القلم الفكري

 

الإسلام بين الغرب الأيديولوجي والغرب الحضاري

التجاني بولعوالي



الإسلام بين الغرب الأيديولوجي والغرب الحضاري

بقلم/التجاني بولعوالي

باحث مغربي مقيم بهولندا

www.tijaniboulaouali.nl

 

توطئة

تحاول هذه الورقة تقريب كتاب (الإسلام والغرب الحاضر والمستقبل)، الذي يندرج في نطاق الإسهامات، التي تتعرض لثنائية الإسلام والغرب، وذلك عبر قراءة تركز على أهم مضامين الكتاب المبثوثة هنا وهناك، في شكل أفكار أو أسئلة أو تفسيرات أو طروح... وقبل الشروع في هذا الأمر يقتضي منا المقام، تعريفا ولو خفيفا بهذا العمل الفكري.

إن مؤلف (الإسلام والغرب الحاضر والمستقبل)، يندرج في سلسلة (حوارات لقرن جديد) التي تنظمها دار الفكر بدمشق - سوريا، وهو كما يلخص محرر مقدمة الكتاب الأستاذ عبد الواحد علواني، ينتظم "في إطار فكري حواري يتيح التبادل النقدي على عدة مستويات كمحاولة جادة ورصينة وهادئة لقراءة العلاقة بين الإسلام والغرب!" ص 10 وقد شارك في نسج صفحاته وفصوله باحثان عرفا باهتمامهما بقضايا الإسلام والغرب، أولهما الأستاذ تركي علي الربيعو وهو سوري الأصل، من مواليد القامشلي عام 1951، له إسهامات جيدة ومتنوعة في الفكرين العربي والإسلامي المعاصرين، نذكر منها كتبه: الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة، أزمة الخطاب التقدمي العربي، خيارات المثقف، وغيرها. أما الثاني فهو الأستاذ زكي الميلاد، وهو سعودي الأصل، من مواليد القطيف عام 1965، له كذلك إضافات قيمة ومتعددة في الفكرين العربي والإسلامي المعاصرين، أهمها كتبه: الفكر الإسلامي بين التأصيل والتجديد، المسألة الحضارية: كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير، محنة المثقف الديني مع العصر، وغيرها كثير.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب كان فاتحة صداقة فكرية متميزة جمعت بين الباحثين، يروي الأستاذ زكي الميلاد جوانب من هذه الصداقة، من خلال مقالة، خصها لرحيل صديقة تركي علي الربيعو، الذي توفي في يناير 2007، وقد عنونها بـ (مع رحيل الصديق تركي على الربيعو)، ونشرت في جريدة عكاظ، يقول: "بدأت معرفتي بالصديق الفقيد الأستاذ تركي علي الربيعو، حين جمعتنا «دار الفكر» للنشر بدمشق للمساهمة في إنجاز كتاب ثنائي العمل، حول موضوع الإسلام والغرب، في إطار مشروع ثقافي جديد أعلنت عنه «دار الفكر» عام 1997م، بعنوان: (حوارات لقرن جديد). ويرتكز هذا المشروع على فكرة الحوار النقدي بين شخصين حول موضوع مشترك، من الموضوعات الحيوية والمعاصرة، التي يكثر فيها الجدل، وتتعدد فيها وتتباين المواقف واتجاهات النظر".

وقد قسم الكتاب إلى محورين، أولهما خصص لبحث الأستاذ الربيعو، وهو بعنوان: الخواف من الإسلام في موقف الغرب من الإسلام، وثانيهما عقد لبحث الأستاذ الميلاد، وقد عنونه بـ: الإسلام والغرب – هل من منظور معرفي جديد لعلاقات مستقبلية جديدة؟ ويبدو كل محور بمثابة كتاب أو كتيب مستقل بذاته، وقد ألحق بهذين المحورين تعقيب كل كاتب على ما طرحه صاحبه في الشق الخاص به. هذا بالإضافة إلى أن الكتاب يتضمن مقدمة قصيرة، وفهرس عام وتحديدات لمختلف المصطلحات الفكرية. وهو يحتوي على 208 صفحة، وقد صدرت طبعته الأولى عام 1998، أما طبعته الثانية المعتمدة في هذه القراءة، فقد ظهرت عام 2001.

الخواف من الإسلام في موقف الغرب من الإسلام

في حقيقة الأمر، إن بحث الأستاذ الربيعو على أهميته الفكرية والنقدية، هو عبارة عن مزيج من القراءات خص بها طروح بعض المفكرين العرب، الذين انشغلوا بقضايا الإسلام والغرب، وقد نجح في سبر أغوار تلك الطروح واستيعاب أبعادها المختلفة، لكنه قبل أن ينطلق إلى تناول أولئك المفكرين، مهد لذلك بمقدمة ركز فيها على النزعة الاستعلائية للغرب في علاقته، ليس مع الإسلام فحسب، وإنما كذلك مع غيره من الشعوب والثقافات. ودعما لهذه الرؤية استمد العديد من الشواهد والتفسيرات من الفكر الغربي نفسه، حيث يتساءل الناقد الأدبي تزفيتان تودوروف، وهو يقصد الغرب: "لماذا يقود فهمنا للآخر إلى الاستيلاء عليه، والاستيلاء إلى التدمير، التدمير الذي لا يصبح ممكنا إلا بفضل ذلك الفهم على وجه التحديد". ص 13، أما تشومسكي فـ "هو الآخر لا يمل الحفر في تاريخ الثقافة الغربية المعاصرة على نهج التاريخ، لذلك فهو يسوق لنا آلاف الوثائق التي تؤكد على أن الغزو ما زال مستمرا". ص14، حيث إن الأوروبيين، كما ورد في كتاب تشومسكي (الغزو مستمر)، كانوا "يحاربون بهدف القتل، وكان لديهم من الوسائل ما مكنهم من إرضاء شهوة الدم عندهم". ص 15، هكذا فإن الطريقة التي تؤسس لحكم (العرق السيد في العالم) خطها أوائل الفاتحين النهابين، وما زالت نموذجا يحتذي به أسياد النظام العالمي الجديد. ص 15 في حين ذهب كافين رالي في كتابه (الغرب والعالم) إلى "أن العنف يمثل بنية أساسية في الثقافة الغربية وأنه ومن بين كل الحضارات لا توجد حضارة تمادت في طريق العنصرية والعنف مثل الحضارة الغربية". ص 16

بعد هذا التمهيد سوف يشرع الباحث في تناول رؤى بعض المفكرين العرب المعاصرين، الذين عرفوا بانشغالهم بثنائية الإسلام والغرب، ولم يوضح الأستاذ الربيعو المعايير التي أسس عليها اختياره للنماذج التي تعرض إليها، دون غيرها وهي كثيرة! ومع ذلك فإن الأفيد في قراءته هذه، أنه تمكن من النفاذ إلى جوهر هذه الرؤى، مما أهله لأن يستكشف منطلقاتها، ويستجلي آلياتها، ويستوعب أبعادها الفكرية والأيديولوجية والذاتية، حيث تختلف كل رؤية أو طرح عن الأخرى، رغم أنها كلها تشترك في تناول قضية واحدة، هي الإسلام والغرب.

هكذا وتتحدد النماذج المتناولة في أربعة، ينبني كل واحد منها على طرح ما حول علاقة الإسلام مع الغرب، وكل طرح مستمد من كتاب أو دراسة خاصة بهذه العلاقة. وسوف أحاول التريث، في عجالة، عند ما يميز هذه الطروح، بعضها عن البعض، وهذه النماذج هي كالآتي:

1.   هشام جعيط من خلال كتابه: أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة.

2.   محمد عابد الجابري من خلال كتابه: مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب.

3.   محمد أركون من خلال كتابه: الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة.

4.   إدوارد سعيد من خلال كتابه: الاستشراق.

أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة

إن تناول هشام جعيط لثنائية الإسلام والغرب من خلال كتابه: أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة، لا يمكن استيعابها إلا باستيعاب أهم منطلق يؤسس عليه الباحث رؤيته، وهو بمثابة البؤرة التي تتفرع عنها مختلف أفكار ومعاني وتصورات الكتاب، وهذا المنطلق هو أن علاقة الإسلام والغرب في العصر الحديث محكومة بظاهرة الخوف من الإسلام، وهو ما يطلق عليه الإسلام – فوبيا، وهي ظاهرة ذات جذور تاريخية تمتد إلى القرون الوسطى، التي شهدت أشرس مواجهة حربية نشبت بين المسلمين والمسحيين، وهي ما يصطلح عليها الحروب الصليبية، التي أشعل فتيلها البابا أوربان الثاني في نوفمبر 1095، لتستمر إلى حدود 1444 حيث حدثت آخر حملة صليبية ضد الإمبراطورية العثمانية. يقول الأستاذ الربيعو: "في بحثه عن ظاهرة الخوف من الإسلام، يؤثر جعيط العودة إلى التاريخ القريب والبعيد عله يكتشف السر، فهو يركز أولا على الأحكام القروسطية. فمن هذه التجربة الأصلية للعداء الغربي للعرب سيستمد الوعي الغربي القروسطي الأسس الانفعالية لتمثله الإسلام، التمثل المجبول بالعداوة". ص 24

ورغم أنه مرت حوالي ستة قرون على آخر حملة صليبية، فإن الوعي الغربي الحديث يظل مسكونا بذلك المعطى التاريخي، حيث إنه "على طول العصر الحديث جسدت المسيحية وبكل قوتها في الغرب، الاتجاه المعادي للإسلام وذلك على الرغم من تحرر الفكرة العلمانية من الضغط المسيحي على التأمل العقلاني والذي كان من شأنه أن يقدم إسهاما إيجابيا يرى في الدين الإسلامي جزءا متمما من التاريخ الإنساني". ص 25

وقد تأمل هشام جعيط  مختلف آراء المفكرين الغربيين بخصوص علاقة الإسلام بالغرب، فأدرك أنها لا تخرج على دائرة علم الاستشراق المحشو بالنظرة الإمبريالية، المجبولة على سرقة الآخر واضطهاده واستعماره! حيث إنه إذا كان المؤرخ الاستشراقي رينان يختزل الإسلام في أنه عالم فاسد بحد ذاته، فإن الإتنولوجي المشهور كلود ليفي ستراوش يجعل من الإسلام بنية للعداء والعنف والاستعباد! على هذا الأساس، كما يستخلص الأستاذ الربيعو، "يتوحد المستشرق بالإتنولوجي في نظرتهما إلى الإسلام. ويستعير الإثنان بواعث التعبير عن نظرتيهما من سيكولوجيا جماعية وقروسطية بقيت بمثابة الأساس الصلب للنظرة المؤدلجة للإسلام، وظلت تغذي عند الجميع حالة من الخواف غير المبرر". ص29

مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب

أما الكتاب الثاني الذي تناوله الأستاذ الربيعو، فهو كتاب مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب، للمفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي يمكن تلخيص رؤيته، في أن الامتداد الإسلامي المعاصر في عقر دار الغرب، بات يبث الهواجس والمخاوف في نفوس الكثير من الغربيين، وقد ساهمت وسائط الإعلام كما السياسيون بقسط وافر، في زرع وعي مغلوط حول أن الإسلام يشكل خطرا على الحضارة الغربية، ويرى الأستاذ الربيعو أن "الجابري لا يمل من التأكيد على أن الغرب يشن حربا حضارية باردة على الإسلام، فثمة خواف من الإسلام غير مبرر، حيث يجري تصوير الإسلام على أنه الخطر الأخضر والذي حل محل الخطر الأحمر بعد غياب الاتحاد السوفياتي ومجموع ما كان يسمى بالدول الاشتراكية". ص 31

في الحقيقة، إن هذا التفسير ليس جديدا، فهو يحضر لدى العديد من السياسيين والإعلاميين الغربيين، وتحديدا دعاة التيار اليميني المتطرف، غير أن الجديد في رؤية الجابري هي إشارته إلى أن الخوف من الإسلام غير مبرر، وهذا كلام صحيح! إلا أنه لن يقتنع به الإنسان الغربي العادي، الذي يحيى تحت وقع الإعلام الغربي المتصهين، الذي لا يقدم له إلا ذلك الوجه الدموي العبوس من الإسلام، وهو وجه لا يعكس حقيقة الإسلام، بقدر ما يعكس مواقف لأشخاص أو تيارات لا حيز لها في الإسلام الحقيقي الوسطي المعتدل. بيد أن الإعلام الغربي لا يتعامل مع الإسلام إلا كـ "كلّ يتصف بالجمود والانغلاق والتخلف". ص32

ودعما لطرحه قام الجابري بتقديم تحليلين لكاتبين أمريكيين نشرتهما الواشنطن بوست عام 1992، يرى الأول "أن الإسلام مناسب لملء دور الشرير بعد زوال الحرب الباردة، فهو ضخم ومخيف وضد الغرب ويتغذى على الفقر والسخط، كما أنه ينتشر في بقاع عديدة من العالم، لذلك يمكن إظهار خرائط العالم الإسلامي على شاشة التلفزيون باللون الأخضر كما كان العالم الشيوعي يظهر باللون الأحمر". ص 32 و33، أما الثاني فيعتبر "أن الأصولية الإسلامية هي حركة ثورية عدائية يماثل عنفها وتشددها الحركات البلشفية والفاشية والنازية في الماضي، وهي حركة استبدادية وضد الديمقراطية وضد العلمانية، لذلك لا يمكن استيعابها في العالم المسيحي العلماني، وبما أن هدفها إنشاء الدولة الإسلامية المستبدة فلا بد من أن تقوم الولايات المتحدة بوأدها عند الولادة". ص33

على هذا الأساس، فإن الخلاصة الجوهرية التي يثبتها الجابري، هي أن الإسلام غير مقبول في الغرب، فهو منفي ومستبعد، حيث يتم الخلط في بوتقة واحدة، بين العربي الذي يشكل تهديدا اقتصاديا بقطع النفط، وبين المهاجر الذي يشكل تهديدا ديموغرافيا، وبين الإسلامي الذي يختزل في لفظة الإرهاب باعتبارها التهديد الأكبر لمصالح الغرب! غير أن هذه الخلاصة، حسب رأيي، تظل نسبية، لأن الغرب كذلك مثل الإسلام ليس كلاًّ يتصف بالخوف والكراهية والمواجهة، وقد لاحظ ذلك الأستاذ الربيعو الذي أنهى حديثه عن الجابري بعبارته: "من يقرأ الجابري يجد أن فكره مضمر بالمواجهة مع الغرب وعلى جميع الأصعدة الفكرية والأيديولوجية والإعلامية". ص 37

الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة

أما الكتاب الثالث الذي حظي بقراءة الأستاذ الربيعو، فهو كتاب المفكر الجزائري الأصل محمد أركون، الذي يحمل عنوان الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة، حيث العتبة الأولى لفهم طرحه، هي استيعاب هذه المصطلحات الثلاثة: الإسلام، أوروبا والغرب، التي يرى أركون أنها "تعرضت لأدلجة مهووسة ومبالغ فيها، وأن ثمة صورة سميكة تغلف الخطاب الإعلامي والاستشراقي والسياسي في الغرب، وتدفع إلى مزيد من الهوس والأيديولوجيا والنظرة البدائية والاختزالية للإسلام بآن". ص 37 و38

هكذا فإن أركون يرفض رفضا باتا هذا الخطاب الاختزالي والبدائي لوسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام والمسلمين، لذلك يسعى جاهدا إلى أن يكون وسيطا بين هاتين البنيتين التاريخيتين والثقافيتين، أي بين الغرب والإسلام. غير أنه إذا كان أركون يرى نفسه مؤهلا لتأدية هذا الدور في الغرب، فهل تساءل يوما حول مدى استجابة الطرف الإسلامي لذلك، لا سيما وأن أغلب قراءات وطروح الرجل بخصوص الإسلام مرفوضة في أغلب الأوساط الدينية والثقافية والأكاديمية والإعلامية الإسلامية! ثم إن المصطلحات الثلاثة المشار إليها آنفا، ليست وحدها التي تعرضت للأدلجة، حيث ثمة مصطلحات عدة تمت بصلة وطيدة إلى تناوله، تعرضت بدورها للأدلجة، مثل: العرب، الشرق، الأجانب، المهاجرون، الاندماج، وغيرها كثير.

إن أركون يلتقي مع الطرحين السابقين، لكل من جعيط والجابري، في أن الإعلاميين والسياسيين الغربيين، "يضخمون الإسلام حتى ليكاد يصبح غولا مرعبا أو وحشا أيديولوجيا". ص41 وقد جمّع الأستاذ الربيعو أهم التساؤلات التي يتضمنها كتاب أركون، وأغلبها ينزع منزعا إشكاليا، وقد بدأها بالسؤال المحوري الآتي: إلى أي مدى نظل تحت رحمة التصور الأيديولوجي السائد والذي يحكم علاقة الشرق بالغرب؟

في اعتقادي، إن استمرار هذا التصور الأيديولوجي مترتب عن تضافر مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والثقافية والدينية، قد أشار أركون إلى بعضها وأغفل البعض الآخر، ويتولد عن هذا التصور فهم منحرف لدى الغرب، يربط الإسلام دوما بالعنف وعدائه للديمقراطية ورفضه لليهود، وهي كلها أحكام جاهزة، "تؤكد غياب الأنتلجنسيا الغربية عن فهم الآخر/المسلم وعن عجزها عن الحوار معه، وعن أن الحقيقة في شمال حوض المتوسط غير الحقيقة في جنوبه. إنها إرادة الهيمنة التي تلغي الحوار وتطلب من الآخر الانكفاء على نفسه". ص 43 

الاستشراق

أما الكتاب الرابع فهو للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، وهو يحمل عنوان: الاستشراق، وقد كتبه بين عامي 1975 و1976، حيث أحدث أثناء ظهوره ضجة كبيرة في الغرب عامة، وأمريكا خاصة، سواء على المستوى الإعلامي أم السياسي أم الأكاديمي، في حين أنه لم يلق ما يستحقه على الساحة الفكرية العربية، وقد فسر الجابري ذلك بسيادة النزعة الاستشراقية في صفوف التقدميين العرب. ص 20 ومرد هذه الضجة الكبيرة التي أحدثها كتاب إدوار سعيد، إلى أنه يطرح أسلوبا جديدا في تناول علاقة الغرب بالشرق والإسلام، أسلوبا ينبني على النقد الموضوعي المسنود بالحجج العلمية والتاريخية للكيفية التي تغطي به الإسلام، ليس فقط وسائل الإعلام، وإنما كذلك الخبراء الأكاديميون والاستراتيجيون والجغراسيون والمفكرون وغيرهم، حيث "قامت، كما يقول إدوارد سعيد، بعرضه، وبسطه وتصويره، وتحديد خصائصه، وتحليله وتوفير مساقات فورية حوله. ولكن هذه التغطية، زاخرة بالمغالطات". ص 45   

وفيما يتعلق بوسائل الإعلام الغربية، ومدى تحكمها في تشكيل وعي الآخرين وفهمهم بخصوص الإسلام، فإن إدوارد سعيد يدرك أنها تجمع على إيجاد أو خلق كبش فداء، أو ضحية ما، على اعتبار أن الإسلام هو ذلك الكبش لكل ما لا يروق للغربيين من أنماط سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة في العالم، حيث إنه بالنسبة لليمين يمثل الإسلام الهمجية، وبالنسبة لليسار الثيوقراطية في العصر الوسيط، أما بالنسبة للوسط فإنه يمثل نوعا من الغرائبية الممجوجة. ص 44 غير أنه هل ما زال هذا الإجماع مستمرا، لا سيما وأننا في زمن بدأت تتغير فيه نظرة العديد من المثقفين الغربيين إلى الإسلام، لما اكتشفوا أن الأدبيات السياسية والإعلامية التقليدية حوله محشوة بالكثير من المغالطات والمزايدات، مما دفع بعضهم إلى الانتظام في بوتقته، إما إيمانا به، أو تعاطفا معه، أو تناولا موضوعيا له.

إن إدوارد سعيد يطرح معادلة جديدة في قراءته لإشكالية الإسلام والغرب، فهي تلتقي مع ما سلف من الطروح وغيرها، في التركيز على التعامل الأيديولوجي للغرب مع الإسلام، غير أنها تختلف معها، بشكل أو بآخر، في بعض الأمور، كعدم اهتمامه بالعامل التاريخي المحدد بالحروب الصليبية، ويميز بين الغرب والمسيحية، على أن الصراع قائم بين الإسلام والغرب، لا الإسلام والمسيحية، وغيرها من الرؤى الجديدة المبتكرة. يقول الأستاذ الربيعو: "إن سعيد في قراءته لإشكالية الإسلام والغرب، يوجه اهتمامه إلى نظام الاستشراق وارتباطه بالقوة وإلى أجهزة الإعلام وارتباطها بالهيمنة والغزو. إنه لا يلتفت إلى الحروب الصليبية والتي يكثر الحديث عنها هذه الأيام. إنه يركز على الغرب. فالغرب من وجهة نظره، لا المسيحية، هو الذي بقي دائما في موقع التنافس والعداء مع الإسلام. فالغرب ظل يرقب باستمرار قوة الإسلام والمؤهلة لإزعاجه المرة تلو المرة". ص 48

خلاصة القول

هكذا يمكن أن نخلص من هذه القراءة التي انصبت على المحور الأول الخاص ببحث الأستاذ الربيعو، إلى ثبت المحصلات الثلاث الآتية:

1.   إن بحث الأستاذ الربيعو لا يعدو أن يكون إلا تجميعا لقراءات تناول من خلالها، بعض الكتب التي اهتمت بثنائية الإسلام والغرب، حيث حاول بواسطتها جس نبض بعض ممثلي النخبة الفكرية العربية، وكيف يفهمون علاقة الإسلام بالغرب، وهو في الحقيقة فهم ينطلق من مرجعيات متعددة، ويوظف آليات متنوعة، غير أنه ينظمه خيط رفيع، وهو إجماع هذه النخبة على أن ثمة فجوة عميقة بين الإسلام والغرب، تتسع يوما بعد يوم، غير أن الباحث لا يطرح البدائل الممكنة، لردم هذه الفجوة، بقدر ما يختم بحثه بالتساؤل عما إذا كانت ثمة إمكانية للحوار بين الإسلام والغرب!

2.   ثم إن أهم هاجس يحكم هذا البحث بدءا من عنوانه (الخواف من الإسلام في موقف الغرب من الإسلام) وعبر أغلب فقراته ومباحثه، هو التعامل الأيديولوجي للغرب مع الإسلام، كما أنه ليس ثمة في الغرب مثقفون ومفكرون وكتاب ومواطنون عاديون يتعاملون بشكل موضوعي وطبيعي مع الإسلام، وهذا ما سوف يلتفت إليه البحث القادم للأستاذ زكي الميلاد، الذي يدعو المسلمين إلى التعامل الإيجابي مع الحضارة الغربية، التي لا يمكن اختزال علاقتها بالإسلام فيما هو صراعي وعدائي فحسب، ويسوق لنا عشرات الشواهد التي تثبت أنه إلى جانب النظرة الأيديولوجية للغرب إلى الإسلام، تسود نظرة حضارية تعترف بخصوصية الإسلام وإسهامه التاريخي والإنساني.

3.   كما أن تناول الأستاذ الربيعو يبدو أكثر ارتباطا بعلاقة الإسلام مع الغرب، إما في بعدها الماضوي، حيث نشأت الحروب الصليبية التي أثرت سلبا على هذه العلاقة، ثم تلتها الكثير من المواجهات والحروب والاستعمارات، أو في بعدها الحالي، حيث تتخذ هذه العلاقة مناحي متنوعة، وتتلاقى في مواطن كثيرة، أما البعد المستقبلي، فيظل مغيبا في هذا البحث، لا يحضر إلا على مستوى الأسئلة المعلقة، التي لم تحظ بالإجابة عنها، مما يقوض العنوان الرئيس للكتاب، الذي يعد القارئ بتناول لثنائية الإسلام والغرب في الحاضر والمستقبل!

 

الإسلام والغرب، هل من منظور معرفي جديد لعلاقات مستقبلية إيجابية؟     

تجدر الإشارة بدءا إلى أن بحث الأستاذ زكي الميلاد الموسوم بـ  (الإسلام والغرب، هل من منظور معرفي جديد لعلاقات مستقبلية إيجابية؟)، ولو أنه يلتقي مع البحث السابق للأستاذ تركي علي الربيعو من حيث الموضوع المتناول، الذي هو ثنائية الإسلام والغرب، إلا أنه يختلف عنه في أمور كثيرة، ارتأيت أن أعرج عليها في هذا الموضع، قبل الشروع في معالجة البحث وقراءته.

·       إذا كان بحث الأستاذ الربيعو عبارة عن تركيب لقراءات انصبت على نماذج من الفكر العربي المعاصر، التي اهتمت بعلاقة الإسلام بالغرب، فإن بحث الأستاذ الميلاد يحاول الانطلاق من رؤية الكاتب نفسه حول ثنائية الإسلام والغرب وما ينضوي تحت لوائها من قضايا، بمعنى أنه يسعى حثيثا إلى طرح منظور خاص به، يجتهد من خلاله في قراءة علاقة الإسلام بالغرب.

·       إن قراءة الأستاذ الميلاد لهذه العلاقة تتأسس على آلية النقد للذات والآخر، غير أن النقد الذاتي الذي يوجهه لمواقف المسلمين الانفعالية من الغرب، يظل الأهم، لا سيما وأن تلك المواقف غالبا ما تنظر إلى ما هو غربي من زاوية ضيقة، وهي زاوية العداء والصراع والماضي المظلم، وبعبارة أوضح، إنها تتعامل مع الغرب الأيديولوجي، الذي تناوله الأستاذ الربيعو في بحثه، في حين تقصي الغرب الحضاري والإنساني، الذي يمكن أن يتعلم منه المسلمون الكثير، وهذا ما يركز عليه الأستاذ الميلاد عبر أغلب مباحث دراسته.

·       ثم إنه إذا كان بحث الأستاذ الربيعو لا يتعدى إثارة مجموعة من الأسئلة الإشكالية، دون إيجاد تفسيرات شافية لها، حتى لدى المفكرين الذين تناول أفكارهم بالقراءة، فإن بحث صديقه الميلاد يقدم تشخيصا واقعيا للحالة التي عليها علاقة الإسلام والغرب، وهو ينقب في كل مكان عن الصيغة المناسبة، التي ينبغي أن تكون فيها هذه العلاقة، وهذه الصيغة لا أثر لها إلا في دواخلنا، فهي لا تنبع إلا من طبيعة فهمنا الآخر، حيث إنه كلما كان هذا الفهم صحيحا ومتوازنا، كلما تأتى لنا استيعاب حقيقة الآخر؛ كيف ينظر إلينا؟ وماذا يريد منا؟ وكيف ينبغي التعامل معه؟

·       كما تجدر الإشارة إلى أن البعد المستقبلي لعلاقة الإسلام بالغرب، الذي غاب من بحث الأستاذ الربيعو، يحضر بقوة وكثافة في تناول الأستاذ الميلاد، الذي يدعو إلى الانفتاح على المستقبل برؤية إيجابية.

على أساس هذه الأمور الأربعة، التي يختلف أو يتميز بها بحث الأستاذ الميلاد عن بحث صديقه الأستاذ الربيعو، تتشكل عناصر القراءة التي سوف أعقدها لهذا الشق من الكتاب الذي أنا بصدد دراسته، وهي على التوالي:

1.   الخيار الإسلامي

2.   بين الغرب السياسي والغرب الحضاري

3.   بين نقد الذات ونقد الآخر

4.   المستقبل الذي نريده

الخيار الإسلامي

يحاول الأستاذ الميلاد في تمهيد بحثه تحديد مفاهيم بعض المصطلحات، التي سوف يستأنس بها في قراءته لثنائية الإسلام والغرب، وهو يبحث لها عن أصل أو معادل في المعرفة الإسلامية، وتجدر الإشارة في هذا الموضع إلى مصطلحين هما:

-         فلسفة التاريخ: وهو علم ذو قيمة عظيمة "جاء لكي يطور من نظرة الإنسان إلى التاريخ بحيث ينتقل من حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن آخر، لا أن يصبح واقفا وجامدا أمام الأحداث والوقائع، ولا يستطيع أن يتخطاها إلى بناء جديد، ويربط التاريخ بالحاضر والمستقبل، لا بالماضي والانغلاق عليه". ص 55 وقد لاحظ الباحث أن القرآن الكريم يرشدنا إلى هذه الحقيقة، وعضد ملاحظته هذه، بقوله سبحانه وتعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) البقرة: 2/134.

-         الحداثة: حيث يرى الأستاذ الميلاد أن "الحداثة ليست مفهوما أيديولوجيا غربيا، وإنما هي مفهوم إنساني عام يرتبط بعلاقة كل أمة بالزمن والعصر الذي تعيشه، ومدى ما حققته من تقدم وتطور يتناسب وحركة الزمن والعصر كما هو في وعيها". ص 55 و56 وعلى هذا الأساس فإنه يستخلص فكرة لافتة، وهي ازدواجية الغرب في تعامله مع مفهوم الحداثة، حيث إنها "تعني في فهمه القطيعة مع الماضي، وأن التراث لا يمثل مرجعية معرفية في حاضره في قراءة الأفكار والمواقف والمناهج والنظم والأحداث، إلا أنه في علاقته بالإسلام لا زال مسكونا بالماضي إلى حد كبير"! ص 56 و57

بعد ذلك، ينطلق الأستاذ الميلاد لينسج صورة تقريبية حول حالة الإنسان والعالم في العصر الحديث، وهي حالة تنطوي على أزمة شاملة وعميقة، تعتري مختلف بنى الحياة وأنساقها، وهذه الأزمة تفرخ أزمات شتى، تمس النفس والمجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة وغير ذلك، وقد تولد لدى الإنسان جراء ذلك في كل حيز من العالم "شعور عميق بضرورة الإصلاح والتغيير في البنية العالمية، فقد تعالت الأصوات التي تطالب بهذا الإصلاح، وكأننا أمام صحوة عالمية متنامية في دول الشمال والجنوب، تتلمس ثقل الاختناق الذي يطوق العالم".  ص 63 وهكذا يبدو أن الإسلام من شأنه أن يؤدي دورا رياديا في هذه الحركة الإصلاحية، لاسيما وأن الإسلام يملك إمكانات مختلفة تاريخية وأخلاقية وعلمية، ما أحوج الإنسان المعاصر إليها، وهو يجد نفسه في وضعية مثخنة بالمشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، وهي مشاكل قد حسم الإسلام في أغلبها منذ حوالي خمسة عشر قرنا، وقد أدرك ذلك العديد من الخبراء النفسيين والاجتماعيين والتربويين الغربيين، الذين بدءوا ينفتحون على الدين الإسلامي، ليس فقط لمعالجة مرضاهم من المهاجرين المسلمين، القابعين في السجون والمستشفيات، وإنما ليعالجوا به كذلك المشاكل النفسية والسلوكية التي يتخبطون فيها، كالكآبة والعزلة والتفتت الأسري والإدمان وغيرها.

هذا إن دل على شيء، فإنما يدل "على أن العالم أخذ يقف على أزماته الحضارية التي تضيق بالمجتمع الإنساني وتدمر الإنسان والبيئة، والتفكير عن مخرج لهذه الأزمات الحضارية، لا بد أن يكون نابعا من رؤية حضارية إنسانية عالمية، وهذه المرة وفي هذا الظرف لا بد أن يكون الإسلام شريكا في هذا التفكير الحضاري لأزمات العالم الكبرى". ص 65 هكذا فإن "الإسلام اليوم يفرض نفسه كأحد الخيارات الحضارية الكبرى في هذا العالم في مواجهة الأزمات الحضارية". ص 65.

غير أن مثل هذا الكلام الجميل قد يعتبره الإنسان العادي من باب المستحيلات، ليس لأن الإسلام غير مؤهل للمشاركة في الحركة الإصلاحية لوضعية العالم المتردية، وإنما لأن الظرف التاريخي الحالي غير مهيأ له، خصوصا وأننا نشهد رفضا علنيا من الغرب؛ إعلاميين وسياسيين ومثقفين وأناسا عاديين، لما هو إسلامي، ولو أنه معتدل ومتسامح، لذلك يحق لنا أن نتساءل حول الكيفية التي تتأتى بها للإسلام المشاركة في مواجهة الأزمات الحضارية التي يتخبط فيها العالم، والعلاقة التي تجمعه بالغرب مرتجة وغير متكافئة؟ ثم هل حقا أن الإسلام يفرض نفسه كأحد الخيارات الحضارية الكبرى في العالم، أم أن هذا مجرد كلام إنشائي جميل؟!

بين الغرب السياسي والغرب الحضاري

إن الأسئلة الإشكالية التي تم طرحها قبل قليل، نجد لها صدى في بعض الدعوات التي تطلقها جهات غربية غير معادية للإسلام، غير أن هذا الصدى سرعان ما يندثر ويصبح في خبر كان! إن الأستاذ الميلاد تعرض إلى آراء ومبادرات ومواقف مهمة تحفز على التعامل الحضاري الإيجابي مع الإسلام، وأهمها مواقف كل من السفير الألماني بالمغرب فيلفرد مراد هوفمان الذي يفضح الحملات العدائية الغربية ضد الإسلام، والمستشرقة الألمانية آني ماري شميل التي ترفض مساواة الإسلام بالتطرف والإرهاب، والأمير تشارلز الذي دعا إلى المصالحة بين الإسلام والغرب، والرئيس الألماني رومان هرتزوغ الذي يرى ضرورة الحوار مع الإسلام لتجاوز الخوف وعدم الثقة، والمفكر السويدي أنغمار كارلسون الذي يطرح في كتابه (الإسلام وأوروبا تعايش أم مجابهة)، رؤية إيجابية يدعو من خلالها إلى تفهم الإسلام والحوار مع المسلمين، وغيرها من المواقف والمبادرات.

إن مثل هذه المبادرات الإيجابية التي تحث على إنعاش علاقة الغرب مع الإسلام، تندرج في خطاب الغرب الحضاري، وقد سبق لي مرة أن ميزت، في حوار أجرته معي جريدة الوقت البحرينية، بين الغرب الأيديولوجي والغرب الحضاري والإنساني(1)[1]، بقولي: "وحتى تتضّح الصّورة أكثر، فيلزمنا أن نفرّق بين نوعين من الغرب؛ أولهما ما نطلق عليه الغرب الأيديولوجي، الذي يوحي بمفاهيم الاستعمار والهيمنة والاستعلاء والقوة وغير ذلك، وعلى هذا الصعيد يمكن الحديث عن العلاقة (الأكثر من دموية)، وهي محكومة بالمناخ الدّولي العام، وهذا لا ينفي وجود غرب آخر، يمكن نعته بالغرب الحضاري والإنساني، الذي يقدّم للإنسان شتى القيم الإيجابية والإنجازات المفيدة ونحو ذلك، وهو ذلك الغرب الذي هيّأ ملاذاً دافئاً لملايين المسلمين والأجانب، في الوقت الذي أقفلت الدول الإسلامية الغنية أبوابها في وجوههم!"(2)[2].

في اعتقادي، رغم أن تلك المواقف والمبادرات ذات أهمية قصوى، بالنسبة إلى صورة الإسلام في الغرب، إلا أنها غير كافية، لتصحيح التصور الغربي المغلوط حول الدين والثقافة الإسلاميين، ليس فقط لدى المواطنين العاديين، وإنما كذلك لدى النخب الثقافية والإعلامية والسياسية، التي تستمد رؤاها تارة من الفكر اليميني المتطرف الذي يرفض الوجود الإسلامي في الغرب، وتارة أخرى من الفكر الصهيوني المسكون بعقدة العداء للعرب والمسلمين. على هذا الأساس يبدو أن دائرة خطاب الغرب الحضاري والإنساني في علاقته مع الإسلام جد ضيقة، ولا نلفى لها وجودا إلا في بعض الندوات واللقاءات العلمية المتخصصة، أو من خلال مبادرات شخصية يقوم بها بعض المثقفين الغربيين، مما يعني أنها تظل قصرا على بعض نخب المثقفين، لا يكتب لها التسلل إلى الأوساط الشعبية، لاسيما عبر وسائل الإعلام الذي تتحكم فيها الجهات المعادية للإسلام، وهي التي تمثل خطاب الغرب الأيديولوجي أو السياسي.

من هذا المنطلق، فإن الأستاذ الربيعو، قد أسهب في إيراد شتى المواقف الغربية المعادية للإسلام، وهي تحيل بذلك على الغرب الأيديولوجي، أما صاحبه الأستاذ الميلاد فقد تفادى التقوقع في تلك المواقف السلبية، التي لا تجدي في شيء، عدا تعميق الفجوة بين الإسلام والغرب، غير أنه أشار إشارات خفيفة إلى تجليات خطاب الغرب الأيديولوجي، وهي تتحدد في عناصر ثلاثة:

·       الحروب الصليبية: حيث الغرب، كما يشير الباحث، عوض ما يستعيد ذاكرة المكتسبات الكبيرة التي أخذها عن الحضارة الإسلامية، فإنه يعيد نتاج ذاكرة الحروب الصليبية لأجياله. ص 57 و56

·       الدراسات الاستشراقية: يرى الباحث أن الرؤية الرافضة والصدامية للغرب في الخطابات الإسلامية الحديثة، قد ساهم بها الغرب نفسه، الذي كان يتقدم للعالم الإسلامي بخطاب يعلن فيه صراحة عداوته للإسلام، الصورة التي تكونت في معامل المستشرقين! ص 79 و80

·       وسائل الإعلام: حيث أنها تؤدي دورا خطيرا في تشويه صورة الإسلام للرأي العام الغربي والعالمي، من خلال وصم الإسلام بالإرهاب والتطرف والأصولية. ص 58

بين نقد الذات ونقد الآخر

في الحقيقة، تعتبر آلية النقد أهم مرتكز يبني عليه الأستاذ الميلاد تفكيره وتصوره لثنائية الإسلام والغرب، وهو لا يمارس النقد من أجل النقد في حد ذاته، وإنما يعتمده لأجل غاية أسمى، وهي الكشف عن حقيقة علاقة الإسلام مع الغرب، ثم إنه لا ينتقد جهة معينة على حساب جهة أخرى، بقدر ما يوازن في نقده بين مختلف أطراف المعادلة، فهو ينتقد الإعلام الغربي، كما الإسلامي، وينتقد الفكر الغربي كما الإسلامي كذلك، لذلك نجده وقد خصص حوالي خمسة مباحث من دراسته للنقد.

وسوف أحاول في هذا الموضع التركيز على النقد الذي وجهه الباحث لقراءة الخطابات الإسلامية للغرب، وهو يرى أن "الخطاب الإسلامي اليوم هو أكثر نضجا وإدراكا لحاجاته الحقيقية، وأكثر تفهما للواقع الإسلامي والعالمي". ص 85 فما مدى مصداقية هذا الرأي، وسريانه على هذا الخطاب؟ وقد انصب هذا النقد على ستة جوانب، ألخصها عبر العناصر الآتية:

1.   التركيز على التدهور الأخلاقي في الغرب: ويعتقد الباحث أنه من القصور والخطأ، النظر إلى هذه الحضارة من هذه الزاوية فحسب، "ونحن في العالم العربي والإسلامي الذين نأخذ على الغرب هذه الظواهر المريضة والقاتلة، هي ذاتها الظواهر التي نقلناها عنه إلى بلداننا ومجتمعاتنا، وهي التي نأخذها عنه حتى حين ذهبنا إلى هناك للدراسة والتعلم". ص 86 و87

2.   التبشير باقتراب سقوط الحضارة الغربية: فالباحث يفند هذا الرأي ويرى أن هذه الحضارة لا زالت تحتفظ لنفسها بأسباب بقائها وتفوقها، وأهم هذه الأسباب هي الأخذ بقانون العلم وتسخيره فيما يخدم رفاه وتقدم تلك المجتمعات، ويورد الأستاذ الميلاد تفسيرا فريدا من نوعه، يقول فيه: "كما أن التبشير بسقوط الغرب وحضارته، هل يحل لنا المشكلة، ويرفع عنا التخلف المكثف والشامل، مع أني أحتفظ لنفسي برأي أعتقد فيه أن ليس من مصلحة الإنسانية سقوط الحضارة الغربية؛ لأن وراء هذا السقوط دمار كبير للبشرية، وكل ما نريده من هذه الحضارة هو أن ترشد نفسها، وأن تغير نظرتها إلى الأمم الأخرى، وأن لا تقف في طريق نمو وتقدم باقي الأمم غير العربية". ص 88 و89

3.   منهجية الهجوم: وهو يتحدد في وصم الحضارة الغربية بالجاهلية والعنصرية والمادية والاستكبارية والشر والكفر، وهذا الأسلوب، كما يذهب الباحث، لا يجدي أمتنا في شيء، ولا يكشف لنا أسرار الحضارة الغربية، وكيف وصلت ما وصلت إليه من تقدم وتطور مذهل، وما دامت أن غايتنا هي النهوض حضاريا بأمتنا، فبهذا الوعي والإدراك والأفق ينبغي أن ننظر إلى حضارة، كالحضارة الغربية. ص 89




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home