قصة

 

كونوا معي ومشاكل هذا العصر

هناء الجلبي



(( كونوا معي ومشاكل ))

 (هذا العصر )

 

عنما تطلب من البالغين بان يسردُ أيام طفولتهم تجدهم يتكلمون عن ذكريات جميلة ومرحة قضوها في طفولتهم. هذا عند البعض والبعض الأخر تجد في حياتهم الشقاء واليأس ولدة مع ولادتهم لترافقهم الى اللحدِ فأن الطفل في حد ذاتهِ يكن أتكالياً يعتمد على الأخرين سواءً في البيت أو المدرسة وذلك لأشباع حاجتهِ من الرعاية الخاصة ويكن لهذا وقت محدد من أعمارهم. هنا تكون التربية لها الدور الكبير في تعليم الطفل للأعتماد على نفسهِ وتعزيز ثقتهِ ولي تكوين شخصيتهِ حتى عندما يكبر يجد نفسهَ قوياً أمام مصاعب الحياة.

عندما قمتُ بزيارة أحدى المستشفيات المتخصصة للعلاج النفسي وذلك لمتطلبات روايتي الجديدة شاهدتُ عدد من الشباب في عمر الورود وهم يخضعون للعلاج في المستشفى ويختلف وسائل العلاج هنا من شخص لأخر مثل التنويم المغناطيسي أذاً تنويم المريض المستعصين بالعقاقير الطبية والتخدير العصبية أو بمساعدة المسكنات كالمدينال في جرعات تزيد على عشرة حبات يومياً يجعل المريض يفقد السيطرة على الوعي في الثحدث مع الطبيب. وفي الحالات التي تتطلب ضرورة القضاء على الأعراض المرضية الظاهرة على المريض وخفض التوتر الذي يشعر بهِ والألآم التي يعانيها تخفيف الجلسات من التنويم المغناطيسي وتخفيف تعاطي كمية كبيرة من العقاقير والصدمات الكهربائية لأحتفاظ بالعلاقة الشعورية بين الطبيب والمريض.

عندما توجهة الى العنبر رقم ( سبعة ) وجدتُ حالة المرضى في هذا العنبر لا تسمح بالتحاور معهم فساقتني قدماي الى مكان الأستراحة لبعض المرضة الذين هم أحسن حالة من السابقين. هنا قررتُ محاورتهم لمعرفة مشاكل هذا العصر ومساعدتهم على قدر الأمكان حتى ولو كانت مساعدة روحية فأن لستُ بطبيبة أخصائية ولا باحثة أجتماعية. فمن الغريب حقاً أن يكون الحديث الأنساني من طرف واحد والطرف الأخر مجرد مستمع. أن الغرض من الأحاديث العاطفية تخفيف الشحنة الأنفعالية ونقل الهموم والمتاعب الى شخص مخلص يتقاسم عبئاً مع المتكلم الذي ضاقت نفسهُ بالأنفراد. فكما يقال         ( ويل للشجي من الخلي ).

تقدمتُ نحو أول شاب كان يجلس في ركن من الحديقة فسألته مستفسراً عن سبب وجوده هنا.

وبدأ الشلب ( ع ) يسرد قصة وجودهُ في هذا المكان.

كنتُ أعيش في عائلة متمكة من الناحية المادية. كان والدي ذو مركز كبير يلبي لي جميع متطلباتي المادية فقط كان يضن هذهِ هي التربية وكانت والدتي لا تهتم سوى بأعمال المنزل وأرضاء والدي. عندما كبرت أختارت لي العائلة زوجة المستقبل. لم أبدي أي رأي وكنتُ أعيشُ معها في حالة أستقرار الى أن صادفت الفتاة التي شعرت بها تشتاح قلبي شئ فشئ. عندما عندما أصبحتُ مديراُ للشعبة في أحد الدوائر الحكومية كانت هي موظفة بسيطة في الشعبة ذاتها وكانت في بداية الأمر تتجاهلني وترفض التعامل معي وكنتُ أنا أتهمها بالتمرد والغرور.لكن أتضحى لي أنها أنسانة بسيطة تجهل الكثير عن الحياة. كانت فتاة بائسة تفتقد الحب والرعاية. وتفتقد الثقة بأي رجل في العالم فقتربتُ منها أكثر فأكثر أصبحتُ أرافقها مثل ظلها الى أن نجحت في أرجاع ثقتها بالعالم وبلأخص تعزيز ثقتها بي أن. أصبحت تحبني ولا تستطيع فراقي كانت تخضع لجميع رغباتي مقابل نظرة حب مني أو لمسة حنان. الى أن جاء اليوم الذي أكتشفت فيهِ زوجتي بعلاقتي مع هذهِ الفتاة فهجرتني وغادرة حياتي مع اطفالي الثلاثة الذين كانوا هم أحلامي وأمالي في هذهِ الدنيا. من يومها أصبحتُ أقسي على الفتاة التي أحببتها بصدق وبكل جوارحي كنتُ أهينها و أطردها من حياتي فأصبحتُ أعيش في صراع داخلي بين قلبي الذي يرفض وبشدة تصرفاتي مع حبيبتي وبين عقلي الذي يشعرني بأنها كانت السبب في فقدان الأطفال الثلاثة الى أن أنتهى الحال بي هنا.

وبعد سماعي لقصة هذا الشاب أتجهتُ الى فتاة كانت براءت الدنيا تشعُ من عينيها وهي جالسة لوحدها تخاف حتى من ظلها. عندما أقتربتُ منها وسألتها عن أسمها أرتعشت وتراجعت بخطوات بعيدة عني. فأقتربتث أكثر ثم حاولت وبهدوء أن أحتضنها فسألتها ثانية عن أسمها وجعلتها تشعر بلأمان فنظرت الي بعينين تملأها الدموع وتوضح لي حكايات وقصص أجهلها. ثم أجابت الشابة ( ب ) معلنة عن أسمها وبهدء أكثر سألتها عن سبب وجودها هنا. أصبحت تنظر الي بنظرة طويلة وصامة وبعد تنهد عميق قالت لي أنا عشتُ حيات يتيمة الأبوين كان أخي الأكبر يتولى رعايتي وكانت زوجة أخي تهينني وتحبسني في البيت كي أقوم بأعمال المنزل وتربية الأطفال لها الى ان كبيروا أطفالها وأصبحوا يعتادون على أنفسهم قامت زوجة أخي بطردِ من المنزل وهكذا بدئتُ أبحث عن عمل لي كي لا أحتاج الى أحد. واخيراً وبعد جهد كبير وجدة عملاً لي في أحد الشركات التجارية وليتني لم أجدها. قالت هذهِ الكلمات وهي منهارة تغرقها دموعها. فأقتربتُ منها ثانية أحاول أن أجفف من دموعها وأهدء من روعها. وبعد ذلك بدأت اسرد من جديد.

بعد سنة من عملي كموظفة في الشركة ذاتها تعرفت بأحد من منتسبيه كان حنون جداً معي ويهتم بي مصالحي ويحافظ على حقوقي فوجدت فيهِ حنان الأب الذي فقدتهُ منذُ طفولتي ووجدتُ فيهِ فتى للأحلامي أحببتهُ حب فتاة ثائرة تبحث عن الأمان والأستقرار فستمريتُ معهُ وهو أيضاً كان يضهر لي الحب ويشجعني على ذلك. كان بنظري الأنسان الأمين الذي كنتُ أبحث عنهُ طوال حياتي أصبحتُ أثق بهِ وأرافقهُ الى كل مكان حتى أكتشفت بأنهُ كان يمثل الحب والطهر علي حين تفاجعتُ بهِ عندما قال لي وبصراحة واضحة بأني لأنفعه كزوجة ولا حتى كعشيقة لأنني فتاة بائسة لا يستطيع أشباع رغباته بي وكل وقاحة طلب مني أن أجد لهُ عشيقة تستطيع منحه ما يرغب به مقابل مبلغ من المال وهكذا كانت الصدمة قوية جداً علي ولن أستطيع التغلب عليها الى وجدتُ نفسي في هذا المكان.

تألمتُ كثيراً عن ما سمعته من هذهِ الفتاة وعلى شبابنا المثقفين الذين تحولوا الى ذئاب بشرية.

ثم توجهت بعد ذلك الى الشابة ( س ) كانت تحدث نفسها وتكرر جملة مَن أنا في هذا العالم. أين أنا في المجتمع. أقتربتُ منها وأنا توضيحاً لهذهِ الجملة التي ترددها. أجابتني بسرد حكايتها علي.

أنا أحمل شهادة البكلوريوس لكن وللاسف لم أجد العمل في هذا البلد كي أستطيع أنقاذ والدتي وأخوتي من الذل الذي يعيشونها في ظل هذهِ الظروف القاسية. هجرنا والدي فتركنا ونحنو أطفال صغار نرضع الهموم من صدر أمي ونكتسي الشقاء والحرمان من قساوة الزمان. بعد أن تركنا والدي لم تجد والدتي مََِن ينفق علينا وهكذا بقينا نعاني من الحرمان الأبوي بالأضافة الى حرماننا من كل تلك الأشياء التي يحق لكل فرد أن يتمتع بها في هذا الكون أما أمي فغلبها اليأس وتمكن منها فلم تستطيع مقاومتهِوهكذا حولت الشقة البسيطة التي كانت تضمنا بحب وأستقرار الى نادي ليلي يجتمع فيها أصحاب العلاقات المشبوهة التي كانت تحدث في الظل وكانوا أخوتي ضحايا هذهِ الضروف. لكني هجرتً هذا المنزل فعملتُ كخادمة في أحدى المنازل كي أستطيع أواصل دراستي بشرف وأحقق حلمي بأنقاذ أهلي من هذهِ الحياة البائسة ولكن للأسف بعد ان حصلتُ على الشهادة لم أتمكن من العمل مثل بقية الخريجين بسبب سمعة عائلتي فالكل يرفض التعامل معي واصبحتُ أتجول في الشوارع من المشرق حتى المغرب بدون جدوى حتى تمكن اليأس مني أيضاً وبدأت أفكر بالأنتحار. ثم وجدتُ نفسي هنا وأتسأل مَن أنا في هذا العالم الغريب ولماذا خلقت.

أنها تتسائل عن سبب وجودها ومكانتها في المجتمع فميئات من الشباب العاطلين عن العمل في هذا البلد يواجهون نفس هذهِ المشكلة ويتسائلون عن السبب فا هذا أبسط حقوقهم. وبعد ذلك تمشيت قليلاً في هذا المكان وأنا شاردة الذهن أفكر في حل هذهِ المشكلة التي تواجه شبابنا.

حتى تقابلتُ وجهاً لوجه مع الشاب ( ن ) كان يبتسم لي والدموع تبرق في عينيهِ ابتسمتُ له أيضاً وسألته عن الذي أت بهِ الى هنا. أجابني.

-         أنتم.

-         نحنُ!؟

-         نعم أنتم.

-         أذن قل لي ماهي قصتك؟

-    كنتُ الولد الوحيد لأبوي وكانوا فرحين بي فرحة الدنيا بجمالها. ولكن لم تتم هذهِ الفرحة هندما بلغة الخامسة من عمري توفيه والدي بحادث مؤسف وبقيتُ انا ووالدتي وحيدين في هذا الزمان كانت تخبئني تحت اجنحتها مثلما تعمل الدجاجة بصغارها لتحميها من القطط والكلاب السائبة. كانت دائماً توصيني بالعلم لتضمن لي المستقبل التي تتمناها كل ام لأبنها الوحيد لكن هذا أيضاً لم يدم عندما كنتُ طالباً في الثانوية العامة توفيت والدتي بمرض خطير أصبحتُ انا أيضاً بعدها انسناً ميتاً أعيش بلا هدف فخسرتُ دراستي وأصبحتُ أسهر حتى الصباح مع اصدقاء السوء ثم بدئت أشرب وادمنت عليهِ حتى تعرفت في يوم من اليام بالفتاة التي أنقذتني من هذهِ الحياة كانت مكلة باصلاح وضعي كا باحثة أجتماعية فاحببتها مثل ما كنتُ احب امي التي لم أحب أحد مثلهخا من قبل ولأجلها تركتُ كل شي يسئ لي ولها. كانت تنصحني وتخاف علي مثل ما كنت والدتي وتشجعني على الدراسة وبسببها عدتُ الى دراستي أنها خلقت مني أسانا جديداً كما كانت تتمناني رهي ووالدتي. فبعد كل هذا قتلتها!! نعم قتلتها بيدي.

فهنا تحولت حالتهُ في هذهِ اللحضة الى حالة هستيرية. بدأت أهدء فيهِ ثم سألته بهدوء.

-         لماذا قتلتها؟

-    كان يجب علي أن أمنعها من الأرطباط بغيري. أنها كانت ملكِ أنا... أنا وحدي أحببتها ومن أجلها هجرتُ عالمي واصدقائي نعم هي الوحيدة التي نجحت بقتل اليائس في داخلي.

-         أتقتل مَن يقتل اليائس فيك؟

-    لم أقتلها هي بل ذبحتُ قلبها الذي رفض حبي هي نجحت بأمتلاك قلبي وأنا فشلت بأمتلاك قلبها. قالت لي بأنها مرطبطة بعلاقة عاطفية مع أبن عمها وهي لا تملاك أي أحساس أو مشاعر تجاهي سوى الأخوى الصادقة. فقتلتها نعم قتلتها ثم جلست قرب جثتها أبكي عليها وأصرخ صراخاً هستيرياً حتى وجدتُ نفسي هنا.

وعلى هذا الساس تتضح المشاكل.  فالمشكلة هي مشكلة كل بيت ينمو فيهِ الطفل وبعد ذلك مشكلة كل مدرسة يتعلم فيهِ الطفل بعد مرحلة النمو وبالتالي مشكلة الدولة التي لا يمكن لها تطبيق العدالة والحرية والصدق والحب. فنحن هكذا نعيش في وسط هائل من الأمواج المتخبطة فينا. هناك مَن لا يستطيع مقاومتهِ ويغرق فيهِ ومن يعيش متخبطاً بهِ ومَن يقاوم ويصمط كي يعيش بسلام.

بعد مغادرتي المستشفى خرجتُ الى الشارع وفوجئةُ برجل وهو يقود سيارتهِ الأنيقة يحاول أيقاع ضحية بريئة في شباكة!

قلتُ في نفسي ( ما هذهِ الدنيا ألا مسرحُ للمجانيين)

 

 

 

 

                                                                     هناء الجلبي




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home