مقال

 

أي نهضة نريد أيها المتفائلون؟

أحمد دعدوش



 

 

تمتلئ ساحتنا الإعلامية اليوم بدعوات النهضة والانطلاق، وتزرع في نفوس شعوبنا اليائسة شيئاً من الأمل بعودة المجد المفقود، وهي ترسم بذلك صوراً مشرقة للمدينة العربية العصرية.. حدائق نظيفة، أبراج عالية، مجمعات تجارية باذخة، وبالطبع جامعات ومكتبات فخمة.. وهي تعد بأن هذه الصور ليست أحلاماً خيالية، بل واقع ممكن وقريب التحقيق في فترات قياسية!.. فما هي الوصفة السحرية لمثل هذه النهضة الاستثنائية؟.. وعلى أي أساس تقوم هذه الوعود التي تكاد أن تكون مؤكدة؟!

 

يفترق هؤلاء النهضويون إلى فريقين: ليبرالي وإسلامي.. مع أن أحداً منهم لا يشغل نفسه بالتصنيف بل لعله يسعى لنفي أي صفة أيديولوجية عن نفسه، فهمّ النهضة لديهم هو الأساس، ولعل الفروق بين خطاب كل منهما في هذا المجال تكاد تتلاشى، إلا أن أهم ما يميزهما هو أن خطاب الليبرالي لا يخجل من الدعوة إلى تقليد النموذج الغربي بحذافيره، بينما يتحرج الإسلامي "التجديدي" من هذه اللهجة ويسعى جاهداً إلى أسلمة تلك الدعوة وتطعيمها بنكهة إسلامية!

السؤال الذي يجب أن نبدأ به هو: ما هو النموذج المثالي لهذا الخطاب المتفائل؟ ويأتي الجواب من الليبرالي بقائمة تبدأ بكوريا الجنوبية وسنغافوره وهونغ كونغ وصولاً إلى دبي، أما الإسلامي فيميل إلى إضافة مثال آخر هو ماليزيا، ويستعرض كل منهما أرقاماً وصوراً رائعة عن النقلة الحضارية الجبارة التي حدثت في هذه المناطق خلال بضع عقود، ثم ينتهي العرض بالتساؤل: ولماذا لا نلحق بهم؟.. وماذا ينقصنا نحن؟.. أليست لدينا القوة العاملة والمواد الأولية والثروة.. وحتى العقول المهاجرة التي تنتظر العودة؟.. ثم يأتي الجواب: تنقصنا الإرادة فقط، وعلى الجيل الواعد أن يحفز هذه الإرادة، وعندها سيحقق حتماً أسطورة النهضة المفقودة.

من جهتي، لا أرى بأساً بالطبع في هذا التفاؤل، بل هو نقطة الارتكاز لكل حركة نهضوية في التاريخ، ولكني أقول مهلاً.. فهل هذا يكفي؟.. وهل من المقبول أن ينطلق هؤلاء النهضويون في وضع خططهم قبل أن يعي الشباب سيرورة التاريخ وسنة الكون في نهوض وانهيار الأمم؟

 

لا يتسع المقام لإعادة التفصيل في نقد هذا الخطاب، فقد سبق أن عرضنا تحليلاَ تاريخيا واقتصاديا لاستحالة قيام نهضة حقيقية للأمم على النحو الذي حلم به أجدادنا في القرن العشرين، وأن المتاح الوحيد اليوم لهذه النهضة هو مجرد دول مدينية حالمة وبمواصفات محددة مسبقاً.

لقد فشلت كل وعود التنمية في العالم الذي سمي بالنامي منذ بداية الثورة الصناعية وحتى اليوم، ولم تنجح أي أمة في اللحاق بالمستوى الحضاري صناعيا واقتصاديا للغرب سوى اليابان، وذلك بعد التزام اليابانيين بالشروط الغربية بحذافيرها في السياسة والاقتصاد، وحتى الثقافة في السنوات الأخيرة. أما التجارب الأخرى فكانت محصورة إما بدول إقليمية صغيرة مثل تايوان وكوريا الجنوبية أو ما يسمى بالدول المدينية أي المدن الكبرى التي تحولت إلى دول مستقلة أو شبه دول مثل سنغافوره وهونغ كونغ ودبي.

الجامع المشترك لكل من المجموعتين هو أن جميع هذه الأمثلة لم تقم بأي نهضة حقيقية على النمط الأوربي، فجميع الدول- الأمم الغربية صنعت نهضتها بالتخلص أولاً من مشاكلها السياسية والاجتماعية، ووضع دساتير تقوم على الديمقراطية والحرية الاقتصادية والفكرية والدينية، وتجمع كل القوميات المتماثلة في دولة- أمة متماسكة، إذ قامت دولة بريطانيا العظمى لتجمع أمة متكاملة من الساكسون والإنجليز والسكوتلنديين، كما توحد الفرانكيون والنورمانديون في فرنسا، والبروسيون والنمساويون والجرمان في ألمانيا، والتشيك والسلوفاك في تشيكوسلوفاكيا، والصرب والبوسنيون والكروات في يوغوسلافيا.. إلخ، وهكذا توحد أتباع القوميات المتجانسة والمذاهب المتماثلة في أمة واحدة لها دستور ونظام واحد يجمعها ضمن حدود ما يسمى بالدولة الحديثة- ولعل يوغسولافيا كانت استثناء في وحدة المذاهب- ولم تنطلق النهضة الاقتصادية والحضارية إلا بعد تحقيق هذا الشرط: تأسيس دولة أممية ذات بعد قومي وديني واحد.

أما النهضة التي حدثت في اليابان فلم تبدأ إلا بعد اقتباسها معظم دساتيرها وأنظمتها السياسية والاقتصادية من أوربا، وعندما أبقى اليابانيون في بداية نهضتهم على نظامهم السياسي الإمبراطوري واكتفوا بالنهضة الاقتصادية أرسل الغرب أساطيله العسكرية ليحاصر الجزر اليابانية ويرسل إلى إمبراطورها إنذاراً مباشراً في غاية الوقاحة يحذره من أنه إذا لم يُخرج اليابان من هذه العزلة ويفتح لهم أسواقها فسيدمرون كل ما حصلت عليه من مكاسب التنمية الاقتصادية، فما كان منه إلا أن رضخ لطلبهم، ولكن هذا الرضوخ لم يكن كافياً، فبعد هزيمة اليابان العسكرية بإلقاء قنبلتين ذريتين على مدنها في الحرب العالمية الثانية لم يقبل الغرب استسلامها إلا بإنهاء نظامها السياسي وتحويل اليابان إلى دولة غربية خالصة.

الأمر نفسه يتكرر في تلك الأمثلة التي ينبهر بها دعاة نهضتنا، فالدول الصغيرة التي حققت نهضتها مثل تايوان وكوريا الجنوبية هي مجرد دويلات إقليمية حققت شروطاً للنهضة بمقاييس غربية بحتة، فقد قدمت للغرب ما يحتاج إليه من مصانع رخيصة بمواصفاته الخاصة، ورسمت خطتها بما يتناسب مع إمكانيات قواها العاملة، ثم وظفت جزءاً كبيراً من ميزانياتها على التعليم لتأهيل كوادرها، فتحولت إلى ورش عمل كبيرة لتصنيع أكبر قدر ممكن من متطلبات السوق الغربية. أما الدول الآسيوية الأخرى التي تسمى بالنمور الآسيوية مثل تايلند وأندونيسيا وماليزيا والفلبين فقد بدأت باستقطاب الشركات اليابانية القريبة منها جغرافياً لتجميع صناعتها في مصانعها ذات اليد العاملة الرخيصة ثم إعادة تصديرها، مع الاهتمام بالتعليم والتدريب، وصولاً إلى إنشاء مصانعها الخاصة وغير المقلدة. أما الدول- المدينية الصغرى مثل سنغافوره وهونغ كونغ ودبي فهي مجرد مدن تقع في مناطق نشيطة اقتصادياً وتتمتع بمواقع ذات خصوصية ما، حيث قام صانعو القرار فيها بوضع استراتيجيات تستقطب الشركات الأجنبية للعمل على أرضها مستفيدة مما توفره لها من بنية تحتية وشفافية وحرية في التجارة وإعفاء من الضرائب وغير ذلك من المزايا المغرية، لتتحول خلال سنوات إلى جزر صغيرة للأغنياء الذين يبحثون عن أماكن مريحة لإدارة أعمالهم والإقامة مع أسرهم في عوالم خيالية.. وكل ذلك بالطبع وفقاً للشروط والمقاييس الغربية الرأسمالية. والسؤال الذي يجب أن يطرح هنا: هل حققت هذه النماذج تنمية ونهضة حقيقية كما حدث في أوربا؟.. وما هو النموذج المثالي الذي يمكن تحقيقه في دولنا العربية؟

أولاً، تفتقر معظم الدول العربية إلى شرط النهضة الأساسي في وجودها، فقد ترك الاحتلال الأوربي الذي سمي استعماراً دويلات تم تقسيمها بعناية، فلا نكاد نجد دولة عربية واحدة تجمع داخل حدودها أمة متكاملة بقوميتها ومذهبها، ولا نقصد الأمة العربية ككل، بل حتى الأعراق العربية المختلفة تم تقسيمها، فبلاد الشام والجزيرة العربية والمغرب العربي قُسمت جميعها إلى دول أو دويلات.. وتُرك لكل منها أمر تدبر نهضتها بنفسها، ليستفرد حاكم كل منها بالسلطة المطلقة، ويأمر حاشيته بابتكار نماذج اقتصادية تحقق لشعبه تنمية ما دون المساس بسلطته، حتى وصل الأمر بأحد مفكري البحرين إلى وضع كتاب يحاول به إقناع العرب بأن دعوات الوحدة قد أصبحت بالية، وأن الحل الوحيد الذي بقي متاحاً لنا هو أن يسعى كل منا للحاق بركب الغرب على طريقته الخاصة (!). وإذا كانت الوحدة العربية محظورة علينا، فإن مجرد التفكير بالوحدة الإسلامية هو بحد ذاته مجازفة خطيرة!

ثانياً، إذا كان البديل هو تنمية كل بلد أو قطر عربي وإسلامي على حده، فالسؤال المطروح هو: ما هو النموذج المراد لنا تحقيقه؟.. وإذا طرحنا الآن جانباً الدويلات العربية الصغيرة، فهل يمكن للدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية أن تحقق نهضة متكاملة بمجرد الاكتفاء بالدعوة إلى الاهتمام بالتدريب والتعليم وإصلاح المدارس والجامعات والبحث العلمي؟.. لقد حقق الاتحاد السوفييتي نهضة علمية جبارة، ولكنه لم يلتفت إلى حق الشعب في ما هو أهم من الاقتصاد لتنهار إمبراطوريته الهائلة خلال سبعين عاما من إنشائها فقط، فهل يراد لنا قصر طموحنا على بناء الشركات الضخمة وناطحات السحاب؟ أم أن الإصلاح السياسي الذي يكفل حقوق الإنسان الأخرى هي ليست الأكثر أهمية فحسب، بل هي الشرط الأساسي لاستمرار ورسوخ هذه المدنية وعدم بقائها مقصورة على النخبة من رجال الأعمال والسياسيين الفاسدين؟

ثالثاً، في حال بقاء الانقسام العربي والإسلامي على حاله، وسعي الدويلات العربية الصغيرة إلى تحقيق تنميتها وفقاً للنماذج المذكورة سابقاً، فهل هي حقاً نماذج ناجحة على جميع الأصعدة؟ وهل يثق دعاة النهضة بأنها ستبقى مستمرة على ما هي عليه في المستقبل القريب فضلاً عن البعيد؟..

إذا أخذنا إمارة دبي- التي يراد لها أن تصبح مدينة الأحلام العربية- كنموذج، فهل هي حقاً نموذج مثالي؟ وهل هو نموذج قابل للتطبيق في مدن أخرى؟

المنبهرون بتجربة دبي يقصرون حديثهم الدعائي على مظاهر الحداثة، ويستشهدون بأرقام وإحصائيات تؤكد التحول الذي حققته من قرية ساحلية إلى مدينة نفطية ثم إلى دولة- مدينة إقليمية عالمية. وإذا وضعنا النفط جانباً واكتفينا بما تحققه دبي من شروط النهضة الحديثة فهل هذا هو ما نريده حقاً؟

هل يسعى دعاة النهضة إلى تحويل سكان مدننا العربية إلى أقليات في وسط بحر متلاطم من الأجانب؟.. وهل تصل الحاجة إلى المدنية وتشييد ناطحات السحاب إلى درجة من الأولوية تستحق التضحية بالهوية والأخلاق والتاريخ؟.. قد يليق هذا الخطاب التغريبي بمثقفينا الليبراليين، ولكن العجيب في الأمر هو أن يتجاهل الإسلاميون التجديديون هذه الحقائق.

لقد حققت دبي نهضتها بالاعتماد أولا على عوائد النفط، فأسست بنية تحتية جيدة من موانئ ومطارات وطرق واتصالات.. ثم رسمت استراتيجيتها على أساس تحويلها إلى مركز إقليمي لمنطقة "الشرق الأوسط"، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يجعل من مطارها نقطة التقاء للرحلات بين جميع القارات، ويعطي ميناءها البحري ميزة التوسط بين الشرق والغرب، وهكذا تحولت دبي إلى منطقة تجارة حرة كبرى، وفتحت الأبواب للمستثمرين بإعفاء كامل من الضرائب وتسهيلات كبرى في التأسيس والعمل، إلى جانب مغريات الحياة الرغيدة الأخرى.

إنه نموذج مثالي لتحويل المدن إلى شركات تجارية، فأصحاب القرار يديرون شؤونها بقرارات تجارية ويعاملون مواطنيها كموظفين، وتصبح حقوقهم الإنسانية والسياسية رهناً لولائهم لشركاتهم التي لم يكن لهم أي خيار في الالتحاق بها!

هذا النموذج الذي يراد لنا تطبيقه في الرياض والقاهرة وبغداد ودمشق وبيروت هو المثال المفضل لدى الغرب للمدينة العربية.. إنها المدينة الرأسمالية العصرية التي يتحول فيها الإنسان إلى آلة، وتنطبع الحياة اليومية بمظاهر الاستهلاك، وتنهار العلاقات الاجتماعية، وتصبح الرفاهية هي الهدف الوحيد من الحياة، وتضيع بذلك الحقوق السياسية والاجتماعية في وسط يمن على الجميع بما يقدمه لهم من بذخ وترف.

 

قد يكون كل ما ذكر مفهوماً عندما يصدر عن الليبراليين، فالعلمانية مشغولة أساساً بما يشبع نهم الإنسان من ملذات هذه الحياة، ولكن.. ما الذي يدفع بعض الإسلاميين إلى الانبهار بهذه المظاهر؟ ولماذا يسعون جاهدين لتأويل نصوص الحث على الإعمار في الأرض بإنشاء جزر رأسمالية غربية، ونصوص الحث على طلب العلم بتوظيف طاقاتنا في تحقيق متطلبات الغرب؟.. فنحن بحاجة إلى مفكرين متعمقين ليرسموا لنا طريق النهضة في خطة واضحة وشاملة، أما دور الدعاة والإعلاميين والمدربين فيأتي بعد ذلك لينقلوا هذه الصورة إلى عامة الناس بالطريقة المناسبة، قبل أن يبهروهم بمظاهر المدنية الحديثة!

 

أما السؤال الذي أطرحه على هؤلاء النهضويين من شتى المشارب والاتجاهات فهو: لماذا لا نأخذ رأي الشعوب أولاً؟.. وهل نريد تحويل مدننا إلى مدن غربية بحتة مثل دبي وهونغ كونغ؟ أم تحويل بلادنا إلى دول مغلوب على أمرها مثل اليابان التي لا تستطيع أن تصنع سلاحا ولا أن تملك جيشا؟

 

الغرب أيها السادة لا يمانع أبداً في أن نبني اقتصاداً مزدهراً يحقق لنا رفاهية وبذخاً.. فهو لا يخشى تمتعنا بملذات الحياة، بل هو مستعد لتقديمها بالمجان.

النهضة التي يريدها لنا الغرب هي تماماً كالتي يدعو إليها دعاة نهضتنا هؤلاء.. وهي حتماً ليست من النوع الذي حققه الهنود والصينيون، حيث تنهض الأمم لتؤسس الدول أولاً، وتبني وجودها على كيان سياسي وعسكري واجتماعي واضح ومتين، ثم يأتي الاقتصاد لخدمة ورفاهية الشعوب، تلك الشعوب الحرة التي تملك قرارها أو جزءاً منه، وترسم سياساتها بما يحقق مصالحها أولاً وليس لإرضاء الغيرعلى حسابها، وهي حتماً تلك التي تنظر إلى المستقبل البعيد قبل القريب، دون أن تنخدع بالقشور

***

ك.خ




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home