القلم السياسي

 

ما أشبه الليلة بالبارحة

د.عبدالرحمن أقرع



ما أشبه الليلة بالبارحة

---------------------------------------

قد تكون مشاهدة الأحداث التاريخية على هيئة  فيلم تمثيلي مصور أشد تأثيراً في النفس منها عند قراءتها ، وذلك للأثر الذي لا ينكر للمشاهد التمثيلية ، والموسيقى التصويرية ، والمؤثرات الإخراجية الخاصة.

لهذا حزنت أكثر أثناء مشاهدة حلقات المسلسل التاريخي (أبو جعفر المنصور) لا سيما تلك الحلقات المتزامنة  مع أفول شمس الأمويين ومقتل خلقٍ عظيمٍ منهم على أيدي موالي خراسان وغيرهم ، مني حين حزنت عندما قرأت هذه الأحداث قراءة من قبل.

وناهيك عن الحزن الناجم عن رؤية شدة بأس المسلمين بينهم ، واستسهالهم القتل بدمٍ بارد لإخوانهم  ، إلا أن الحزن الأكبر كان في قتل الحقيقة اختناقاً تحت أقدام السلطة..

 فدعوة العباسيين التي احتشدت لتأسيسها العقول والنقباء والدعاة والأئمة وغيرهم ومكثت سنين تنسج بليل وتطبخ على نار هادئة دغدغت مشاعر الناس الساخطين على تجاوزات أمراء من بني أمية هنا أو هناك حتى إذا جعلوا من ذلك مادةً شحذت شكيمة الموالي والعلوج والمتظلمين -وأصحاب المصالح الخاصة أيضاً- لينقضوا على بني أمية وأميرهم مروان بن محمد الذي وجيشه المنهك، وذلك تحت ظل الرايات السود والدعوة إلى إمام الرضا من آل محمد ، حتى إذا تحقق لهم النصر على تلال الجثث قاموا بما لم يقم به أسلافهم فنبشوا قبر هشام بن عبدالملك وجزوا رأس مروان بن محمد وألقوه بين يدي ابنته وأمه وزوجه وحفيده.

ذكرتني هذه المشاهد جميعا باجتياح المرابطين الثاني للأندلس للقضاء على ملوك الطوائفبعد افسادهم في الأرض وإضعاف شوكة المسلمين أمام الفرنجة ، فكان ممن قاومهم الملك الشاعر المعتمد بن عباد وولداه ، والذين انتهت مقاومتهم بموافقة المعتمد على ان يوعز لولديه بالإستسلام مقابل الأمان على النفس والمال ، حتى إذا فعلا قُتلا وسبيت ابنته وسيق إلى الأسر في أغمات بالمغرب  فصرخ في وجهِ مفاوضيه عندما نعيا اليه ولده قائلا: (أهذه عهودكم؟ أم هي سنة الأولين..أولها دعوة وآخرها ملكٌ وسلطان وغنيمة).

نعم يا سادة: هكذا جرت الأمور في التاريخ ، وهكذا تجري الآن..

تبدأ دعوة ربانية جميلة الديباجة تجذب الأرواح والقلوب إلى معاني رقيقة وسامية من العدل والإحسان ، وإقامة حكم اللهِ على الأرض ، وإغاثة الملهوف ودفع الأذى ورد المظالم، وإشاعة روح الإخاء والحب في الله ، ومعاني الحلم والتسامح والمحبة والتعاون على البر والتقوى..فيتجمع حولها الشباب والشيوخ والنساء ، وتقدم الشعوب ما تملك من أجل رفعة الدعوة ، فإذا لم تجد في يديها شيئا قدمت الروح رخيصةً في سبيل إعلاء شأنها.

ذلك أنها ترى بديلاً وردياً موعوداً لواقعٍ رماديٍ مرئيٍ قاتم ..

ولكن..ما أن تشم الدعوة رائحة السلطة حتى تتجهم وتتغير ملامحها فتبطش باليد ذاتها التي كانت تصافح بود ، وتجز الرؤوس بالسكين ذاتها التي كانت بها تنحر الذبائح للفقراء والمساكين ، وتبدل شرع الله وتلوي أعناق الأدلة تماما بنفس الألسن التي انبرت عقوداً تنادي في الناس أن اتقوا الله مذكرةً بالساعة وبالموت وبعذاب القبر وبحق الله على عباده.

هذه الألسن التي دخلت أفئدة الناس بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر هي التي تفرض الوصاية على عقولهم بعد السلطة فتدخل قوماً جنةً وأقواماً سعيرا..

رأيناهم وشاهدناهم على التلفاز والتلفاز فقلنا: ما أشبه الليلة بالبارحة.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home