دراسات هامة

 

جمال المنطق النبوي الشريف

حمد النيل عثمان



جمال المنطق النبوي

 

أسلوبُ النَّبي r في أدائه للكلام متفرِّدٌ ؛ لأنَّ اللغةَ عنده فطريَّةٌ ، والبيان عنده r مسكونٌ بالجمالِ الإنسانيِّ ، ومنطقُه نابعٌ من إنسانيَّتِهِ ومن وحيِ اللهِ عزَّ وجَلَّ ، وحتَّى قبل أن يهبط عليه الوحي كان منطقه جميلاً صادقاً أميناً ، وما ذلك إلا لأنَّ اللهَ تعالى هو الذي تكفَّل بإعداده لتبليغ رسالته للعالمين ، فجمالُ مَنْطِقِهِ r شَهِدَ به قومه قبل البعثة إذ شهدوا له بالصدق والأمانة ، وفي ذلك شهادة له بجمال الخطاب. أمَّا بعد البعثة فقد عرفنا كيف مخَّضَ اللهُ عزَّ وجلَّ البيانَ العربيَّ وألقى زبدتَه على لسان النبيِّ r فما وقع شيءٌ من كلامه r إلا صار مثل الوَضَحِ في نقبة الأدهم ، وأبلغ شاهدِ صدقٍ على جمال المنطق النَّبوي ما قاله الصحابة الذين تخرَّجوا في مدرسة النبوَّة على يدي المصطفى r ، أولئك الذين ملأ حبُّهُ شغافَ قلوبِهم فجاشتْ فيضاً مدراراً من مرهف الأحاسيس ورقيق المشاعر ، فساروا على قدمه وترسَّموا خطاه ، ودوَّنوا أقواله وأفعاله وشمائله وأحواله ، وسجَّلواْ أوصافه كاملة لتكتمل الصورة في معناها ومبناها جامعةً كلَّ لمحةٍ لسيِّدِنا محمَّدٍ r من ميلاده إلى انتقالِهِ للرَّفيقِ الأَعلَى ، ولنتناول وصف أم معبد أولاً :

وما أصدق ما قالته أم معبدٍ الخزاعيَّة[1] وهي تصف النبيَّ r وذلك عندما مرَّ بها ومَنْ معه[2] وهم في الطريق إلى المدينة المنوَّرة ، فطلبوا منها ابتياع لبنٍ أو لحم فلم يجدوا عندها شيئاً ، غير أنَّ الجهدَ قدْ خلَّف شاةً عن الرعيَّة ، فاستأذنَ النبيُّ r أمَّ معبدٍ في حَلْبِ تلك الشاة ، فأَذِنَتْ وقالت له لو كان بها حَلْبٌ أصبناهُ نحنُ ، فمسح رسول الله صَّى الله عليهِ وسلَّم على ضرع الشاة ودعا الله عزَّ وجلَّ فدرَّ اللبنُ ، فحلب وسقى القومَ وأرواهمْ ، ثم شربَ آخرهم ، وحلبَ وملأ الإناء وتركه آيةً جليَّة ، ولمَّا جاء أبو معبدٍ ورأى اللبن سألها متعجباً : أنَّى لكِ هذا ولا حَلوب في البيتِ تبِضُّ بقطرة لبن ؟! فحكتِ القصَّة ، فقال لها : صِفِيهِ ، فقالت

( رأيتُ رَجُلاً ظَاهِرَ الوَضَاءَةِ ، حَسُنَ الخلقِ ، أبلجَ الوَجْهِ ، لَمْ تُعِبْهُ ثَجْلَةٌ[3] ، ولم تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ[4] ، قَسِيماً وَسِيماً ، فِي عَيْنَيهِ دَعَجٌ ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ ، أحورَ أكحلَ أَزَجَّ أقرَنَ ، فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ ، وَفِي لَحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ[5] ، إِذَا صَمَتَ فَعَليْهِ الوَقَارُ ، وإذَا تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلاهُ البَهَاءُ ، حُلْوُ المنْطِقِ ، فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذْرٌ ، كأنَّ منطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ ، أبهى الناس ، وأجمله من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب ، ربْعَةٌ لا تشْنؤه عينٌ من طُولٍ ، ولا تقتَحمُهُ عينٌ مِن قِصَرٍ ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصنَيْنِ ، فَهُو أَنْضَرُ الثَّلاثَةِ منظَرَاً ، وأحسنُهُمْ قَدَّاً ، لَهُ رُفَقاءُ يَحفُّونَ بِهِ ، إِنْ قَالَ اسْتَمعُوا لِقَولِهِ ، وإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُواْ لأَمْرِهِ ..)

تناولت أمُّ معبدٍ وصف النبيِّ صلى الله عليه وسلَّمَ من نواحٍ منها :

§        الجمال الخَلْقي فقالت : ".. ظاهر الوَضاءة ، أبلَج الوجهِ حسن ، وسيماً قسيماً ، في عينيه دَعَجٌ ، وفي أشفاره وَطَفٌ .." وفي قولها : ظاهر الوَضَاءَةِ ، أَبْلَجَ الوَجْهِ إشارةٌ إلى طَلاقة وجهِ النبيِّ r وحَسُنِهِ ، وهو البَلَجُ ، قال الـجوهري : " البُلْـجَةُ نَقاوَةُ ما بـين الـحاجبـين ، يقال: رجلٌ أَبْلَـجُ بَـيِّنُ البَلَـجِ ، إِذا لـم يكن مقروناً. وأَبْلَـجُ الوجهِ " أَي مُسْفِرهُ مُشْرِقُه ، ولـم تُرِدْ أمُّ معبدٍ بَلَـجَ الـحاجِبِ ؛ لأَنها تَصِفُه بالقَرَنِ. ويقال للرَّجلِ الطَّلْقِ الوجهِ : أَبْلَـجُ " ، لذا كان r ظاهر الوضاءة.

§       أمَّـا قولها : وسيماً قسيماً ؛ فالوسامة هي الـحُسْنُ الوَضيءُ الثابتُ ، والوسيمُ الثابتُ الـحُسْنِ.. وفلان وسيم أي حَسَن الوَجْهِ ، والقَسامةُ هي الـحُسْنُ. ورجل مُقَسَّم الوجهِ أَي جميلٌ كلُّه كأَن كل موضع منه أَخذ قِسْماً من الـجمال. وقد تجمَّعتِ الوسامة والقسامة في النبيِّ r .

§       ثم أشارت بعد ذلك إلى جمال عيونه r فقالت : " في عينيهِ دَعَجٌ وفي أشفاره وَطَفٌ " ثم قالت : ".. أحولَ أكحلَ أَزَجَّ أقرَنَ " والدَّعَجُ والدُّعْجَةُ : السَّوادُ ؛ وقـيل : شدة سواد العين مع سعتها، أمَّا الوَطَفُ فهو كثرة شعر الحاجبين والعينين ، والـمعنى  أَنَّه كان فـي هُدْب أَشفار عينـيه طول ؛ وفـي حديث آخر: " أَنه كان أَهْدَب الأَشْفار " أَي طويل شعر الأجفان. والعرب قديماً كانت تجعل من العيون معياراً من معايير الجمال ، وسبق أن ذكرنا أنَّ الأصمعيَّ سأل أعرابيَّاً ، ما الجمال ؟  فقال : " غؤور العينين ، وإشراق الحاجبين ، ورحب الشدقين " ، وهذا ما وصفت به أم معبد الخزاعيَّة رسولَ الله r ، دَعَجٌ العين ، وبلجُ الوجهِ ، بل وإشراق الحاجب ، ووطفُه . " وفي صوته صَحَلٌ " والصَّحلُ : صوتٌ فيه بحة.

§        ثم تحدَّثت أم معبد بعد ذلك عن الوقار الذي يكسوه ، والبهاء الذي يعلوه في حالتي الصمت والحديث ، وفوق هذا وذاك كان حلو المنطقِ فصل لا نزرٌ ولا هذرٌ ، كأنَّ منطقه خرزاتُ نظمٍ يتحدَّرنَ ، والنزر : القليل التافه . قال ابن سيده النزر والنزير القليل من كل شيء.. ويمكن أن يُوصفُ المنطقُ بأنَّه رخيمُ الحواشي لا هراء ولا نزر أي إنَّ الكلام مختصر الأطراف ، وهذا ضد الهذر والإكثار.  وفي وصفِ أم معبد للمنطق النبويِّ بأنَّه : لا نزر ولا هذر فالنزر القليل ؛ أي ليس بقليل فيدل على عَيٍّ ولا كثير فاسد ، فقد كان كلامه فيصلاً ، كيف وأنَّه أُوتِيَ جَوَامِعَ الكَلِم ، وهو قوله r : ".. بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الكَلِمِ ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ".

ولله در المجذوب في مدحه للنبيِّ r : [ بحر الطويل ]

 

   سَلامٌ عَلَى فَمِّ النبيِّ مُـحَمَّدٍ   لَفمٌّ بِهِ درٌّ نَفيـسٌ مُنظَّــمُ

   بِغَيرِ كَلامِ اللهِ والذِّكرِ والنِّدا    بِحَيٍّ عَلَى فِعْلِ الصَّلاةِ تَقدَّمُواْ

  وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ والإِجَابَةِ والدُّعَا[6] لِحَضرَةِ مَـوْلاهُ فَلا يَتَكَـلَّمُ

§        هكذا كان حديث المصطفى عليه أفضل الصَّلاة ِوالسَّلام – كما قال المجذوب فهو لم يأمر بغير العُرفِ ، كريم الأخلاق ، حديثه كله لتقويم النفس كيف لا وقد بعثهُ اللهُ تعالى متمِّماً لمكارم الأخلاق فقد جاءتْ بعثتُه r بشيراً بميلاد الحق الذي توارى خلف حجب الرذيلة والطغيان ، وبشرى باسترداد القيم الفاضلة السامية مكانها بعد ذلٍّ وهوانٍ ، كيف وأنَّ الناس كانوا أسرى لشهواتهم ، في زمن لا حياة لضعيفٍ مع القوي. ولله در الصرصري : [بحر الخفيف]

هاشميٌّ له العـفافُ إزارُ   وله الحسنُ والجمالُ رداءُ

إنْ بدا صامتاً علاهُ وقارُ    أوْ سَمَا ناطِقَاً علاهُ البهاءُ

 وكيف لا يعلوه بهاء أو وقارٌ وهوَ الذي " .. لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر .. إذا جلس إلى قوم جلس حيث انتهى المجلس ، ويأمر بذلك ويعطى كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه" أمَّا مجلسه فقد كان ".. مجلسُ حلمٍ وحَياءٍ وصبرٍ وأمانةٍ لا تُرفَعُ فيه الأصواتُ ، ولا تؤبن فيه الحرم.. متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين يوقرون الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون ذوي الحاجة ، ويحفظون الغريب. هذا هو مجلسُه ، أمَّا عن سيرتِهِ بين جلسائِهِ فقد كان دائمَ البِشْرِ ، سهلَ الخُلُقِ ، ليِّنَ الجانبِ ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ، ولا صخَّاب[7] ولا فحَّاش ولا عيَّاب ولا مزَّاح.. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنَّما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده الحديث "[8]. هذا هو حال النَّبيِّ r بين أصحابه هيبةُ وقارٍ ، واحترامٌ متبَادَلٌ بين المربي وتلاميذه الذين يستمعون لكلامه وينصتون. حتَّى كأنَّ على الرؤوس طيراً يَخاف أصحابها طيرانها ، فهم سكونٌ لا يتحرَّكونَ " ويُقال للقوم إذا كانوا هادئين ساكنين كأنما على رؤوسهم الطير ؛ لأنَّ الطيرَ لا يقعُ إلا عَلَى شيءٍ ساكنٍ ، فَضُربَ مثلاً للإنسان ووقارِه وسُكُونِهِ ، وفيه وصفٌ للصحابةِ - رضوان الله عليهم - بالسُّكونِ والوَقَارِ ، وأنَّهم لم يكن فيهم طَيشٌ ولا خِفَّةٌ ، قال الجوهري : " كأنَّ على رؤوسهم الطير إذا سكنوا من هيبةٍ ، وأصلُهُ أنَّ الغرابَ يَقَعُ عَلَى رَأسِ البَعِيرِ فيلتقط منه الحلمة والحمنانة[9] فلا يُحَرِّكُ البعيرُ رَأسَهُ لِئَلا يَنفرُ عَنه الغرابُ". فالرَّسول صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ لم يكن بالفظِّ ولا بالغليظ بل كان ليِّنَ الجانب سهل الخُلُقِ ، وقد خاطبه الله عزَّ وجلَّ قائلاً : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }[10] لذلك تجمَّع حوله الصحابة ممتثلين أوامره في طاعة كاملة واحترام تام ؛ لسهولة خُلُقهِ ، وسَعةِ صدرهِ ، وإعجازِ لَفظِهِ. فقد كان ذا فصاحةٍ منقطعةِ النَّظيرِ ، سِحْرٌ في الكلامِ ، وعذوبةٌ في المنْطِقِ .

وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم ،،،،،



[1]  )      أم معبد الخزاعيَّة : هي عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة ، وكانت امرأة برزة - البَرْزَةُ من النساءِ الجليلة التي تظهر للناس ويجلس إِليها القوم وامرأَة بَرْزَة موثوق برأْيها وعفافه (لسان العرب ج 5 ص 309)-  جلدة تسقى وتطعم بفناء الكعبة ، مرَّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومَن معه وهم في طريقهم إلى المدينة ، وقصتها معهم مشهورة.

[2]  )      كان معه : أبو بكر الصديق ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي .

[3]  )           الثُّجْلة استرخاء البطن.

[4]  )        والصَّعْلة صِغَرُ الرأْس.

[5]  )        كَثَّتِ اللحيةُ كَثَثاً وكَثاثَةً وكُثُوثةً أي : كَثُرت أُصولُها وكَثُفَتْ وقَصُرَتْ ، وفي صفته r أَنه كان كَثَّ اللحية أَراد كَثرةَ أُصولها وشعرها ، وأَنها ليست بدقيقة ولا طويلة وفيها كَثافة.

والرجُلٌ يُقالُ له : كَثُّ اللِّحْيَة بالفتح ، وللجماعة يُقالُ : قوْمٌ كُثُّ بالضَّم.

[6]  )           الندا والدعا ، أصلهما بالمد ( النداء والدعاء ) ولكنَّ الشاعر قصرهما تخفيفاً أوللضرورة الشعريَّة .

[7]  )      الصخب والسخب  الضجة واختلاط الأصوات للخصام. ( لسان العرب ج 1 ص 521 ) .

[8]  )      كتاب الثقات – ج 2 ص 49 . دلائل النبوَّة – ج 1 ص 216 .

[9]  )           الحَلَمَةُ : الصغيرة من القردان ، وقيل : والحَلَمَةُ بالتحريك  : القرادة الكبيرة . يٌقالُ : حَلِمَ البعير حَلَمَاً فهو حَلِمٌ كَثُرَ عَلَيهِ الحَلَمُ. لسان العرب ، ج 12 ص 147. أمَّا الحمنانة فهي قراد ، وفي التهذيب : القرادُ أول ما يكون وهو صغير لا يكاد يُرَى من صِغَرِهِ يُقالُ له : قَمْقَامَة ، ثُمَّ يَصيرُ حَمْنَانَة ثُمَّ قُرَاداً ، ثُمَّ حَلَمَة . لسان العرب ج 13 ص 128.

[10]  )      سورة آل عمران الآية رقم 159  




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home