قصة

 

يحدث كل نهار

محمد العرفي



يحدث كل نهار محمّد العرَفي قبل الفجر بقليل كانت المآذن تردد كلاما واحدا فيرجع الصدى شجيا بقرآن مفهوم كان متمازجا ومرتفعا في المرة الأولى؛ لم تلتقطه أذني صابر الذي عاود النوم مرة أخرى حتى يعم الصمت فيعلم أن ميعاد الصلاة قد حان، قام صابر متمهلا حتى لا يدوس أحداً من أولاده الذين تكوموا على الأرض ومن المسجد المجاور للمقابر التي يقطن بها كان صوت الشيخ عبد الحميد متحشرجا في الأذان كأنه قد استيقظ للتو من نومه هو الآخر. بعد أن ألقى نظرة بائسة على زوجته التي تحتل مساحة كبيرة من السرير، تناول جلبابه ووضعه على كتفه ثم خرج من الغرفة مستنشقا هواء الصباح قبل أن يزاحمه أحد من البشر الأحياء، أما الأموات فكانوا خير جيران فلا يسمع ضجيجهم ولا يؤذونه في شيء ولهذا يحترمهم جميعا ويلقي السلام عليهم واحدا واحدا عندما يخرج من بيته، ويعدل الأواني التي زُرع بها الصبار أمام قبورهم. أقرب الجيران هو المرحوم عبد الله مكاوي الذي يقيم معهم في مقبرة بنفس الغرفة، وبعد أن يصعد السلم على اليمين المرحوم الحاج سعيد أبو الوفا وولده محمود، وعلى اليسار في طريق الخروج ينتظره حماره الذي أسماه رزق، هذا الحمار يمثل جُل ثروته البسيطة ؛ اشتراه قبل سنوات ومنذ لك الحين وهو يعتمد على رزق في كل شيء، يجر عربة الفول في الصباح وقد يؤجره في بعض المهام الشاقة في المساء. منذ عدة أشهر كانت تراوده فكرة الزواج على صابرين زوجته وأم أولاده السبعة، رغم كل الوفاء والصبر على الحياة المتقشفة التي تحياها معه ، فلم تعد تلك المرأه التي تزوجها منذ سنوات فقد أصبحت ممتلئة الجسم، بطيئة الحركة، تتهادى في مشيتها مثل الفيل كما يسميها، وينظر إليها شذرا كلما رآها، إلا أن ضيق ذات اليد هو الذي منعه من هذا الأمر. في الطريق من المقبرة إلى مقلب القمامة المجاور كان قد ارتدى جلبابه واسع الأكمام، ومشط الطريق الخالي من الناس والكائنات إلا بعض الكلاب الضالة التي لم تجد مأوى غير الشارع البعيد على أطراف المدينة وما أن اقترب من المكان حتى عمت رائحته الكريهة، في باديء الأمر عندما عمل في هذه المهنة لم يكن يطيق هذه الرائحة المنفرة، وما هي إلا أيام حتى اعتاد عليها وأصبحت جزءا من أنفه و جلبابه وملابسه. هذا السور الكبير والفضاء الواسع تُلقي به المدينة قاذوراتها وتتخلص من كل ما يؤرقها ويقلل أبهتها، أما صابر فيمثل هذا المكان البشع مصدر رزقه كما يمثل مصدر رزق العديد من أصدقائه، الذين اقتسموه بينهم. أحدهم يجمع البلاستيك الذي تحتويه القمامة ليتم تقطيعه وصهره في مصانع خاصة بهذا الأمر، وآخر يجمع الورق والكارتون وآخر للخردوات. بجوار الحائط الذي أوشك اللون الأسود أن ينهش ما بداخله، جمع صابر القمامة في حفرة كبيرة وأشعلها، ثم وضع قِدرا كبيرا بداخله كمية من الماء يتم تدميس الفول به، وجلس بجوار النار حتى يتخلص من برد الصباح الذي تخلل إلى عظامه ومن بعيد سمع المشاجرات اليومية التي تتم بين علي والحاج سيد بسبب بعض المقتنيات النفيثة التي وجدوها داخل القمامة، في المرة الأخيرة التي تشاجروا فيها قام علي بنطح الحاج سيد من أجل ملعقة وجدوها. يعلم صابر جيدا أن الحاج سيد سوف يعض عليّ أخذاً بالثأر هذا اليوم من أجل أحد الأواني أو الحبال البالية، لذا لم يتحرك من مكانه، وما هي إلا لحظات حتى أتى عليّ والحاج سيد وجلسوا بجواره، فأشعل لهما سيجارة من النار التي تضطرم أمامه وجعلهم يقتسموها وكأن شيئا لم يكن! لم يكن يملىء ذهنه شيئا غير فكرة الزواج من امرأة لا تشبه صابرين ولا تمت لها بصلة، فكر في ابنة الحاج سيد، فهي جميلة ووالدها سيوافق على الفور للصداقة التي بينهما، ولكن من أين له بمهر ومسكن لزوجته الجديدة وهو لا يملك شيئا سوى الحمارالذي يعتمد عليه لتوفير المال لأسرته، وبعد الكثير من المداولات داخل جمجمته التي تغلي قرر أن يبيع رزق وبعد ذلك يحاول تدبير بقية التكاليف مهما كلفه الأمر. في صباح اليوم التالي استيقظ من نومه، محكماً خطته الجديدة، فرحا بزواجه المقبل حتى فوجيء بموت رزق دون أي سابق إنذار أو إشارة مرض فشعر بمرارة شديدة وخيبة أمل ولكنه سرعان ما عاد ليتفقد زوجته وأولاده. وما هي إلا ساعات كان صابر يجوب شوارع المدينة يجر عربته الخشبية الخضراء مستويا عليها القِدر مناديا بحسرة: الفووووول!!




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home