دراسات هامة

 

المحافظون الجدد

محمد فلاح الزعبي



 

 

 

 

المحافظون الجدد...حكام العالم الاخفياء

 

إعداد

محمد الزعبي
 حكام العالم والحزب الحاكم في أمريكا:

 

"من يحكم أمريكا يحكم العالم من ورائها" جملة قالها بوش الاب ثم كررها منافس بوش الابن في الانتخابات الأمريكية الأخيرة جون كيري مضيفا " وإن من يحكم أمريكا ليس بوش إنما هم المحافظون الجدد الذين يحركونه بالريموت كنترول" .

ونستطيع تخيل المكانة التي صار إليها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة ومن ورائها العالم كله من خلال هذه الجملة (وما خفي كان أعظم).

وهذه الدراسة تسلط الضوء على جوانب مهمة عن المحافظون الجدد وخافية على الكثير من الناس علها تكون تبصرة للمبصرين.

 

يشكل اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية طبقة متميزة تتكون من تحالف عنصري أمريكي صهيوني. وتتواجد هذه الطبقة داخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي كما توجد على رأس مختلف الشركات متعددة الاستيطان الأمريكية متحكمة بذلك في عصب الاقتصاد العالمي. وتخطط هذه الطبقة كما فعل هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية لغزو "المجال الحيوي" الضروري لتأويج أرباحها، بينما لا تسمح لبقية الشعوب الأخرى  بالوجود إلا في الحدود التي لا تشكل فيه تهديدا لمصالحها.

 

إن الهدف الأساسي لهذه الطبقة يقوم على  مراكمة الأرباح والثروات عبر الاستقطاب الرأسمالي العالمي. فشعوب العالم في منظور هذه العصابة ليسوا سوى هنود حمر لا حق لهم في الوجود إلا في الحدود التي لا تعرقل فيه توسع رأس المال والشركات متعدد الاستيطان. وتتوعد عصابة واشنطن شعوب العالم بأن كل مقاومة من طرفها سيتم القضاء عليها بمختلف الوسائل والتي تصل إلى حد الاغتيال.

 

فالمشروع السياسي الذي تتبناه هذه الطبقة في مواجهة العالم (العولمة ومن ثم الأمركة)  يقوم على إخضاع مختلف الشعوب إلى عمليات جراحية تقويمية تجعلها قابلة للنهب والابتزاز، حيث تسهل  سياسات التقويم الهيكلي والخوصصة المفروضة بواسطة المؤسسات المالية الدولية، عملية إخضاع اقتصاديات العالم لتحكم هذه الطبقة. ([1]) ونظرا لأن هذا المشروع المتوحش القائم على همجية نظام السوق يعتبر مجردا من أية قيم إنسانية أو حضارية، فإن بقائه واستمراره سيضل مهددا بانتفاضة الشعوب، لذلك فإن بقاء النظام وإستمراريته لن يتأتى إلا بواسطة الأمن والعسكرة.

 

إن هيمنة اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية يقوم على إلغاء الآخر أو تكييفه مع مصالح رأس المال: إبادة الهنود الحمر، استغلال العبيد، إحلال اليد العاملة المهاجرة محل اليد العاملة المحلية، محاصرة العمل النقابي ومعاداة الشيوعية.  فالحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة مع أوروبا تبقى فقيرة من حيث تنوع المشاريع السياسية والاجتماعية، حيث يهيمن الفكر الرأسمالي المتوحش على عمل الأحزاب السياسية فتصبح العملية الانتخابية مشروعا رأسماليا محضا يتوخى اليمين المتطرف من ورائه تحقيق المزيد من تراكم الأرباح.

 

فالمجتمع الأمريكي لم يعش الثورة الثقافية التي عاشتها البلاد الأوروبية والتي تميزت بصياغة ثقافة سياسية متميزة رسختها الأحزاب العمالية الاجتماعية والشيوعية. لذلك فهو لا يتوفر على أدوات إيديولوجية تتيح له مقاومة الديكتاتورية وبناء قوة موازنة لرأس المال. بل ضلت الطبقة الرأسمالية المهيمنة منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية تعيد إنتاج نفس نمط الفكر السائد القائم على نزعة عنصرية صهيونية يحاول أن يطبع بها المجتمع المتعدد الأعراق لتمييزه عن بقية الشعوب الأخرى.

 

ويؤسس اليمين المتطرف الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية مشروعه الإمبريالي على الاستغلال الاقتصادي واللامساواة السياسية، وعلى هذا الأساس تقوم خلفية اللجوء إلى العنف المطلق في تدبير التناقضات داخل المجتمع الأمريكي، مثل العنف المسلط على الهنود الحمر والعبيد والأقليات العرقية واستمرار عقوبة الإعدام، ومطاردة الشيوعيين. بل أن نفس العقلية يتم تصريفها حاليا على المستوى الدولي من خلال معاداة الأقليات العرقية والدينية والسياسية ووصف الشعوب الأخرى المستهدفة بالمارقة أو بمحور الشر. ولا يبتعد هذا المشروع كثيرا عن المشروع الذي قامت عليه النازية في أوروبا خلال القرن العشرين.

 

إن تنفيذ المشروع الإمبريالي الأمريكي يؤدي إلى انهيارات متواصلة في البلدان التي تتعرض للغزو (صربيا - أفغانستان- العراق) كما يؤدي إلى تأسيس حكومات عميلة شبيهة بحكومة كرزاي في أفغانستان تخضع بالمطلق لإرادة الأمريكيين.

 

وفي المقابل، تكاد تتفق الآراء التي تناولت محصلة المائة يوم الأولى من عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، أن ثمّة مشكلات جدية وحقيقية واجهت السياسة الأمريكية خلال تلك الفترة على صعيد العالم، وقد ذهبت معظم الآراء إلى أن سياسة الإدارة الأمريكية ستواجه المزيد من الصعوبات والمشاكل في المدى المنظور، إذا استمرت في السياق الذي اتبعته منذ مجيء الرئيس بوش إلى الرئاسة، وهو أمر سوف يؤثر على موقع الولايات المتحدة بصفتها دولة كبرى، ودولة تتصدى للعب دور فعَّال ومؤثر في السياسة العالمية في جوانبها المختلفة.

 

والحق أن تقديرات متابعي السياسة الأمريكية، جاءت نتيجة رصد وتقييم سياسات الفترة الماضية من عهد الرئيس بوش، التي يمكن القول: إنها بدت مرتبكة من جهة، وغير متوازنة من جهة أخرى، بل إنها في بعض جوانبها، جسّدت خروجًا عن إستراتيجية أمريكية، تسعى إلى تكريس زعامة الولايات المتحدة للعالم وسيطرتها عليه.

 

ومن بين الأسباب المباشرة في ارتباك سياسة الإدارة الأمريكية، اعتقاد أركان الإدارة الأمريكية بالقدرة على فرض ما يرونه من سياسات ومواقف على مختلف التكتلات والدول، وإحساسهم بعدم قدرة أي من هؤلاء على رفض ما تمليه واشنطن، أو حتى الاعتراض عليه. والحق أن وقائع كثيرة تغذي الاعتقادات والأحاسيس الأمريكية المدعومة بقوى غاشمة سياسية وعسكرية واقتصادية تتربع اليوم على كرسي الزعامة في العالم. ([2])

 

إن نمط التعامل الأمريكي الذي تذهب فيه إدارة بوش الابن مع القضايا والدول ومع التكتلات الدولية، يفرض ظلاله ليس على المؤسسة الحاكمة وإدارتها فقط، بل على المؤسسة التشريعية الأمريكية، فيدفع الأخيرة إلى التأسيس لسياسات ومواقف تصب في الاتجاهات ذاتها، وهو ما يبدو واضحًا في توجه عدد كبير من أعضاء الكونجرس الأمريكي إلى الحكومة الأمريكية؛ لتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وطلب معاقبتها وسحب الاعتراف الأمريكي بها.

 

وثمّة نموذج آخر في السياق ذاته، وهو قيام الكونجرس الأمريكي بدراسة مشروع قانون، يسمح لوزارة العدل الأمريكية وهيئة التجارة الفيدرالية باتخاذ إجراءات ضد دول أجنبية، بما فيها الدول الأعضاء في منظمة "أوبك" بتهمة "ممارسات تآمرية لتحديد الأسعار أو مستوى إنتاج المنتجات النفطية"، وهو أمر يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة، وبخاصة حق الدول في مواردها الطبيعية، ويجعل منظمة "أوبك" والدول الأعضاء فيها أسرى الابتزاز والضغط الأمريكي.

 

 

 

 مدى تأثير المحافظون الجدد على السياسة الأمريكية:

 

من الذي حـوّل السياسة الأمريكية في الخارج إلى حرب لا تنتهي ضد الإرهاب في كل مكان من العالم؟ ومن الذي قاد حملة التحريض لشن الحرب على العراق؟ ومن هم الذين أقنعوا الرئيس بوش بتغيير استراتيجية الأمن القومي بالتوجه نحو الحروب الاستباقية؟ ومن الذي تسبب في تسلل كلمة الشر إلى قاموس الخطابات الرسمية الرئاسية؟ ومن الذي يدفع البيت الأبيض باتجاه تغيير الشرق الأوسط؟

 

إنها مجموعة صغيرة من المثقفين تتألف من مسؤولين سابقين، وكتاب، وصحفيين، ونشطين سياسيين، وأساتذة جامعيين، وباحثين في خزانات الفكر، المعروفة باسم “Think Tanks”، ويجمعهم تيار فكري واحد اسمه "المحافظون الجدد" أو(Neo Cons)، وهم مجموعة قليلة العدد، لكنها تتسم بنفوذ ضخم لا يتناسب إطلاقا مع حجمها في حلبة السياسة الأمريكية. ([3])

 

ولعل تأثيرهم ينبع من حقيقة سيطرتهم على افتتاحيات الصحف الأمريكية، والتعليقات والتحليلات، التي تنشرها كما أنهم متغلغلون في كل برامج الحوار في شبكات التليفزيون الأمريكية.

 

ولعل من أكبر المفارقات في تشكيل حركة المحافظين الجدد في أمريكا أنها نشأت على أيدي مجموعة من أعضاء الحزب الديمقراطي الرافضين لسياسة اعتبروها لينة مع الاتحاد السوفيتي في السبعينيات. وكان الدافع المحرك للحركة آنذاك هو معاداة الشيوعية، خاصة فيما يتعلق بمعاملة اليهود السوفييت، وانشقوا عن الحزب الديمقراطي، والتحقوا بالحزب الجمهوري ورحبت بهم حكومة رونالد ريغن في أواخر السبعينات، والتحق بعضهم بمناصب في تلك الحكومة، مثل ريتشارد بيرل الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع وكان يلقب باسم "أمير الظلام" للتعبير عن خطه السياسي الممعن في التشدد والتطرف نحو اليمين، وبول وولفوفيتز الذي شغل منصب وكيل وزارة الدفاع ولا يزال.

 

لكن حظ المحافظين الجدد لم يكن طيبا خلال فترة حكم جورج بوش الأب وحتى عام 1993. فقد كان بوش محافظا تقليديا واتسم بكثير من الاعتدال في سياسته الخارجية والمحلية، وتجمد نشاطهم خلال تلك الفترة، وخلال الثمانية أعوام التي قضاها بيل كلينتن في البيت الأبيض. ([4])

 

لكن الحياة دبت من جديد وبعنفوان ونشاط مضاعف مع انتخاب الرئيس جورج بوش الابن في عام 2000، حيث وصل عدد منهم إلى مناصب بارزة، خاصة في وزارة الدفاع مثل بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع، ودوغلاس فايث وكيل وزارة الدفاع، وريتشارد بيرل عضو المجلس الاستشاري لوزير الدفاع رامسفلد، الذي كان مستشارا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في حملته الانتخابية. ([5])

 

وكانت المفارقة في عام 1996، عندما وجه بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، الدعوة إلى العديد من هؤلاء النشطين ذوي النفوذ لحضور مؤتمر نظمه في القدس لمناقشة سبل إنهاء اهتمام الحزب الديمقراطي في سياسته الخارجية بموضوع حقوق الإنسان، والتركيز بدلا من ذلك على شن حملة تتصدرها الولايات المتحدة ضد الإرهاب في العالم. ([6])

 

وفي ذلك المؤتمر، قدمت مجموعة من المحافظين الجدد برئاسة ريتشارد بيرل، الذي كان آنذاك كبيرا للباحثين في معهد أمريكان إنتربرايز للسياسات العامة في واشنطن، وعضوية دوغلاس فايث وكيل وزارة الدفاع الأمريكية حاليا، وديفيد وورمسر من معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة، وآخرين من أنصار إسرائيل، خطة استراتيجية جديدة بعنوان "A Clean Break"، تدعو نتانياهو إلى التخلي عن اتفاقات أوسلو، والتحول من مبدأ الأرض مقابل السلام إلى "السلام مقابل السلام"، المستند إلى توازن القوى، واعتماد علاقة استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة تستند إلى الفلسفة التي تجمعهما معا، وهي فلسفة السلام من خلال القوة، وإعادة تشكيل الوضع في المنطقة بما يخدم أمن إسرائيل. (


 
أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home