القلم النقدي

 

مقاربة أسلوبية لرثائية بكر بن حماد التاهرتي

ناصر بوصوري



مقاربة أسلوبية لرثائية بكر بن حماد التاهرتي

                                  ناصر بوصوري*

                                                   البريد الإلكتروني:boussouri_nacer@yahoo.fr

مقدمة :

أحدثت المناهج الحديثة تغييرا كبيرا في مجال الدراسات الأدبية للنصوص قديمها وحديثها،وخاض هذا المجال كثير من النقاد قدموا دراسات لنصوص من الأدب القديم  والحديث ،فكانت قراءاتهم ومقارباتهم وفق المناهج الأسلوبية و السيميائية و التفكيكية لا تخلو من بعد نظر و تقصٍّ ،فقد وقفوا عند جزئيات كثيرة في هذه النصوص ،وكان ذلك بداية تحول قاد إلى ثورة في المفاهيم ؛إلى درجة صار يُنْظر إلى النصوص الإبداعية بأشكالها التعبيرية المتعددة نِظرة نقدية كشفت كثيرا من الغوامض واستجلت كنهها وقدمتها في قالب جديد .

وبما أن تخصصي في الأدب الجزائري القديم ؛فقد اخترت أن أخوض هذه التجربة في تحليل نص إبداعي لشاعر جزائري عاش في العهد الرستمي و يعتبر أشهر شعراء ذلك الزمان لذيوع صيته في المشرق والمغرب وحتى في الأندلس ؛إنه بكر بن حماد التاهرتي أو التيهرتي ،إلا أنني وقفت حائرا بين قصائده؛أيها اختار؟

وبعد تردد بين قصيدتين له؛إحداهما تناول موضوعها الرد على عمران بن حطان الذي مدح قاتل الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ و أخرى تناولت رثاء ولده عبد الرحمن،فاخترت هذه الأخيرة لأنها مؤثرة و حزينة ،وقد تكون لي عودة إلى القصيدة الأخرى ـ إن شاء الله ـ .

اخترت رثائية بكر بن حماد لابنه وآثرت دراستها وفق المنهج الأسلوبي الذي بدا لي أنه أنسب إلى مقاربتها والوقوف على ما رأيت أنها اشتملت عليه ،و لا أزعم لنفسي أنَّني وُفِّقْتُ فيها و وقَفْتُ على كثير من حيثياتها لاعتقادي أن الإبداع يتجدد مع كل قراءة ومع كل دراسة ،وقد يشفع لي أني اجتهدت في فك بعض رموزها.

وقبل أن أشرع في عملي هذا ارتأيت أن أنفذ إلى المنهج الأسلوبي من وجهة نظرية؛فتحدثت عن الأسلوب وعرفته في اللغة والاصطلاح عند العرب وعند الغرب،ثم عرجت على بعض المبادئ الواجب استحضارها عند التحليل أو المقاربة الأسلوبية ،وتكلَّمت بعدها عن ثوابت هذا التحليل ،أعقبتها بتعريف مختصر لسيرة الشاعر بكر بن حماد وأبيات القصيدة أو ما بقي منها ،لأختم هذا العمل بالمقاربة الأسلوبية لدراسة هذه القصيدة ؛متنقلاً بين المستويات الصوتية و التركيبية والدلالية التي حوتها القصيدة.                                                                  

تعريف الأسلوب:

يعرف ابن منظور الأسلوب في »لسان العرب«فيقول:«يقال للسطر من النخيل وكل طريق ممتد فهو أسلوب ،فالأسلوب هو الطريق و الوجه و المذهب ،ويقال أنتم  في أسلوب سوء ...ويقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه.»([1])

أما ابن خلدون في مقدمته فيرى « إنه عبارة عن المنوال التي تنسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي هو وظيفة الإعراب و لا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي وظيفته البلاغة و البيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب»([2])" ويضيف«هو الصورة التي ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب الصحيحة باعتبار الإعراب و البيان فيرصها فيه رصًا. » ([3])

     أما التعريف اللغوي للأسلوب عند الغربيين فإن كلمة «style الإنجليزية أي أسلوب،يعود إلى اللغة اللاتينية ،حيث كان يعني عصا مدببة ،تستعمل في الكتابة على الشمع» ([4])

    هذا من حيث التعريف اللغوي للأسلوب،أما اصطلاحًا فإن تعريفات الأسلوبية تعددت إلى درجة لا يمكن معها حصر كل التعريفات التي ذكرت،لكن سنحاول أن نكتفي بما نرى أنه من الضروري ذكره ،و لتكن نقطة انطلاقنا من بداية استعمال هذا المصطلح، فـقد ...كان الكونت "دي بيفون"(1707ـ 1788م) أول كاتب فرنسي صرف اهتمامه للأسلوب،و رفع منزلته في كل بناء أدبي،وقد عرفه في خطابه الذي ألقاه أول دخوله عضوًا في الأكاديمية الفرنسية،بقوله:« ليس الأسلوب سوى النظام والحركة اللتين يضعهما المرء في أفكاره ... الأسلوب هو الرجل نفسه» وقد أصبح قوله هذا معروفًا في جميع الأوساط و الدراسات اللغوية.([5])

   وبالنظر إلى الفترة التي عاش فيها" دي بيفون" فإن تاريخ الأسلوبية يمتد إلى القرن الثامن عشر،وقد« حاولت الأسلوبية في تاريخها الطويل أن تكون منهجًا نقديًا يسعى إلى معاينة النصوص الأدبية بالاعتماد على النسيج اللغوي الذي يتشكل منه النص،مفيدةً من الألسنية في الكشف عن وظائف اللغة في تجلية المعنى الذي قصد إليه المؤلف،و إذا كانت ثمة فوارق أساسية بين العلمين فإن الأسلوبية ركزت بشكلٍ أساسي على الأثر الذي تتركه اللغة في المتلقي»([6])

   وقد ركزت الأسلوبية بشكل كبير و مكثف و مباشر على عملية الإبلاغ والإفهام،هذا إلى جانب اهتمامها الجوهري و الأساسي؛وهو التأثير في المتلقي / القارئ .

   وإذا كان"دي بيفون"سباقًا إلى فكرة الأسلوب فإن "شارل بالي" (1865/1947م) يعدُّ مؤسس علم الأسلوب معتمدًا في ذلك على دراسات أستاذه فرديناند دي سوسير،لكن "بالي" تجاوز ما قال به أستاذه،و ذلك من خلال تركيزه الجوهري على العناصر الوجدانية للغة،أما لساني مثل "ياكبسون" فيعرف الأسلوبية بقوله:« إنها البحث عما يتميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب أولاً،وعن سائر الفنون الإنسانية ثانيًا .

 لأن الأسلوبية« لاتشتغل إلا على الكلام الفني دون غيره،فالأسلوبية إذًا تخرج العامية و اللغة الشفوية و اللغة غير الفنية من الكلام الفني ـ  وهو مجال  دراستهاـ» ([7])

أما ميشال ريفاتير فيقول عن الأسلوبية:« إن القارئ يجَلِّي الأسلوب بفعل الأثر الذي يتركه ،فالأسلوب يستأثر بانتباه القارئ و اهتمامه عبر ما يفضيه في سلسلة الكلام،والقارئ بدوره يستجيب للأسلوب فيضيف إليه من نفسه عن طريق رد الفعل الذي يحدثه فيه»([8])

وبذلك فإن الأسلوبية تتخذ كمجال لبحثها « الخصائص الفنية الجمالية التي تميز النص عن آخر،أو الكاتب عن آخر،من خلال اللغة التي يحمّلها خلجات نفسه،وخواطر وجدانه،قياسًا على هذه الأمور مجتمعة،تظهر الميزات الفنية للإبداع،إذ منها نستطيع تمييز إبداع عن إبداع انطلاقًا من لغته الحاملة له بكل بساطة،ومن ثمَّ فالأسلوبية تحاول الإجابة عن السؤال:كيف يكتب الكاتب نصًا من خلال اللغة؟ إذ بها و منها يتأتى للقارئ استحسان النص أو استهجانه،كما يتأتى له أيضًا الوقوف على ما في النص من جاذبيةٍ فنيةٍ تسمو بالنص إلى مصاف الأعمال الفنية الخالدة »([9])

   وبطريقة أخرى فإنَّ «...معظم الأسلوبيين قد أقروا ـ كتوجه عريض ـ بأن الأسلوبية هي الإجابة عن السؤال:كيف عبَّر النص عن دلالته الجزئية والكلية؟»([10])وبالإضافة إلى هذا فإن الأسلوبية كمنهج « تترصد مكامن الجمال والفنية في الآثار الأدبية وما تحدثه من تأثيرات شتى في نفس القارئ،لما تسمو هذه الآثار عن اللغة النفعية المباشرة،إلى لغة إبداعية غير مباشرة،فنية وأكثر إيحاءً وتلميحًا»([11]) 

كما أن الأسلوبية تهتم بدراسة المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية ومن خلال ذلك تقف على اكتشاف السمات الأسلوبية لأدب ما أو لفترة من الفترات أو كاتب من الكتاب،وهي ـ الأسلوبية ـ «بشكل عام منهج يدرس النص و يقرأه من خلال لغته وما تعرضه من خيارات أسلوبية على شتى مستوياتها:نحويًا،ولفظيًا،وصوتيًا،وشكليًا،وما تفرده من وظائف و مضامين ومدلولات وقراءات أسلوبية لايمُتّ ُ المؤلف بصلة مباشرة لها على أقل تقدير«([12]) 

كما أن البحث الأسلوبي«ينطلق في مقاربته للنص الأدبي من المقولات التالية:الاختيارـ التركيب ـ الانزياح.

 الاختيار:

     اعتبر حدًا فاصلاً بين "الجمالي"و "غير الجمالي"؛فالكلام لا يمكن أن يكتسب صفة الأسلوبية(إلا إذا تحققت فيه جملة من "الظواهر أو المسالك التعبيرية التي يُؤثِرها الشاعر أوالأديب دون بدائلها التي يمكن أن تسد مسدها) ... و الاختيار يجعل من الأسلوب عملا واعيًا وقصديًا .فكل علامة لغوية تقوم بوظيفتها التي حددها لها المبدع.»

التركيب

     يعتبر طرفًا فاعلا في عملية الخلق الأدبي؛إذ به تكتمل صورة التعبير اللغوي ويخرج من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل،و التركيب هو مظهر الأدبية؛"ذلك أن الجمال في النص الأدبي،إنما يعود إلى العناصر البنائية متضافرة ومتفاعلة لا إلى عنصر بعينه منه .

الانزياح:

     يعد مؤشرًا نصيا على أدبية النص أو شعريته؛ذلك أن الخروج عن النسيج اللغوي في أي مستوى من مستوياته،الصوتي،التركيبي،الأسلوبي،البلاغي،يمثل في حد ذاته حدثًا أسلوبيًا.كما أنه يرتبط بالنص"الرسالة"ويتخذ أشكالا و صورًا كأن يكون"خرقًا للقواعد"أو"لجوءًا إلى ما تدرس الصيغ"وقد يكون"الانحراف بتكرار الملحظ الأسلوبي على غير المألوف كالإسراف في استخدام الصفات» ([13]) 

ومع كل هذا فإن الأسلوبية لا يمكن اعتبارها النموذج المثالي لتحليل النصوص الأدبية و الوقوف على مكنونات تلك النصوص،والوصول إلى الغايات المتوخاة من دراسة وتحليل الإبداع الأدبي ،لأن نظرة الناس تختلف،وبفضل هذا الاختلاف فإننا نصل في كل مرة إلى قراءة متجددة للنصوص الإبداعية،ولذلك فإنه « لا تسلم القراءة الأسلوبية من الخطل،إلا إذا عثرت على أسلم السُّبُلِ للولوج إلى عوالم النص،لذا كانت الانطلاقة حجر عثرة في طريق التحليل الأسلوبي،وهل تكون البداية من الصوتي،ثم الصرفي،على منوال النموذج اللغوي؟أم أن إدراك الصوتي يحتاج إلى وقفات متأنية لاكتشاف الصوت الطاغي في العمل الأدبي والذي يضفي جوًا جرسيًا ما على جملة النص و دلالته»([14]) 

ج ـ ثوابت المقاربة الأسلوبية:

  تعتمد المقاربة الأسلوبية على ثوابت معينة،لا يكون لها معنى إلا بها ،منها:([15])

1/الانطلاق من الظواهر اللغوية خاصة،ومن مختلف مواد البناء والأداء في الكلام عامة،وتركيز النظر في كيفيات التعبير المفصحة عن صور الشعور والتفكير،سواء ما تعلق منها بالمفردة أوالتركيب،أو الصوت،أو بالمعنى،أو بالصيغة،أو الدلالة،أو بالحركة،أو بالصورة،أو بنوع النص أو شكله،أو بجنس الكتابة أو غرضها،و يكون الاعتماد على الظواهر الموظفة توظيفًا جديدًا،لا على الظواهر المستعملة استعمالاً عاديًا،طبق أوضاع اللغة و تقاليد الكتابة والمألوف من قواعد التواصل.  

2/التمهيد للتحليل الأسلوبي بأعمال تحضيرية،ليست من صميمه،أهمها حل الإشكالات العالقة عن الفهم،وتحديد الموازين التي بها تعرف قيم الظواهر،لتطرح من الحسابات كل ظاهرة مستعملة على غير وجه التوظيف الجمالي،ومعرفة ما استقر عليه العرف في الوضع اللغوي والدرس النقدي والتاريخ الأدبي،استعدادًا لتحديد مظاهر الأسلوب،و عناصر الإضافة ومواطن الإبداع التي تقدمها النصوص المدروسة.

3/ التحقيق في وضع الظواهر المختارة:هل يصدق عليها وصف الظواهر الموظفة؟ وما مسوِّغ ذلك فيها؟وما الذي يصوِّر مدى التوظيف الذي جعلت له وأثره في بنية النص ودلالته؟ذلك لأن المحلل الأسلوبي لا يسلِّم بأدبية النص أو شعرية الشعر تسليما؛و إنما هو ينحو منحى البحث و المناقشة و المساءلة قبل الاطمئنان إلى أي نتيجة من نتائج التحليل.

4/ليست المقاربة الأسلوبية بحثًا في الموافقات،ولا في المفارقات،أي أنه لا تتأسس على ما في النص مما يوافق كونًا موجودًا من القواعد و تقاليد الكتابة،و المعاني المقصودة و الانطباعات الحاصلة،أو ما يخالف شيئًا من ذلك في النص نفسه؛وإنما هي تتأسس على ما فيه من إنجاز الكلام موافقًا كان أو مخالفًا لإنجازات معروفة،ويؤسس كونًا جديدًا خاصًا بالنص المدروس.

ومن خلال الأسطر اللاحقة سأحاول أن أدرس هذه المرثية البكرية ـ نسبة إلى بكر بن حماد ـ على ضوء المنهج الأسلوبي ؛الذي يُعنى بدراسة النص باعتباره رسالة لغوية بين المرسل والمتلقي،ويستعين الأديب بهذه الرسالة لتوصيل ما يريد من دلالات فكرية وشعورية ،ومن ثَمَّ يأتي الدرس الأسلوبي موظفًا مفاهيم علم اللغة العام لمعرفة الخصائص الجمالية للنص الأدبي .

وما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن طلبة الأدب لا يجدون ضالتهم في الكثير من الكتب التي تتناول نصوصا إبداعية بالتحليل وفق المناهج المعاصرة ؛فهي تخلو من بيان إجرائية التحليل،ولا تعدو أن تكون مجرد اجتهادات يؤجر عليها أصحابها،ولكنها لا تضع قواعد محددة يسير على هداها محللو النصوص.

وفيما يلي نبذة عن حياة الشاعر بكر بن حماد التاهرتي الجزائري،تكون متبوعة بنص القصيدة ـ موضوع الدراسة ـ

بكر بن حماد بن سهل «وقيل سهر»بن اسماعيل الزناتي ،ويكنى بأبي عبد الرحمن ولد بتيهرت سنة مائتين 200 للهجرة،وبها تلقى دروسه الأولى حتى بلغ سن السابعة عشرة من عمره ثم غادر تيهرت متجهًا إلى القيروان ،فمصر،فبغداد،حيث واصل طلب العلم ونظم الشعر ،ويبدو أن مروره بمصر وقبلها القيروان كان سريعًا حيث نجده في بغداد سنة 218أو 219هـ،إذ ترتبط أخباره بالخليفة المعتصم ـ الذي تولى الخلافة سنة 218هـ وبالشاعر دعبل الخزاعي المتوفَّى سنة220هـ.

وفي بغداد درس الحديث والفقه على أعلام عصره من أمثال أبي الحسن الحسن البصري،وأبي حاتم السجستاني  وابن الأعرابي ـ تلميذ الأصمعي ـ وغيرهم كما استفاد إلى جانب ذلك من قربه من أعلام الشعراء مثل أبي تمام،ودعبل الخزاعي،وعلي بن الجهم.و رحلته هذه دليل على حبه للعلم والأدب ،خاصة وأنه لم يكن من الأثرياء ،ويلاحظ أنه لم يغنم كثيرًا من مدائحه للمعتصم،لذا فإنه في أخريات أيامه وبعد عودته إلى بلده يبعث إلى أحمد بن قاسم صاحب مدينة «كُرت»بالمغرب الأقصى بقصيدة يمدحه فيها ويطلب عطاءه في أبيات تدل على مدى حاجته)[16] (

يقول في الأبيات:

إني لمشتاق إليـك وإنـما             يسمو العُقابُ إذا سما بقوادم

فابعث إليَّ بمركب أسمو به            عَلِّيَ أكون عليك أول قـادم

واعلم بأنك لن تنال محـبة                 إلا ببعض ملابس ودراهـم

ويبدو أن بكر بن حماد صاحب شخصية معتدلة ،ومزاج مستقيم لا تصرفه المغريات عما استقر في نفسه،إذ يخلو شعره من أي أثر لحياة اللهو والمجون والشراب رغم مروره بالقيروان وبغداد اللتين كانتا تعُجَّان بهذه المجالس.

ويذهب الأستاذ رمضان شاوش وهو كاتب جزائري قام بجمع شعر بكر بن حماد في كتاب أسماه«الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد»إلى أن شاعرنا كان أول مرة إباضيا ثم اعتنق مذهب أهل السنة والجماعة بعد إقامته في بغداد.ولعل قصيدته سالفة الذكر في هجاء عمران بن حطان الذي مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي ـ كرًّم الله وجهه ـ جعلت عبد العزيز نبوي يراها دليلاً على أن بكر بن حماد ...كان يميل إلى مذهب أهل الشيعة )[17] (

وما كاد بكر بن حماد يستقر به المقام بالقيروان ،مشتغلا بالتدريس في المساجد،و لافتا نظره وجهة الأحداث السياسية في المغرب في عصره ،حتى أحاطت به الوشايات و أجواء المنافسة بينه وبين الأمير إبراهيم بن الأغلب* فآثر الفرار إلى موطنه ومعه ابنه عبدالرحمن وعلى مقربة من تيهرت تعرض لهما اللصوص فجرحوه وقتلوا ابنه أمامه عام295هـ ،وتركت هذه الحادثة أثرًا بالغاً في نفسه ظل يمزق أحشاءه عامًا كاملاً،وظل على هذه المعاناة حتى توفاه أجله في سنة 296هـ.

والآن نستعرض أبيات القصيدة التي رثى  بها ابنه وهي من بحر الوافر: ([18])

بكيت على الأحبة إذ تولوا                 و لو أني هلكت بكوا عليــَّا

فيانسلي بقاؤك كان ذخرا                  وفقدك قد كوى الأكباد كيــَّّا

كفى حزنا بأنني منك خلو                 و أنك ميت وبقيت حيــــَّا

دعوتك بابنيَّ فلم تجبني                  فكانت دعوتي يأسًا علـــيـَّا

ولم أكُ آيسًا فيئست لمـَّا                رميت الترب فوقك من يديــَّا

فليت الخلق إذ خلقوا أطالوا              و ليتك لم تكُ يا بكر شيــــَّا

تسرُّ بأشهرٍ تمر سـراعـًًا            و تطوي في لياليــهن طيـــَّا

فلا تفرح بدنيا ليس تبقــى          و لا تأسف عليهـا يا بـنـيـــَّا

فقد قطع البقاء غروب شمس        و مطلعها عليَّ يــا أخـــيَّــا

وليس الهم يجلوه نهـار           تدور له الفراقد والثريَّــــــا

المقاربة الأسلوبية للقصيدة:

العنـــوان:

القصيدة كما سبق معنونة بـ:رثاء ابنه عبدالرحمن،وهو عنوان موضوع من جامع شعره في اعتقادي؛ذلك أنَّ الشعراء القدامى لم يكونوا يضعون عناوين لقصائدهم كما لم يكن ذلك شائعًا بينهم على عكس المعاصرين فإنهم يضعون عنوانًا لكل قصيدة،ولكل ديوان يصدر لهم و لا يكون ذلك اعتباطا،و إنما عن قصد وبعد تأمل لأعماق تجربته،بحيث يأتي العنوان دالاً بشكلٍ واضح على ما أراد أن يستثيره لدى قارئه.)[19](

 

المستوى الصوتي:

تتنوع المداخل التي يمكن الشروع من خلالها في الدراسة الأسلوبية،وتظل السمة المشتركة بين هذه المداخل هي البدء باللغة أو منها ،واختيار عبارة دالة مميزة لفتح وشرح عالم النص كله،وتسمَّى هذه العبارة المفتاح،وقد تكون كلمة أو جملة ،وقد تكون ذات دلالة معنوية أو تركيبية او صوتية،وقد تصدر عن المؤلف بوعي أو بدون وعي)[20](

ومفتاح هذه القصيدة هو جملة «بكيت»التي افتتح بها الشاعر قصيدته وهي جملة تتألف من الفعل الماضي« بكى» وضمير المتكلم «التاء»الذي يرى فيه بعض النقاد أنه أنسب الضمائر للتعبير عن الشعر.و الجملة «بكيت» ذات دلالة معنوية؛فهي تعبير عن الحزن الذي يشيع في كل القصيدة و آلام الفقد و اليأس و الأسف وما إلى ذلك من العبارات الدالة على المعاناة التي عاشها بكر بن حماد بفقد ابنه.كما أن َّ الفعل« بكى» فعل معتل ناقص وفي ذلك دلالات كثيرة؛منها هذا النقص الذي يشعر به الشاعر والعلة التي تلازمه بفعل ذلك الفقد.

الإيقاع الداخلي:

مما يلاحظ في هذه القصيدة تَكرار بعض الحروف بشكل لافت مما يجعل من ذلك سمة أسلوبية ؛فإذا استثنينا الألف التي تصاحب عادةً الكامات المعرفة ،وتلتصق بالأفعال الماضية المسندة إلى واو الجماعة و حروف النداء في الغالب،فإنَّ أكثر الحروف تكراراً في هذه القصيدة«الياء»(36)مرةً،و«اللام» (33)مرةً،فـ«الواو»(26)مرَّةً،تليها« التاء» (24) مرة ثم «الكاف»(19)مرة،و تتنوع هذه الحروف في مخارجها بين حلقي و مهموس،والصوت المهموس هو «الصوت الذي لا تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق به»([21]) وكأني به يهمس بآهاته إلى نفسه همسًا،بعد أن جُرِحَ و قَتَلَ اللُّصوص ابنه فلم يجد من يبثه همومه وأحزانه إلاَّ نفسه المفجوعة بأقرب الناس إليه ،هذا الابن الذي يناديه في البيت ما قبل الأخير (يا أُخَـيَّا)،مما يفسر تلك الرابطة القوية بين الوالد الشاعر والولد الفقيد.

الوزن:

القصيدة من بحر الوافر ،وتفعيلاته :مفاعلتن مفاعلتن فعولنX 2 ،ورويها الياء.ختمت قافيتها بوصل مفتوح،«ويمتاز الفتح عند النطق به بانعدام أنواع الاعتراضات أو العقبات من طريق الهواء،وينشأ عن انعدام الاعتراضات أن ينعدم وجود أي احتكاك يصاحب النطق.»([22] ولعل الفتح يتلاءم مع ما يريد بكر بن حماد أن يكشف عنه ويوضحه للمتلقي،فتصل الرسالة بجلاء معبرةً عن حزنه وما قاساه مما ألم به،كما أن الوافر بحر تام يتيح استعماله للشاعر التعبير عن خلجات النفس،وهو أنسب البحور لفن الرثاء،ولنا في تماضر بنت الحارث أحسن دليل ومما قالته على هذا البحر في رثاء صخر:

يؤرقني التذكر حين أمسي          فأصبح قد بليت بفرط نكسي

 

المستوى التركيبي:

دراسة هذا الجانب من القصيدة يمكننا من من بحث الخصائص المميزة للشاعر ،وفيه نتطرق إلى دراسة الجمل وأنواعها؛اسمية وفعلية وإلى تركيبها، ودراسة التقديم والتأخير ،واستعمال الروابط والضمائر وأنماط التوكيد،واستعمال الأزمنة،وحالات النفي والإثبات فإذا عدنا إلى القصيدة وجدنا أغلب جملها فعلية تنوعت بين الماضي والمضارع،واستعمال الفعل كما هو معروف فيه دلالة على التغير والتبدل ،فهو يعبر عن حدث غيّرَ في حياته وأحدث ثورة من الحزن داخله عكرت صفو الأيام التي قضاها ينعم بالدفء العائلي،ويشعر أن بقاء ولده كان له ذخرًا في حياته،ويكفيه حزنًا أنه نأى عنه وبعُدَ و أصبح خلوًا منه،بل أكثر من ذلك فهو محزون حتى ببقائه حيّاً بعد ولده،فكأن الحياة لاطعم لها بدونه.ومن السمات البارزة في هذه القصيدة استعمال الشاعر لأفعال من شاكلة:بكى،دعا،كوى،كفى،كان،رمى، طوى،بقي،جلا،دار،ومما يلفت النظر فيها أنها كلها أفعال معتلة،ولعل في ذلك دلالة واضحة على ما أصاب الشاعر وألمَّ به ؛فهو عليل مكلوم يعاني آلام الفقد.

ومن الجمل الاسمية التي وردت في القصيدة (بقاؤك كان ذخراً) فقد تقدم المبتدأ عن الخبر الذي جاء جملة اشتملت على فعل ماض ناقص وأجوف،وفي ذلك دلالة على النقص الذي يشعر به والحزن الذي يكابده و الإحساس الذي يتملكه بأنه صار أجوف ناقصًا،كما أن تقدم المبتدإ(بقاؤك) يشعرنا أنَّه إنما قدمه لأنه يتمنى أن يدوم ذلك البقاء،وربط بينها وبين جملة اسمية في الشطر الثاني (وفقدك قد كوى الأكباد كيًّا)وجعل الخبر فيها جملة فعليةً مسبوقة بالحرف (قد) الذي يفيد التحقيق قبل الفعل الماضي،ليدلَّ على ذلك الفقد بالفعل قد كوى الأكباد،وحتَّى استعمال الشاعركلمة الأكباد بصيغة جمع التكسير يوحي أنَّ كبد الشاعر يتجدد لها الكي حيناً بعد حين ومرَّةً بعد أخرى.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home