قصة

 

بين الموت و الحياة

إيمان سعيد



 

 (( بين الموت و الحياة ))

قصة قصيرة

إيمان سعيد شافعي

*******

 

 (( بين الموت و الحياة ))

قصة قصيرة

إيمان سعيد شافعي

*******

 

أغمضت عينيها واستسلمت لأفكارها ..هي جسد مسجى فوق السرير, لا شئ

يتحرك فيها غير أفكارها و ذكرياتها و آلامها .

إنها تحاول أن تبحث عن الحياة , و عما تبقى منها حياً , و تشعر

 باستحالة ذلك  

           كمحاولة منع شعلة من الانطفاء , ذلك كان مؤلماً جداً , ربما

 أشد إيلاماً من

 إحساسها بالألم الجسدي بل إن إحساسها بجسدها , كان يتضاءل  أمام

 محاولتها ..لتبحث

عن الحياة بداخلها ، و بينما هي غارقة في أفكارها ..إذا بها تسترد جزءاً

من وعيها  و من خلال جفونها المضمومة كانت ترى بعض ما حولها,إنها تراه , إنه

 أستاذها حمدي , ضمت على صورته جفونها , و غابت عن وعيها كما كانت لكنها

لم تستطع أن تغيب عن ذكرياتها .. فتذكرت آخر خطاب كتبته له   كان ما خطته له

 مخطوطاً في قلبها,  محفوراً في ذهنها، ذلك أنه جزء منها بل هو آخر ما

  تبقى لها في ذاكرتها.. فالذكرى الأخيرة تمحو دائماً ما قبلها .

 

أستـاذي العزيـز شكـراً .

إلى من علمني الحب و سرت معه في درب العاشقين ، إلى من بنى لي قصوراً من

آمال و أحلام .. رسمها فوق المدى فوق الخيال .. فقلت هذا حلم محال

 فقال : " لا محال..". فنمت ملء جفوني و حلمت ملء أحاسيسي البريئة ..فأذ بك

 توقظني من غفوتي , من حلمي ..على كلمة وداع هدمت بها ما بنيته في

 صحوي و في منامي.

إلى من علمني أسرار اللغة, و تراكيبها ..لأخط له بها أجمل قصائد الحب

 و يخط لي بها أجمل قصائد الوهم .

إلى من علمني كيف أبحر في بحر الهوى ..حتى وصلت لمنتهاه , و لم يأتِ

 يوماً ليعلمني كيف أبرأ منه و من هواه .. أليس في بحر الهوى طوق نجاة !

أبحرت في عينيك ..حتى غرقت عشت أحزانك ..حتى تعبت .

كنت بطلة مسرحيتك الهَزْلية ..و الآن انتهت المسرحية , أسدل الستار , طار العصفور

  كان رهين محبسيك .. فكسرت جناحه ، وهدمت عشه الكائن في قلبك .

أستاذي لقد ’لقِنتُ الدرس , و نجحت يا معلمي أن تجعلني.. أول تلميذات صف الهوى ..

فأنا أكثرهم عشقاً , أكثرهم غراماً , و أكثرهم شربت غدرك و انتقامك    أكان حباً ؟

أم كان انتقاما ؟ .. أم كنت لعبة كسرت بين يديك سهواً أو عمداً ؟؟  أ أنت تعلـم ؟ !

 

و بينما هي تتذكر كلمات خطابها ..استرق الدمع من عينيها , و سقط رغماً عنها

  فقد تذكرت حالة الهذيان التي كانت عليها و هي تكتب له آخر خطاباتها المبللة بالدموع .

فقلبها البريء كان بأتساع النهر يرتوي منه الحبيب يجلس في حناياه .. يجتاح

 كل قطرة دم فيه, و ظلت هكذا حتى غرس هو يديه في ذاك القلب  ليجتث

 أوردته , و يسيل دمائها ..تاركاً إياها تنزف حتى آخر قطرة  فيها .

 

تمنت في هذه اللحظة لو تخلت عن فكرة الألم , و السعادة ..لتفقد ذكرياتها , لتبعد

 عنها الأحزان نهائياً ، ولكنها مرتبطة بذاكرتها ارتباطا وثيقاً , و ستنفجر من تلك

 الصلة دائماً ..براكين أحزانها .

فعندما أدركت أنها لن تستطيع التخلص من ذاكرتها فتمنت لو لم يدركها نهار , لا يتنفس

 لها صبح , فذهبت في تيه لا حدود له فأضحت في حالة  أشبه بالموت ...

 

في هذه اللحظة, اتصلت عينيها مرة أخرى بمجال الرؤى ،  نظرت إلى الطفل المدد

 بجانبها ..يلغي كل الوجود , و بسببه ينبض المكان كله بالحركة , كل المكان

      إلا شخصين جلسا متجاورين ... أمها و أستاذها .

استرقت السمع إليهما فلم يصلها منهما..إلا همهمات الأستاذ , و صوت بكاء أمها 

و لحق ذلك بعض الكلمات .

الأم : أنـا السبـب

الأستـاذ مهـدئاً إياهـا:إنـه القـدر

 

في هذه اللحظة انطفأ بصرها , و أغلقت على هذه الكلمات سمعها ..مات الآخرون

 مع غيابها عن الوعي , هذا لأنهم لم يعودوا الآن في مجال رؤياها  أو إدراكها

  و ربما جاء موتهم البصري ترجمة لرغبتها الملحة في إخفائهم الفعلي من حياتها .

فحياتها ما هي إلا ..فصول و قرارات مبتورة ..و أشياء ليست على

 الوجه الأكمل  ..حتى أنها ظنت أن أمها تمنتلو فرضت

 سيطرتها على أوردتها والدماء التي تغذي قلبها .

تذكرت ذلك اليوم الذي سمحت لها فيه أمها بالذهاب في رحلة مع أستاذها

 فأختارت لها لباسها ، ووضعت لها حقيبة محملة بحزمة من أفكارها هي، و

 كلماتها هي و طريقتها في اللهو مع الأخرين ، فعندما تمردت عليها ، قالت الأم

 مبررة ..أنها تحبها و تفرض عليها طوق حبها المصنوع من الياسمين , لكنها

كانت  تشعر دائماً أن هذا الحب ..هو طوق يطوق رقبتها ليخنقها ، ..حتى

 فقدت البنت كينونتها .و تذكرت كلمات معلمتها في درس علم النفس الذي كانت

 تردده لنفسها دائماً ..بين حب العطاء و حب التملك شعـره ..يجب أن نبقيها

 دائماًُ , و لا نحاول أن نتجاهلها.. فنقطعهـا .

 

كانت أمها هي السبب في دخول هذا الأستاذ حياتها على هذا النحو , هي من رمتها

بين براثنه...و لمن تحكي , الكل غافل و هي تعودت أن تكون ظلاً لأمها , لم  تكن يوماً

 صانعة قراراتها  فتمنت أن تختفي في كيان آخر , ليخرجها مما هي فيه

      هكذا عودتها أمها ,أن تختفي في الآخر لتجد نفسها فذابت في كيان

 أستاذها ..الذي حطم آخر ما تبقى لها، لتبقى متعلقة بالدنيا .

 

تذكرت لقاءها الأخير معه، و كيف أعترف لها بحبه لأخرى, و لا تعرف كيف

 حملتها قدمها.. بالرغم من تداعي كل جسدها في هذه اللحظة ، و كيف

 وصلت إلى بيتها  لتكتب له خطابها

 

الذي كان آخر ما تذكره من ليلتها المشئومة , حتى أنها تظن أنها مازالت

 محتفظة به بين يديها.. فقد فقدت وعيها فور انتهائها من كتابته ..و

 هي مازالت مطبقة عليه.

 

عادت لوعيها تارة أخرى لترى أمها و أستاذها.. هيئتان مشوشتان في عينيها

                        و صوتان متداخلان في سمعها , جاء صوت أمها أكثر وضوحاً

 و هي تقول: : لولا حبي لك ما كنت أهملت أبنتي لتصل لهذه الدرجة."

كانت كلمات أمها ..طعنة أخرى وجهت لها ، أكانت تعلم أمها أن الأستاذ يحب أبنتها؟!

 بل ربما هي من شجعته على ذلك , فكانت هي الستار الذي اتخذته  أمها ,  لترفل

 في غيها  لا لا يمكن , من أرى  أمامي أمي أم آلامي !؟

في هذه اللحظة لم يعد لديها الرغبة للتحمل ، كل ما كان يلزمها هو الفناء الكامل

                   حتى لا يتبقى لها شيء ، لا عبارات و لا ذكريات تتركها لأحد ..

ستصبح دون حديث  و لا صوت لن يتبقى لها شيء تتخيل به مستقبلها ، و ستصبح

أنفاسها الدليل القاطع بأنها لا تزال على قيد الحياة .

 

غابت عن وعيها, و ربما هي من تعمدت ذلك ,  كان لسان حالها ، يقول..

غداً ستفقد أمي ثقتها في هذا الأستاذ.. عندما تفقد وهم حبها له ..و ستعرف

وقتها أنها كانت لا تسمع سوى كلمات لا ينطقها إلا لسان يلهو ,و قلب فارغ

 ,و عيون خادعة تكذب .. يالها من كلمات و ما أغربها من نظرات ..تعد

 و لا تفي..تتسلل داخل الأعماق ثم تنفذ .. لتدمر كل ما تقابله من مشاعرنا.

مسكينة أمي,  ما زلتي ترفلين في غباء حبك له ، و ربما الآن لا تتسع ذاكرتك 

                      إلا لذكرى لقاءكم الأول ، بالتأكيد كانت رائعة ربما كانت

 أروع من ذكرى لقاءي به

أكان لقاءكما قبل أم بعد لقاءي به ؟.. أم كنتِ أنت الحبيبة و كنت أنا ظلك

       كما كنت دائماً.. أكنتِ تقابليه بالنهار مثلي؟ .. أم على ضوء القمر، فأنا ظل يا أمي

  لا أظهر إلا في وجود الشمس  وألملم صورتي قبل غروبها ،  أما أنتِ فدائماً

 تحبين الظهور  في ضوء القمر دون الشمس .

 

فتحت عينيها المثقلتين, لترى شخص ثالث.. أنه أبوها, هل أخبرته أمها بما حدث؟

  ماذا جاء به ؟!

إنه لم يهتم يوماً بها، و كان يغلق دائماً بابه دونها , يصم أذنيه , يغلق عينيه

      و لا يمد لها سوى يداً تحمل نقوداً.

 

أباها: أنتِ السبب .

أمها : لا بل أنت من أهملتها و أهملتني حتى وصلنا إلى ما نحن فيه

الأستاذ مهدئاً : لا عليكما أنها فتحت عينيها

الأب :  و من أنتِ ؟

الأستاذ : أنا معلمها الأمين ,أنا من كنت أطمئنك على مستواها الدراسي

حينما كان وقتك الثمين يتسع لذلك .

الأب : نعم تذكرت

الأم :لقد استيقظت ..فأغمضت هي عينيها في هذه اللحظة, و لكن ذهنها

 مازال معلقاً بهم ضحكت بداخلها سخرية , أنهم يتراشقوا بالاتهامات , و لا يعبئوا بحالها

         و الأستاذ يقول أنه معلمي الأمين ! نعم فهو الأمين علي.. وعلى أمي

..مسكين أبي مخدوع أنت, مطعون في شرفك

أ مسكين أنت يا أبي !.. أ مخدوعة أنتِ يا أمي! .. أم أنا المسكينة.. فقد تهت بين

 كرهكما و هربت لحب استنزفني, و خيانة أدمتني.

بدأت تشعر أنها معلقةً بين الأرض و السماء ..و تساءلت, لماذا نسير في دوائر

 مشاعر كرهنا المغلقة لنميت أجمل ما فينا طاقة الحب بداخلنا, فلا نقدم لأبنائنا

  سوى الكره ..على طبق من أبوة و أمومة زائفة .

 

لماذا لبعضنا..قلوب تدق بين جوانحهم ، و آخرون لا يملكون سوى

.. جوانح صارت بلا نبضات؟!

كلها قلوب ستقف دقاتها..في ساعات معلومات ، و لكن لما تخون قلوبنا؟!

فتحت التراب ستختفي ألقابنا، لا شيء يبقى من بريق عيوننا, لا حب ..و لا كره

    كل سواء .

عجباً لنا ! ..إذا كنا نعلم أن النهاية.. واحدة لماذا حتى الآن ..ما زلنا

 نرفل في بحر الخيانة ؟!

كيف ! ..ما زالت أمي ترقص على أوتار حبها..و أبي يرقص على أوتار أمواله

 و أماله.. و أستاذي يرقص عل أوتار آلامي و أحلامي..و أنا أرقص كالطير

المذبوح من الألم الكل   يرقص...و كل يرقص على وتره.

ابتسمت ساخرة..و كانت ابتسامتها آخر ما رسمته على وجهها من تعبيرات و سقط

 من بين   يديها خطابها.. فكان يحمل آخر عبراتها, و آخر ما خطته من عباراتها.

 

(( تمَّـــــــــت ))

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home