القلم النقدي

 

من سطوة القلق إلى نشوة الوصف

عبدالله النصر



من سطوة القلق إلى نشوة الوصف

قراءة / صالح الغازي

 

 

 

عن دار الكفاح للنشر والتوزيع صدرت مجموعة قصص

( من قاع النسيان )

لكاتبها القاص السعودي : عبد الله النصر

 

ظهرت شخوصه تتقلب علي جمر القلق وتشكو من عدم التحقق / اليتم / الحلم الضائع / الحرمان / قسوة الذكريات،وأظهر حالتها  بتفاصيل وتداعيات القلق المختلفة ../ التشتت / الضجر / التوتر / العجز ... الخ

 

كما تناول أفكارا أخري فيها الروح المرحة مثل غيرة الزوجة علي زوجها في قصة ( جين الإخلاص ،لعن الانسياق) والهم العام مثل ( احتضان ،كالإسفنج )

 

كما صاغ قصصه بتقنية الوصف واعتمد عليها لتشكيل تداعيات رؤيته فشكل بها صورته كما في( باب إلى جهنم  ، رماد تفترسه البرية ، من قاع النسيان ، مضى علي شط الفتون (

 

واستخدم الوصف كراصد أو مراقب في (لحظة اكتشاف ، باب إلى جهنم ) كما أنه جنح بالوصف فدخل حدود الخيال كما في قصص ( أثداء لا تطفئ العطش ، صدى الأمين الحائر )

 

وساقه الوصف إلي صراع مع اللغة كما في ( صدى الأمين الحائر)

لكنه غالبا ما استطاع أن يحكم لجام اللغة فتوهجت العبارات كما في ( رماد تفترسه البرية ، صراع القوى )

 

◊◊◊◊

 

 

يبدأ الكاتب مجموعته بقصة( تفاسير) " عرق ينبض بشدة في ذراعي الأيمن " يبحث عن تفسير لذلك فيجد " خلجة من خلجات الجسد " وآخر " اجتماع مع من تحب " ظل يعيش علي أمل التفسير الأخير حتى فاجأته المفارقة بقول الطبيب " الآن هدأ نبض ذراعك لكنه أصبح معاقا !! "

هكذا شغلنا الكاتب بفكرة ووجدنا في النهاية كارثة وكأنه يشير في بداية قصصه إلى مفارقات الحياة وعبثها .

 

وقصة (رماد تفترسه البرية ) تبدأ " أن تشعر باهتمام إنسان تحلق به نشوان " بهذه الجملة المحكمة يبدأ قصته يسأله سامي ألم يحن موعد زواجك .. ؟ ..يحلق بنا فى وصف دقيق للحالة "كونى ينصت ويسبح فى كون الحياة حين اسمع منه هذا الاستفهام .

 

ويستطرد "آلهة نشوتى ترقص على الحان ملائكتها داخلى ...قريبا يا أعز إنسان على قلبى "

ولأن صديقه يكرر السؤال نفسه مما يوقعه فى حيرة " أرقدني مذ بدأ يكرر السؤال فى عهر القلق وبغى الاهتمام"

ولما يبحث عن تفسير سبب إلحاحه على السؤال يستنتج انه قد يموت فى يوم زواجه " ملأ الوسواس صدري أحاطت هواجسه بقلبى "

هكذا يبدع الكاتب فى تصوير حالة القلق " استغلني كما يستغل كل القلوب صلب جسدي على مذبحه قسرا وتغذى على أوردته انعطف بى إلى منحى خطير زلق فارتكب فكري هدى المعصية ..."ويتجدد القلق مع الليل " حيث يبدأ الليل يمسح الأسماء  وتتسنم الأنصاب الأجساد حتى شعرت بانقباض فى صدري واختلال فى شعوري "

هكذا يحلق الكاتب ويتألق فى وصف القلق ويدخل ويخرج من ذات الإنسان  الى الكون وتنتهى القصة بمفارقة كبيرة حينما يكشف موت صديقه سامى نفسة ليلة عرسه !

وهربا من الواقع تبدأ قصة ( أثداء لا تطفئ العطش ) بإرساء حدود عالم افتراضي بأسلوب شعري رائق " حد ذكائي غرق ... حد انبهاري جمود... حد شوقى اضطراب ... حد انتظاري تخثر "ويمارس الكاتب جموحه بالوصف " لم تزل صفحة المنتدى الالكتروني باردة برودة ملاكها ومرتاديها جافة جفاف شفتي ......... أقوم بتحديثها وإحيائها "

وحضور القلق هنا نتيجة عمق التفكير " يحتكرني القلق مذ أن وضعت أول بوح لخلية من دماغى على طاولة التشريح بعد أن عصرتها فى السكون بهدوء حتى الموت "وأسبابه  عدم اهتمام الأب والأم بنجاحه  ويتابع الأحداث لتنتهى عند تخيله أن الصفحة الالكترونية فتاة تعرض نفسها .

 

وعن الأرق فى قصة ( صراع القوى ) يحكى " كان باستطاعتي سياقة الخيال إلى ابعد نقطة تخيلت كل شئ بل أى شئ حتى الأشباح فضلا عن ملكات الجمال..........." وفى وصف بديع للحد الذي وصلت له من الإجهاد بسبب الأرق  " أردت النوم عوضا عن كل شئ رددت كلمة ارتخى يا ......... لكل عضو منى فاستجابت الأعضاء بالارتخاء فإذا كلى كوردة مقطوفة فى جو حار ذبلت على الفراش "

 

تتناول القصة حكاية سيدة فقيرة تكتشف أنها اشترت أشياء وأخطأ البائع فرد لها مالها وأكثر ليفصح بذلك الكاتب عن سبب الأرق "هذا الأمر قض مضجعي تلك الليلة "

 

وتظل السيدة فى صراع طول الليل وعندما تذهب لتعيد المبلغ تجده طرد من المحل بتهمة الاختلاس ليخيب أملها أمام مفارقات الحياة.

 

و يحكى لنا عن الصبى اليتيم فى (لحظات اكتشاف ) حيث يذهب للعيش مع عمه احمد فى مدينة الدمام وتمنيه قيادة سيارته ويتابعه الكاتب في أقل أغراض الوصف فنية  بالوصف لغرض الرصد" أراقبه من الشرفة المطلة على الطريق وهو يقودها فى الصباح , كذلك عندما يعود من عمله ويركنها بجانب البيت فى المساء وأحيانا ثانية أراقب السيارات المارة ........."وينقلنا الكاتب إلى جوهر فكرته وهى عجز الصبي  عن القيادة " ليكتشف ان الخيال ليس كالواقع على الإطلاق "

 

وينقل لنا الكاتب الواقع بدقة ومهارة الوصاف فى قصة  (باب إلى جهنم )

" الحافلة تلتهم طريق السفر الطويل ...تتمايل تخضخض أمعائنا ....................................بعضهم نائم وبعضهم منشغل بالأكل.. الخ"

 

 وكالعادة يقترب إلى بطل القصة لنجده المشتت المتوتر " مشتت النظرات ..الأفكار ..مبعثر متهاوي الجسد وأيما حدث أكثر إثارة يلفتنى من داخل الحافلة أو من خارجها أكون منشدا اليه .."ويحكى عن زوجة هذا البائس حين تفاجئه بسؤال " هل تحبنى ؟ "...........ليقع الزوج فى مصيدة التشتت ولا يرد وكأنه ذا حب ضائع ولا يظهر لنا الكاتب إلا نصف الكلام فيقول الزوج " أهنئك لاستطاعتك تحديد ما تحتاجينه فى وقت كهذا لكن أنا كيف لا استطيع تحديد ما أحتاجه؟"

وفى حكاية تتماس مع مكابدات هملت قصة ( صدى الأمين الحائر )منة ناحية الاضطراب والتشتت فلا يجد البطل وقتا للبوح مع زوجته لاختلاف ظروف الحياة فيصف حالته" كمشي سلحفاة ضخمة عجوز مريضة  مضيت مدة الانتظار "

 

ويغالب زوجته النعاس فتسلمه إلى ايدى القلق " فبقيت كالعادة فى الفراش تقلبنى أيدى القلق حتى البزوغ" وحينما يشعر ان صديقه قد يشاركه مشاعره يصف نفسه بمفردات الطبيعة كالوردة تلقت الماء والضوء فانفرجت باسمة " ليجد ان صديقه " شق طريقه متخلصا من أحماله ووضعها فوق حملى " ليتحول مسار القصة إلى عالم الخيال ويظهر طيف يعرف نفسه  قائلا "أنا من كنت رفيقة دربك فى أيام خلت وتخليت عنى فى أحلك الظروف ......"

 

ويتوحد الكاتب مع اللغة فيتداخل مع ذاتها ليصف وصفا مختلفا " بادلتها العناق حرفا بحرف واستزدت منها جملة وتنفست عبق معناها سطرا بسطر ........ الخ "

 

لتنتهى القصة نهاية مختلفة حيث يصف حالة البطل" رأيت زراعي يهتزان فى حالة غريبة تتغير اشكالهما ينبت عليها ريش مخملي أصبحا كجناحي حمام ابيض"

 

وفى قصة (من قاع النسيان) الموسومة بها المجموعة يصف حياة طفل فقير " الطفل الغض المقتول فى قلبه الحلم الذى قذف به القدر البائس فى بيت مستأجر طينى " ليحكى عنه وكأنه بطل كل قصصه ويحكى عن ام الطفل " الام الصلبة التى صقلتها المحن وصكها اليتم والترمل مبكرا الحانقة على الزمن الذئب والثعلب "

 

وفى نص( حلم بحجم الضياع ) لوحات شعرية عن الحلم الضائع " شعرت ان فى داخلي نورسا بعد ان تلا آية عشقه لمرفأ يخلو من أى جسد كان له ما أراد "

 

وفى قصة (لبنة فى الماء )المكان هو الزقاق اختاره الكاتب ليغلف  به قصته عن الحب الضائع ، يلقى بها لبنة فى الماء برسالة الدكتورة سلمى الى سامي التى ترميه بالضعف وتصفه كالنعامة وتنتصر لسامي السياسي الجرئ.

 

وتتجلى نشوة الوصف فى قصة ( مضى على شط الفنون ) في حالة من الافتتان بالآخر " ومن هنا أدمنت رؤيته كل حين غرقت فى هالاته المتدفقة بالهدوء والوقار " ويتابع من خلال رد فعله رسم صوره  الحبيبة " سيدي أثارني خطوك فجئت أنشد طريقته " ويصل إلى ذروة النشوة " تبسم واحتضنني عمرا طويلا بكل الدفء  بكل أنفاسه الطيبة.. امتزجت به روحي  فخفت أكثر .. استرخت .. طفت فوق بحره اللطيف الهادئ ، عانقت النجوم .. مثقلة بعناقيد الشهوة رويدا رويدا "

 

 

◊◊◊◊

 

 

وعن تجربة الاغتراب يصف البعد عن مسقط رأس الإنسان  فى قصته (في قتلى حياتي ) وصفا موحيا " عشرون عاما من الرسم خارج الإطار "

 

  بتصرف درامي عال يحكى ( قارعة حلم ) عن الاحتياج المتبادل والافتقاد "ومن وجنتيها الناعمتين تشع فى عينيه خيوط ضوء تعشيه ... بين دفء ذراعيه ارتمت جذلى يغرد هيامها ككناري الربيع " ويتابع وصفهما " كشمعة ساحت على صدره بحرارة جسدها الوثير يهمس وجدانه في أذنها ... سكنت كعصفورة هانئة فى عشها نعست ... عفت والفرحة الشفيفة تكتب وتسطر ذاتها فوق شفتيها "

 

ويكشف القاص فى نهاية القصة حقيقة صادمة بأنها متزوجة أصلا !

 

أما نص ( حين لن يأت الحلم ) إنسان يخاطب ذاته ويواجهها بعناية شديدة وتتوهج لغته الشاعرة " إيمان يملؤني بأنك تخبئ صدق مشاعرك ثمة سواد يلمع فى نهاية النفق "ويتابع " منصتا لى كنت مستسلما لكل الضربات تعلم بأنى أسكن داخلك "

 

 

◊◊◊◊

 

 

ويخرج الكاتب عن مضامينه التى سلفت   بمضامين أخري لكنه يحافظ على تقنية الوصف فقصة ( اجتراح ) موضوعها هو الهم العام لعدم القراءة إشارة إلى تفتت المجتمع وعدم وجود رأي عام .

 

ونص( احتضان )عن  صناع الحروب وقلوبهم المتحجرة فيصف بشاعرية "  الموج الفائر يتدافع ..... يئن من وطئة الجاريات .. حاملات الموت " كما يخاطب الرمل متحسرا أو محرضا  " لم لا تملأ عين الغاشم تتغدى به قبل ان يتعشى بك "

 

وعن استحكام القهر في (كالأسفنج )  " المدينة المعتكفة في ممارسة طقوسها اليومية بأمان وبرغبة مجنونة وبصخب ملعون ... بلاد أرواحها كالجليد "ولم يصرح الكاتب مباشرة أن  قضيته هي حريق الأقصى " اليوم احرق أهم أثر ومعلم في دولة الإسراء"

 

وتنتهى القصة على تصرف محبط" توجه الى قطعة الإسفنج ركلها بكل قواه .. اقتلعها من مكانها ابعدها قرابة نصف متر .. تناثر في البلل بينما سمع تكسر أصابع قدمه التى تعرت من حذائها "

وكما تكسرت اصابعه من الاسفنجة  ا" دوى انفجار فى المدينة وملئها بالموت والدمار "

 

 

◊◊◊◊

 

 

وفى قصة ( جين الإخلاص )  يقدم الكاتب بتوازن درامى وبأسلوب مرح حكاية المرأة الخائفة على زوجها من صور النساء في الجرائد وبشئ من الإسقاط على  سذاجة الرقابة " غدت تخفى بالقلم الأسود وجوه الفتيات السافرات بل وكل الأجساد العاريات "

 

ويحكى عن مظاهرة نسائية لقتل الفئران لان الجريدة أعلنت دراسة تسمح للفئران بالتعدد " المكتشفون سيتخلصون من هذا الجين وسيقدمونه للرجال كلهم بشكل كبسولات او دواء الخ "

وتنتهى القصة على مقولة الزوج المستفزة "نظرت إليها نظرة دهشة طويلة ثم صرخت بأعلى صوتى : أيها الرجال فلنحمى الفئران جميعا "

 

اما قصة ( لعن الانسياق ) فيجمع فيها الافتقاد والانسياق وراء الخيال  والروح المرحة فيحكى عن رجل دلف إلى فراشه لينام وجاءته مهاتفة ليلية خاطئة أقلقته وفتحت باب الظنون  " تقلب على فراشه الشوكى فكان الدور على الجانب الأيسر ... ضم قدميه إلى صدره .... رتب غطاءه جيدا على جسده لينعم بالدفء ... شعر بأن هناك أحدا يهمس  بداخله من حيث لا يراه ويتكلم بلسانه ، يقول له لو تابعت الحديث معها لعلمت منها ذلك كله وربما هى غير متزوجة مثلك فتبادلها مشاعرها "

 

لتنهى القصة عند اتصاله بها لتبصق فى وجهه" تبعا لذلك أغلق  سماعة هاتفه وهو ملفع بجلباب الخجل والعتمة يلعن الوسواس الخناس "

 

 

◊◊◊◊

 

 

هكذا قدم لنا القاص عبد الله النصر مجموعته متكئا على محورين

1-      القلق كشعور انسانى دال على  عمق مأساة الفرد

2-      الوصف كتقنية أساسية للقص

فبنى بهما السياق الدرامي لقصصه من ناحيتي الشكل والمضمون وكون بوعى عالمه الخاص ورؤيته المتفردة .

وتمنياتي بالإبداع الدائم

 

 

صالح الغازي

 

salehelghazy@hotmail.com

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home