قصة

 

ظل أعرج

محمد عبده العباسي



 

ظل أعرج ..

قصة قصيرة

=-=-=-=-=-=

ـ بوسعنا اللقاء عند مدخل الميناء

 ..

افترقت ــ أنا ويوسف ــ علي موعد ..

الميناء يسقط في غلالة من غيوم تحجب الرؤية ، يبـــدو مغلقاً اليوم ، ذكرت الأرصاد الجوية ما يؤكد علو الأمواج وارتفاع " الشبورة " التي تمنع سير السفن وتعطل حركة الملاحة ..

البحارة أمثالي استسلـموا ، كلهم في حالة من الترقب ، قباطنة السفن الراسية في الميناء أغلقوا عليهم قمراتهم ، عمال البحر التقطهم المقهي ، راحوا يضخون دخاناً كثيفاً من أنوفهم التي ازدادت حمرة مع قسوة البرد الذي ملأ المكان ..

تذكرت الآن يوسف ، لم يصل حسب موعده ، كان قد فارقني وهو يركب دراجته ماركة " فونيكـس " الجديدة ، يرن رناً متتابعاً بجرسها مثل طفل ، تبادلنا السجائر سريعاً كالعادة ، كل الأصحاب يصفونه بأنه ظلي الأعرج ..

رجله المصابة زمن الحرب أصابته بعــرج ظل يعاني منه طويلاً حتي خف ، لكن تلك الحادثة التي وقعت له أصابتني بألم وأنا أبحث عنه في المستشفي العام الرئيسي ، صدمته سيارة ، قالت سيدة ظلت تلازمه حتي مجئ الأهل :

ــ ظللت أتحسس الجرح ، وألمس جبهته بعد الحادثة ، كان جبينه يتفصد عرقاً بغزارة ، الجرح كان ينزف ، مســحت الدم بمنديلي ..

وعادت تتعجب من غياب النخوة عن الناس :

ــ لم يتطوع أحد لإنقاذه أو هّم باستدعاء الشرطة أو الإسعاف.

هــي في نحو الأربعين تحتفظ بجمال ووقار، ترتدي زياُ أسود من المنتشر هذه الأيام ، وجهها طبق أبيض وسط ليل دامس ، قالت وهي تغادر :

ــ أود لو أطمئن عليه ..

ــ سأطمئنك ، هذا رقم هاتفي ..

يميل يوسف بعرجته وهو يسير بجواري ، صرنا في الفترة الأخيرة أكثر شبهاً عن ذي قبل في الملامح، نوع القبعة علي الرأس ، شكل الشارب ، نفس الدخان ، الجينز الأزرق ..

ظهر يوسف ، بعد مضي أكثر من ساعة ونصف الساعــة ، كنت قد دخنت عشر سجائر ،ورشفت ثلاثة من فناجين القهوة وطالعت صحفاً قديمة من المتراكمة علي الطاولة أمامي ، البعض من حولي تحلقوا في رحلة مع الفضائيات ، خاضوا في سيرة من ظهرت علي الشاشة وتفرسوا في جمــالها الساحق، واحد منهم قال :

ـ أنهن يبالغن في إظهار مفاتنهن بدون داعٍ .

، ثان قال :

ـ إن الحياة لا يمكن أن تمر جزافاً هكذا ، هذا هو الجمال بدلاً من القابعات في البيوت كشجرات الجميز ..

الثالث ضحك وألقي بنكتة بذيئة ، الرابع تنــاول زجاجة جعة مثلجة وصبها في جوفه مرة واحدة ، بينما اكتفي الأخير بشجب كل الآراء وظل يتابع الشاشة الملونة ويترنم بالغناء ، وينفث سحب الدخان التي يمجها من فمه ويمدد ساقيه علي كرسي فارغ وقد خلع قبعته التي تزينـها وردة حمراء لابد منها ..

سمير وبدوي كانا في ركن قصي من المقهي يتبادلان مجلات ممنوعة يروجونها لبحارة السفن العابرة ..

يوسف علل سبب تأخره بحكاية "اليونانية" التي تزوجت صديقاً لنا وتحن الآن للعودة إليه بعد أن هجرته ، أصبح الآن ثرياً من لعبة الخمور والسجائر المهربة ، سأله عن المشورة ، قلت له :

ــ يسألك أنت ، متي عادت " إميلينيا " ؟ لقد انقطعت سيرتها منذ زمن بعيد ..

قهقه يوسف مردداً كلمات غير مفهومة ، دفعتــه في صدره ليسكت ، كان يود أن ينكأ جرحاً قديماً كان قد أصاب ساقي ــ أيضاً ــ يوم كنت أصارع زوج اليونانية قبل أن يقترن بها ..

عرفتها في " بيريه " وقت أن كانت الحرب وغلق القنــاة ، جننت بها لولا أن التقطتني سفينة ظلت تقلع من مرفأ لمرفأ علي مدي سنة كاملة ، حتي إذا ما عدت للميناء وجدت " إميلينيا" في حوزته ، قال لها :

ــ مرسي مات ..

فات جزء من النهار ، انقشعت الغيوم شيئاً فشيئاً ، جاءت شمس شبه جادة ، دافئة ، جعلت الحياة تسري في الأبدان ، اتجه كل واحد منا لعمله ، دارت محركات اللنشات الصغيرة ، علا الضجيج الذي ملأ المكان ..

كانت ثمة نوارس تحلق ، قوارب صغيرة تترنح ، تــــأهبت لأن أديـــر محرك اللنش ، ثمة عطب أصابه ، إذن سيمر وقت من النهار من دون عمل ، جاءني الخبر بأن فتحي زميلي لن يحضر اليوم :

ــ أوه ، زوجته تنتظر حادثاً سعيداً ، خبطت جبهتي بكفي كي أتذكر ..

منذ أكثر من عشــــر سنوات وفتحي ينتظر الحلم بطفل من صلبه ، أصابه يأس مما دعاه لبناء مقبرة أوصاني بدفنه فيها حين تأتيه المنية :

ـ الله كبير يا فتحي ..

بعدها بحين جاءني يبكي ، أخبره الطبيب :

ــ مبروك يا فتحي زوجتك حامل ..

كان يبكي بشدة ، انحني علي يد الطبيب يقبلها :

ـ كل الأطفال كبروا ، قال وهو يمسح دمعه ..

ـ اللهم ارزقه بعيال لا حصر لهم ..

تضرع لله في ضعف ورفع يديه للسماء وكاد يضحك وعيناه تغرورقان بدمع غزير ..

دار المحرك فجأة ، استأنفت العمل متجهـاً إلي سفينة راسية ، يوسف رآني وقد تأخرت عن الركب ، اعتلت وجهه الدهشة ، سألني ، قلت :

ــ لا شئ ، لا شئ ..

قال إن حمادة العباسي جاء وأخبره بأن فتحي لن يجئ ، وأنه خاف علي حمادة فاصطحبه حتي باب الدائرة الجمركية لئلا يتم القبض عليه لكونه لا يحمل تصريحاً ، أعطاه مائة جنيه كانت معه :

ــ أعطها له ، هي من الريس مرسي ..

كانت السفينة النرويجية أشبه بقلعة حصينة ، رفعت السلالم ، ركابها انزووا في قمراتهم ، بحارتها مختبئون ، لا أحــد هناك ، حتي الـ "ويتشمان" لم يظهر :

ــ ما هذا النهار ، قلت لنفسي وأنا أتابع الحبال المشدودة وهي مدلاة من عند مقدمة السفينة ومؤخرتها ، درت من حولها ، الشمندورة تبدو مثل زر كبير وسط قماشة زرقــاء يلهو بها طفل ، تقب وتغطس محدثة صوتاً جراء ارتطام الماء بها ، رحت أتقي ريحاً هبت فجأة ، افزعتني حقيقة ، تلاعبت باللنش والموج معها ، كنت بعيداً ويوسف هناك مع شريكه ، لا أقدر علي أن أستغيث به ، أو النداء عليه ، لن يسمعني بالطبـع ، رجلي اصطدمت بصندوق حديدي ، كدت أسقط ، أوجعتني الصدمة ، ثمة سفينة أخري هناك ، أدرت مقود اللنش نحوهــــا ، فوق سطحهـــا حاويات بلا عدد ، يبدو أنها قاصدة الخليج أو بلاد شرق آسيا.

مر وقت ، ظهـر صديقي القبطان كارمانليس " ومعه زوجته الجميلة " أفروديت " ، أشار علي بأن أحملهما معي إلي الرصيف ، يد " أفروديت " في قبضتي ، كانت هشــة ناعمة ، كادت أن تسقط في صدري ، صفق لي كارمانليس محيياً ، قبلت " أفروديت " وجنتي شاكرة حسن صنيعي ، بـادلني بيونانية رائعة ، ترنمت بأغنية أكاد أذكرها من فيلم قديم ، راحت تعبث بمياه البحر ، زجرتها فارتعدت ، احمر وجهها خجلاً، القبطان كان يدخن غليونه العاجي ، سألني عن بضاعتي ، أخبرني أنه اشتراها كاملـة شريطة أن أنتظره لأعود به في الخامسة تماماً من نفس المكان ..

ألقيت بجسدي متعباً تحت شمس النهار الدافئة ، أشعلت سيجارة تلو أخري ، عاد القبطان وكأنما غفت عيني قليلاً ، لا أدري كم من الوقت مضي ، صحوت منتشياً ، سألني عن فتحي ، لما علم بأمره ابتهج ، بش في وجهي وضحك مقهقهاً بصوت عالٍ ، قال:

ـ صاحبك أخف ظلاً منك ، ولولا براعتك في الكلام لفاز علّيك تماماً في كل شئ ..

ردت " أفروديت " الجميلة بأن ساعدي أقوي وأمتن وأن في عيني يكمن بريق أخاذ ..

انتهي النهار..

عدت أوثق اللنش إلي جانب الرصيف بقوة خشية الأمواج المتلاطمة ، جاء فتحي يرقص ، عرفت بأن زوجته وضعت وأشار بـأصابع النصر :

ــ توأمان ..

هللت لبشاشته ، قال :

ـ يوسف ومرسي ..

وجدتني أضمه لصدري ، يوسف جاء بعد قليل ، علا آذان المغرب ، توضانا من ماء البحر ، اتجـهت وجوهنا ناحية القبلة ، آمنا يوسف كالعادة ..

مر وقت طويل كنت قد انقطعت فيه عن الصلاة ، تحدرت من عيني دمعة ، بكيت ندماً وأنا ساجد ..

بعد الصلاة رأيتني حليق شعر الرأس ، شاربي الكث غمره الشيب ، يداي مرفوعتان لأعلي ، أدعو ربي أن يغفر لي ذنوبي ، أركع وأسجد في مكان أزره للمرة الأولي ، رأيت في واجهة المتجر الذي أمامي صورة المسجد الحرام مضاءة في شكل أثلج صدري ..

ورأيتني مع صديقاي ونحن في ملابس الإحرام نعدو جهة الباص الذي يقلنا ناحية مطار جدة ..

أفقت علي صوت يوسف تحت المصابيح الذابلة في عتمة الليل يدفعني من أمام سيارة كادت تصدمني :

ـ كدنا نتساوي ، ويصبح كلانا ظلاً للآخر ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد عبده العباسي

بورسعيد / مصر




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home