قصة

 

اللص

نوزاد جعدان



لقد سرق اللص اليوم آخر أصدقائه, وبقي عامر وحيدا, فعامر كهل بلغ من العمر أرذله ماتت زوجته منذ عشرين عاما ولم تنجب له أولادا لذا بقي وحيدا في حياته, وخاصة بعد أن تم سرقة آخر أصدقائه ..

أهداه الله عيونا ضعيفة البصر كي لا يرى خطايا جيرانه في سرقاتهم له وضحكات أبنائهم وهم يسترقون النظر إليه لحظة تناوله الطعام ..

كانت بشرة عامر سوداء على العكس من قلبه وعلى وجهه مرسومة خطوط وألوان تحكي مئات القصص, فآه من حكايا الوجوه..

القبعة لا تبرح رأس عامر و كأس المتة لا يفارق يديه, وبعد أن تم سرقة صديقه أخذ عامر يهاب من كل شيء فعندما داعب زفيف الرياح الباب ظنها طبلة السارق وعند سماعه حفيف الأشجار ظنها سيمفونية السارق, تمنى في تلك اللحظة بعد هذه المشاهد المرعبة أن ينزل القمر إلى الأرض وأن يضيء كل ظلمة..

أصبح عامر حذرا من كل شيء ومن كل صوت ونظره الضعيف دائما إلى الباب خشية زيارة السارق الوحيدة, كان يخشى من هذا الضيف الذي يبدو خفيف الظل إلا أنه ثقيل ثقيل , فزيارته وحيدة ونهائية ..

في ليلة اشتدت فيه الرياح وهي تصفع النوافذ والأبواب والسماء تتجشأ على سطح بيته تذكر عامر طفولته ووالدته توقظه ليتوجه إلى المدرسة ثم تقبله و تضع له زاده في حقيبته القماشية ثم تذكر والده وهو يمسك يديه مصطحبا إياه في نزهة إلى كروم العنب , تذكر عامر أيام لقاءه بحبيبته عند عدوة الوادي سرا  وهو شاب يمطر رجولة, تذكر أصدقاءه الذين تم سرقتهم وكيف كانت آمالهم وطموحاتهم ثم تحولت لمجرد رماد, وكلما كان يغرق في ذكرياته التي كانت تبدو له دمعة تسقط على راحتيه محاولا إرجاعه لعينيه إلا أنها تتناثر في كفه فهيهات عودتها كان يوقظه صفعات الريح على الباب التي تجعل عامرا يقف على قدميه المتعبتين من هذا المساء المتعب..

نظر عامر من النافذة إلى الخارج ويئس من الأشجار العريانة فآه من الأشجار العريانة, تشاءم وجلس بالقرب من الباب محدقا فيه طويلا وهو يعلم جيدا أن السارق سيأتي من الباب المغلق بإحكام وبدأ يتخيل شكل السارق هل هو أبيض اللون أم أسود ؟.. هل هو نحيل أم بدين؟!..مرعب أم بسيط , يسرق بلطف أم بخشونة, وعندما كان يخمن ويفحص الاحتمالات لم يشعر إلا بشيء يقفز من النافذة يسلب نوره..   

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home