قصة

 

شهادة وفاة

عادل العجيمي



قصة قصيرة ( شهادة وفاة ) عادل العجيمي في قاع العتمة حيث يتبدد كل شئ وتنزوي الأحلام تماما وتصبح مجرد رؤيتها ضرب من الخيال الذي يستحيل هو الآخر بالتبعية علي من يريدون أو يحلمون بالتخيل ..كانوا يجلسون حول مائدة عليها كئوس ممتلئة عن آخرها بظلام دامس وأمام كل واحد منهم إصيص ممتلئ حتي آخره طميا ومغروس في كل واحد نبتة صبار ذات فرعين وقلب والفرعان أخضران قاتما الخضرة والقلب أصفر يميل إلى الخضرة كل الميل كان القلب يتلوي كأنما يريد الانقلاب من شئ ما .. تملؤه الرغبة في الانفلات فيتخلص من تلك القتامة ويتطاول بشكل غريب … قال أحدهم في رتابة معتادة :- وماذا بعد ؟! وكأن السؤال كان علي كل الألسنة فتردد في الظلام عدة مرات إلي أن دار دورته وتوقف عند من ألقاه فتناوله بضيق معتاد وحاول الإجابة بصور شتي لكن الحروف أبت أن تلتئم ولو لمرة واحدة فكانت تخرج وتنفرط من فمه مرتطمة بأرضية صلدة تتقاذفها عدة مرات ثم تستقر في قرارها الأخير فلا يسمع له إلا طلاسم لا يفهمها هو ولا يفهمونها فيضطر أحدهم إلي الخروج من دائرة الاستماع المغلقة وينضم إلي المتحدث الأول قائلا له جامعا أشتات الحروف :- أفصح .. ماذا قلت ؟ يدور الكرسي الدوار بالمتحدث الأول في سرعة مذهلة ثم يتباطأ في دورانه … يتباطأ إلي أن يستقر فيستقر القابع فوقه رغما عنه في مواجهة المستفسر ويقول في مرارة : لا أدري … يسمع ثالث الحوار فيصر علي التخلص من ذلك الكرسي ليقف … فوقف … وقف لأول مرة حياته وحاول أن يشيح بيديه أثناء الحديث مقلدا أشخاصا كان يراهم يفعلون ذلك عندما كان يري الأشخاص بوضوح فلا ترتفع يداه ولا يخرج من فمه كلام … أي كلام … لقد نسي تماما أنه نسي الكلام .. منذ وضعوا علي فمه تلك الكمامة عند لحظة التكوين الأولي فاكتفي بالوقوف في مواجهة كل من الأول والثاني فاتحا عينيه عن آخرهما محاولا الرؤية التي تستعصي هي الأخرى إلا قليلا فلا يرى إلا وجهين من خلال بقعة ضوء ضلت طريقها إلي تلك العتمة فلا يصدق نفسه فيسقط مغشيا عليه ويسمع صوت سقوطه فيقف الأول والثاني بسرعة غير معهودة ويجري علي لسانهما سؤال واحد :- ماذا حدث ؟! ويسيران نحو مصدر الصوت بتلقائية ويدوسان فوق الثالث فيتألم ويتألمان ثم يسقطان إلي جواره ويتحسسا ملامحه … فيقول الأول : - إنه يشبهنا .. فيقول الثانى مستغربا :- من أدراك ؟! فيرد الأول بشئ من الرغبة فى فرض اقتراحه :- إنه يشبهنا .. بالتأكيد يشبهنا … فيضحك الثاني ساخراّ : - أنت لا تعرف شكلي … ولا تعرف شكلك ويقهقه بصوت مرتفع ثم يستطرد مستفهما بشئ من التحدي : - فكيف تجزم بذلك الشبه ؟! فيشعر الأول بالضيق والحنق فلم يعتد طيلة حياته علي الجدال وإن حدث تجده يختنق بسرعة ويحاول أن ينهي الحديث بأقصي سرعة .. لذا قال في سرعة :- هذا ليس مهما الآن . فيرد الثاني بعدما يشعر بضيق الأول محاولا إرضاءه : - عندك حق … لكن ما هذا ؟ فيدور الأول بيده محاولا وضعها علي مصدر سؤال الثاني فيتردد في نفسه نفس السؤال : - ما هذا ؟ دونما تفكير صاح الأول :- واحد … اثنان … ثلاثة . وعند العدد ثلاثة قاما معا بنزع الكمامة فصرخ الثالث صرخة مدوية تشقق على أثرها سقف و سقطت قطعة خرسانية فوق رؤوسهم فسالت دماؤهم حارة واصطدمت ببرودة الأرضية فتجمدت وتسللت خيوط هزيلة من تلك الشقوق رأوا أثرها علي الأرض فزحفوا نحوها يحاولون بإصرار غريب أن يقبضوا علي تلك الخيوط بين أيديهم فتتأبي عليهم وكأنما تسخر من إصرارهم فكلما وصلوا إليها انزاحت أمامهم وإذا أمسك أحدهم بشعاع انفلت من بين أصابعه فتنغرس الأظافر في باطن الكف فيخلصونها ثم يمدون الأيدي ثانية ويشرعون الأصابع بلا جدوي .. فيصرخ الأول يائسا – لا فائدة . فيحاولون الجلوس وبعد محاولات غارقة في عرقهم المتصبب علي وجوههم نحو أفواههم التي استقبلت ملوحته بشئ من الألفة يجلسون القرفصاء ويسند كل منهم ظهره علي ظهر الأخر مشبكين الأيدي المرتعدة … غلف المكان صمت علي صمته لمدة لا يعلمها أحد …. قطعه صوت الأول الذي خرج بعد معاناة قائلا :- - لقد أصابنا هزال شديد . فرد الثاني والمرارة تمتزج بالحروف المتساقطة دون وعي : لم نستطع أن نمسك شعاعا واحدا . هنا تململ الثالث الذي نزعت عنه الكمامة في جلسته فخرجت عنه أصوات غريبة فربت الأول علي كتفه قائلا في رجاء : كفاك ما أنت فيه …… وبكي … وبكي الجميع بكاء مرا قطعه الثاني بقوله – تعالوا ننظر الصبار . فعاد الصمت مطوقا المكان فاستند كل منهم علي كتف الآخر حتي وقفوا أخيرا انطلقوا بسرعة مذهلة ودونما سقوط نحو كراسيهم متخطين كل شئ حتي الدماء التى التصقت بالأرض في دوائر منتظمة وجلسوا متأملين الصبار للحظات ثم دارت بهم الكراسي .. دارت… وكلما ازداد الدوران علت ضحكاتهم مختلطة بصراخ غريب وتطاير اللعاب من أفواههم لزجا فوق الجالسين المكممين فتقافزوا رافعين أيديهم لينالوا أكبر قدر منه فلم ينالوا شيئا حيث تطاير اللعاب في خيوط منتظمة من أفواههم إلي الشوك المدبب في أوراق الصبار التي تناثرت وتعالي القلب … تعالي… ونبتت في أعلاه زهرة غريبة الألوان اجتمعت عندها خيوط اللعاب فجذبت الثلاثة نحوها فى لحظة خاطفة فالتصقوا بها وارتفعوا معها وتركوا كل شئ تحتهم رغما عنهم ووصلت بهم إلي السقف حيث ( طاقة نور ) مغلقة بباب خشبي متهالك فكست وجوههم ابتسامة ذابت في حسرتهم حيث هم كل منهم أن يضرب الباب المتهالك بقبضته فلم تكن ثمة قبضة حيث ضمرت الأذرع ولم تتبق إلا أصابع طويلة ملتصقة بالكتف يشيحون بها عند الغضب .




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home