه من حين لآخر من بعض الناس الفارين من تلك الربوع، وكيف تغيرت القيم ومنظومتها في ذلك المجتمع في تلك البيئة بين ما تربينا عليه أربعين سنة مضت وما آلت إليه اليوم تربية التشبه بغيرنا والتنازل عن قيمنا، باكيا أحيانا على حاضرنا الذي هو أسوأ من ماضينا، ومتحسرا أحيانا على مستقبلنا الذي تلبدت في سمائه السحب مبرقة مرعدة، مما يكشف عن إصابتنا بتحول قيمي، وانحدار نحو الهاوية وما ينجم عنها من انقلاب معكوس في تسمية الأشياء أو الحكم عليها.

وأن قيمة "فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا" وسلوك رد الصفعة مثلها و كيف انقلب المنكر معروفا؟! لهي السؤال المحير الذي لم أجد له داخلي جواب يجعلني أكتشف الفرق الصارخ بين سمو القيم وانحطاط الأفعال. وكيف أن أبناء إخوتي هناك يعيشون أزمة مضاعفة لأنها تفرض عليهم ممارسة سلوكيات وعادات والقيم الغربية والتي تجعل الحليم حيران.

مات الأب كمدا على تغير الزمان، وتهاوي منظومة القيم أمام شعارات مطلقة جوفاء وغير مسؤولة. وبقيت الأم تبكي تحت رأس راعيها حتى ماتت.. على غرابة الحدث وكيف أصبحوا تتلقفهم الأفواه، حتى أن مصدر الخبر نفسه يقول بأنها حطمت رقما قياسيا في البكاء المتواصل على قبر زوجها، ومن هنا تبدأ القصة، قصة تحليل البكاء حد العماء والموت معا، والوقوف على معاني هذا الجزء الأخير من الخبر  ونقارنه بعظيمة البكاء في تراثنا العربي لأن تلك الدموع لم ترجع زوجها ولا توبة ابنتها، وبما أن خفايا هاته الدموع شدت انتباهي ليس لأنها تدافع عن شرف عائلتها بما تملك فحسب وإنما الكثرة والغزارة في ذلك، هذا لأنني أومن بأن الدموع أغلى مانملك نحن العرب فهي مسكن لأحزاننا، فلماذا تلك المسكينة لم تدخرها وتجددها لبكاء جديد؟

وكنت أعتقد حتى قراءتي ذلك الخبر بأن العرب الأوائل أحرص منا على الشرف وأكثر منا غيرة، وأن الله وهبنا في شخص الخنساء مفخرة لأمتنا، بعد أن لزمت المسكينة قبر أخيها ترثيه وتبكيه، حتى ماتت، فمنحتنا شرف الموت بكاء.

دخلنا نحن العرب بهذا الخبر كتاب الأرقام القياسية، على الأقل من باب النواح والعويل إذا اعتبرنا أن الخنساء كانت هي صاحبة الرقم القياسي في هذا.. فعندما نزل شيطان الشعر على أشهر شاعر جاهلي، ماوجد شاعرنا بيتا يستهل به تاريخ الغزل العربي غير "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل". ومن يومها نحن نتوارث البكائيات، جيلا بعد جيل، ونملك "بطارية" جاهزةلإمدادنا بطاقة البكاء، لسبب أو لآخر.

فالإنسان العربي يعيش على حافة البكاء، إن أحب بكى، وإن كف عن الحب بكى، وإن نزلت عليه صاعقة خبرية كهذه بكى، وإن فرح بكى، وإن وجد نفسه يتذكر بكى، وإن رأى منظرا جميلا بكى، ألم يقل مالك حداد الشاعر الجزائري "ثمة أشياء من الجمال، بحيث لا نستطيع أمامها إلا أن نبكي"؟

يالغبن الخنساء التي خصص لها الكتّاب أبحاث مطولة مفتونين بذلك الكم من الدموع الذي ماتت بغصته. فلماذا يمر خبر كهذا على أسماعنا دون إحداث شيء داخلنا، فعذرا يا خنساء إن تجاوزتك واحدة من بلادي هي غيورة مثلك ومثل كثير من بنات جلدتها، وهذا يثير في الذهن سؤالين في غاية الأهمية:  

1-              هل فعلت نساء البوسنة والهرسك سابقا مثل هذه الأم؟

2-              هل فعلت نساء فلسطين والعراق والصومال مثل تلك الأم؟

.. إن الألم الكبير الذي يقطع أوصال الأمة اليوم لا دموع له، نتيجة الصمت العربي الفادح أمام مايرتكبه أعدائنا وعلى رأسهم اليهود من مجازر ضدنا في كل مكان.

يقول "كارلو مارتيني" أحد الكتاب الإيطاليين في مجال الأغذية " كم أبكي عندما أرى ماحل بجبن القورقونزولا، أصبحوا يعملونه من حليب معقم يقتل الميكروبات، التي هي في الواقع سر روعة طعم هذا الجبن"، وصديقنا الإيطالي الباكي المتحسر على زمن المكروبات، التي تعطي ذاك الجبن شهرة وطعما متميزا، (هو المنادي "بالطعام البطيء" أصبح فيما بعد حركة) وبكاؤه لا علاقة له بالموت السريع أو البطيء، الذي يهدد العالم وفي مقدمتها بلداننا بسبب الحروب الجرثومية.. أو القنابل الإنشاطرية الهاطلة على سماء أفغانستان والعراق. وقد نقف عند قصة تلك المحامية التونسية المقيمة في أوروبا لتبيان بكائنا المتواصل على حالنا من يوم الخنساء إلى الآن، بل يحاولون منعنا حتى من ذلك، عندما كانت في زيارة مدينة سياحية في موطنها، ورأت لأول مرة سياحا إسرائليين يتجولون في بلادها، فاجهشت بالبكاء، وإذا بالشرطة تحضر وتطالبها بأوراق الهوية، وعندما سألت: إن كان ثمة قانون يمنعها من البكاء في حضرة إسرائليين، جاءها الجواب:"لا.. ولكننك ببكائك هذا، أسأت إلى الضيوف".. وعند رجوعها إلى بلد إقامتها حضر رجال الأمن إلى مكتبها لمزيد من التوضيح.

ونحن مازلنا نبكي حتى جفت الدموع ومن يدري هل سيتم منعه كما منعت تلك المحامية، ونحن نقف متفرجون.

أما وقد سلب منا تاج الحزن، أخاف أن يأتي يوم لا نستطيع فيه البكاء على ظلم أعدائنا، إلا بذريعة النواح على الجبن الإيطالي، أو نلزم نبل الألم وصمته.

 

فتحي العابد

كاتب من تونس مقيم في إيطاليا

f.abed@virgilio.it  

***

ك.خ

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home