القلم الفكري

 

بافقاد الشعوب النامية ثقتها بنفسها تسهل السيطرة عليها

تيسير الناشف



بإفقاد الشعوب النامية ثقتها بنفسها تسهل السيطرة عليها

 

د. تيسير الناشف

 

       روجت في الغرب أفكار خاطئة كثيرة،  منها حمل الغرب لرسالة إشاعة الحضارة في العالم غير الغربي، وفكرة أن أوروبا هي المنبع الوحيد للعلم والفلسفة، وفكرة أن العالم غير الغربي لم ينتج علما وفلسفة، رغم أن سجلات التاريخ والآثار التاريخية تبين نشوء العلم والفلسفة في كثير من البلدان غير الغربية مثل وادي النيل وبلاد ما بين الرافدين وبلاد الشام والصين والهند، وفكرة أن العنصر أو الجنس الأوروبي أفضل من الأجناس التي تنتمي الشعوب النامية اليها. وفي الغرب من شوهوا ثقافات وحضارات الشعوب النامية ولم يعرضوها عرضا دقيقا ولم يدرسوها دراسة صحيحة وافية. وتشيع لدى الغربيين صور خاطئة عن شعوب العالم الثالث، ومن هذه الصور صورة العربي العاجز عن كبح جماحه الجنسي والعاطفي. وأشيعت أفكار غربية تحقر حضارات الشعوب غير الغربية وتؤكد على العيوب فيها وتتجاهل جوانبها الإيجابية، متجاهلة أيضا الجوانب السلبية في الحضارة الغربية. ومن هذه الأفكار فكرة أن قسما كبيرا من حضارات العالم غير الغربي قام على الخزعبلات والخرافات.

       وذلك عرض غير متوازن، فالحقيقة هي أن العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية والفلسفة أدت دورا ذا شأن في إقامة صرح حضارات مثل الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية والحضارة الهندية والحضارة العربية الإسلامية، وأن الفلسفة اليونانية تاثرت تأثرا بالغا بحضارة جنوب غرب آسيا، وكان للحضارة العربية الإسلامية اليد الطولى في حدوث التنوير والبعث اللذين انتشلا أوروبا من ظلمات العصور الوسطى. وكان لفلسفة ابن رشد اليد الطولى في بعث ونشر التفكير الفلسفي العقلاني في أوروبا العصور الوسطى. وليس أدل على عبقرية الفكر العربي السامي من الإتيان  باللغة العربية بنحوها وصرفها واشتقاقها وأوزان أفعالها وأسمائها. عن طريق الاستعمال الصحيح لأوزان الأفعال والأسماء في اللغة العربية يمكن للإنسان أن يحقق التقدم في الفهم الصحيح لتطور الفكر البشري وللطبيعة المنطقية والعقلية للعلاقات بين الظواهر الاجتماعية والطبيعية.   

       ومن المؤسف، من المنظور القومي والإنساني، أن قسما لا يستهان به - على الأقل - من الشعوب النامية، بما في ذلك قسم من الشعب العربي، بات فعلا يقبل هذه الصور ويتبنى هذه الأفكار الخاطئة التي أشاعها غربيون بسياستهم عن شعوب العالم النامي. وبذلك القبول والتبني انطلى على كثير من أفراد هذه الشعوب الخطأ وأمسى كثيرون منهم ضحية لتلك الصور والأفكار. لقد باتوا يظنون، على سبيل المثال، أن العرب أمة متخلفة من جميع نواحي التخلف وأن العمل العربي غير متقن وأن الشخص العربي يفتقر إلى الحس بالوقت وأن العرب شعب عاطفي وأنه غير عقلاني وأن عقل الشخص غير الأوروبي أدنى من عقل الشخص الأوروبي وأن الساميين أدنى من الناحية العرقية من الآريين وغيرها من المقولات السخيفة التي يرفضها العقل والتي لا تقوم على أسس علمية موضوعية صحيحة والتي تنم عن وجود هذه الصفات أو قسم منها في الذين ينسبون وجودها الى الشعوب النامية.

       ومن الأمثلة أيضا على تبني تلك الأفكار الخاطئة تلقين بعض هذه الأفكار في مدارس وجامعات في العالم النامي، وورود الجملة التالية في كتاب وضعه مفكر يعتبر من أكبر المفكرين العرب: "بدأت الفلسفة في اليونان، والحضارة المصرية قامت على الخرافات والخزعبلات". ولعل ذلك المفكر نسي أو تناسى أو جهل أن العالم الغربي لا يزال يستفيد من بعض جوانب الحضارة المصرية في الفلك والرياضيات والطب وغيرها.

       ومن العيوب التي تعتور أبناء الشعوب النامية ما يمكن أن يسمى "عقدة" الأجنبي. وتتمثل هذه العقدة في جملة ما تتمثل فيه في أن منا من ينسب إلى الاجانب فضلا قد لا يكون فيهم، أو قدرا من الفضل أكبر مما هو متوفر لديهم. ومما يتصل بهذه العقدة شيوع ظاهرة مؤلمة من المنظور القومي ومن المنظور الإنساني، وهي إلغاء قسم من أبناء الشعوب النامية لشخصيتهم إزاء شخصية الغربي. وتتمثل هذه الظاهرة في جملة أمور منها اعتبار الغربي أفهم منا واعتبار طرق غربية في الحياة أنها طرق طيبة أو طرق مثالية تحتذى، والاستعداد للإسراع بقبول عادات وتقاليد وطرق غربية دون التساؤل والدراسة والتأني وكأنها العادات والتقاليد والطرق المثلى.

       ولا حاجة بنا إلى القول إن هذا الإلغاء للشخصية خاطئ لأنه يجب ألا يلغي الفرد الإنسان، أي إنسان، شخصيته إزاء أي إنسان آخر، إذ يجب أن يعتز الإنسان بشخصيته. الشخصية العربية لا تستحق هذا الإلغاء إزاء شخصية الغربي. فلكل شخصية بشرية جوانبها القيمية والسلوكية والفكرية والعاطفية الإيجابية والسلبية. وقد توجد في شخصية العربي جوانب إيجابية لا توجد في شخصية الغربي وبالعكس، كما أنه يمكن أن توجد في شخصية العربي جوانب سلبية لا توجد في شخصية الغربي.

       وللعرب حضارة شامخة وعريقة مودعة في عشرات الآلاف من الكتب المنشورة والمخطوطات العربية التي تتضمن الفكر الفلسفي والديني والعلمي والرياضي والإنساني والاجتماعي. والمثال على ذلك مؤسس علم الاجتماع الحديث وفيلسوف التاريخ عبد الرحمن بن خلدون التونسي العربي الحضرمي الذي استمد منه إميل دركهايم مفاهيم متعلقة بتفسير حركة التاريخ النشيطة.

       وهذه النظرة إلى النفس وإلى الغربيين، النظرة المتمثلة في اعتبار النفس متدنية إزاء الغربي وفي إلغاء الذات أو الشخصية أمامه، نظرة لها أسباب، منها حالة التخلف التكنولوجي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي التي عاشتها بلدان نامية وحالة التقدم التكنولوجي التي تسود المجتمعات الغربية. ومن هذه الأسباب أيضا الصورة التي أسهمت إسهاما كبيرا في إيجادها عن أنفسنا وعن الغربيين في أذهاننا وسائطُ مثل كتابات وضعها مستشرقون طيلة عقود كثيرة وحتى الوقت الحاضر والتي أسهمت في ترويج هذه الأفكار الخاطئة التي كان قسم منها مغرضا. لقد كان قسم من المستشرقين يكتب وهو واع أو غير واع بالتحيز الذي لديه ضد الشعوب التي كان يكتب عنها. لقد اتسم قسم من كتابات المستشرقين بقدر من الحيدة والموضوعية. وقد سخرت بلدان في الغرب كتابات المستشرقين في خدمة سياساتها إذ كان قسم كبير من تلك الكتابات معززا للرؤية الغربية للعالم الثالث، ووفر ذلك القسم بُعدا فكريا ونظريا وأيديولوجيا استندت إليه جوانب من تلك السياسة. وساعدت تلك الكتابات السياسيين في الغرب في الصياغة النظرية لتلك السياسات وفي تحديد كيفية التعامل مع شعوب العالم الثالث.

       وأسهمت في إيجاد هذه الصورة أيضا وسائط الاتصال (ولا نقول وسائط الإعلام، لأنها ليست دائما وسيلة للإعلام) المقروءة والمسموعة والمرئية التي تنطق باسم مختلف الهيئات الحكومية وشبه الحكومية والعامة والخاصة. لقد أوجدت تلك الوسائط في صفوف الشعوب النامية صورة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية البراقة في الغرب، وهي الصورة التي بسببها تعتبر عادة تلك الحالة تدل على التقدم دون القيام بدراسة وافية لهذه الحالة لمعرفة خصائصها وحقيقتها.

       ولعقدة الأجنبي هذه أضرار بالغة بنا. وأحد هذه الأضرار يتعلق بمسألة التقدم العلمي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي سيكون في مصلحة الشعب العربي والذي ينشده الناشدون منا. يتطلب تحقيق التقدم بجوانبه المختلفة هذه وسائل منها توفر الجامعات ومراكز البحوث والموارد المالية المخصصة للطلاب الجامعيين وإشاعة معرفة القراءة والكتابة والتصنيع ورفع مستوى المعيشة وإشاعة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وردم الفجوة المالية والمعيشية بين الأغنياء والفقراء. هذه كلها وسائل من شأنها أن تسهم إسهاما كبيرا في تحقيق التقدم. ومما من شأنه أيضا أن يسهم في تحقيق التقدم توفر صفات نفسية مثل الاعتزاز بالنفس والثقة بالنفس والميل إلى الإبداع والروح الخلاقة والشعور بعدم التدني عن الآخرين، إن لم يكن الشعور بالتفوق عليهم. الثقة بالنفس هي المحفز الرئيسي على التفكير المستقل والإبداع وتكوين الشخصية المستقلة المنطلقة فكريا وعاطفيا، وعلى محاولة الاكتشافات في مجالات الفنون والآداب والعلوم والتكنولوجيا. وتعين الثقة بالنفس على تأكيد الذات وعلى مجابهة التحديات وتذليل المشاكل. ولعقدة الأجنبي أثر كبير في إضعاف هذه الصفات أو إزالتها. فشعور المرء بأن آخرين أفضل منه من شأنه أن يضعف أو أن يزيل هذه الصفات وأن يدخل الوهن في النفس الذي ينال طبعا من القدرة على مواجهة التحديات ومن الحفز على التفكير المستقل والإبداع وتكوين الشخصية المستقلة المنطلقة فكريا وعاطفيا. وبالتالي لا يمكن أن نحقق التقدم ما لم نتخلص من هذه العقدة.

       وفي الحقيقة أنه قد لا يكون من الممكن تصنيف بعض الشعوب حسب مقاييس عرقية وذلك لاختلاط الشعوب عبر القرون بعضها في بعض عن طريق الهجرة والتشرد والتزاوج. لقد اختلط الدم الإسباني في دم الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية، واختلط الدم الإيراني في الدم العربي في العراق وشبه الجزيرة العربية منذ الأزمنة الغابرة واختلط الدم العربي من شبه الجزيرة العربية في الدم الأردني والفلسطيني والسوري. واختلط الدم الأردني والفلسطيني اختلاطا قويا جدا. وإذا افترضنا بأنه يمكن القيام بهذا التصنيف فإنه لا تقوم دلائل علمية موضوعية حقيقية على أن الساميين من الناحية العرقية أدنى من الآريين. والعرب لا يقولون بهذه المقولة. وإن عدم قول العرب بهذه المقولة وقول القائلين من الغربيين بها يدلان على رفعة العرب الإنسانية وعمق فكرهم وحكمتهم.

       وفيما يتعلق بعاطفية وغير عقلانية شعب من الشعوب فإن لدى أي شعب قدرا من العاطفية وغير العقلانية. وليست العاطفية وغير العقلانية من الصفات العرقية فحسب ولكنهما نتاج الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية البنيوية والبيئة الثقافية اللتين يعيش الشعب فيهما. ومما يدل على قدر لا يستهان به من العاطفية وغير العقلانية في الغرب نشوب الحروب الكثيرة الطاحنة الدموية  في الغرب واتباع سياسات تؤدي الى تردي بيئة الكوكب وتفضي إلى التلوث النووي والكيميائي ونشوء الأحزاب النازية والفاشية المتطرفة المحتقرة  لشعوب أخرى. وتكثر الأمثلة على وجود النزعة العاطفية في الغرب.

       وتشير دراسات إحصائية طبية إلى أن نسبة المصابين بأمراض الأعصاب والقلب والسرطان والمنتحرين في الغرب أعلى من نسبتهم في بلدان العالم الثالث. وللإصابة بهذه الأمراض أسباب. ومما لا شك فيه أن من تلك الأسباب وجود النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي السائد في الغرب، وهو النظام الذي تركت النزعة النفسية العاطفية أثرها فيه.

       وبإشاعة هذه الصور الزائفة والأفكار الخاطئة أسهمت جهات غربية إسهاما ذا شأن في الانتقاص من اعتزاز الشعوب النامية بنفسها وبهويتها وتراثها ووجودها وفي حرمانها من ثقتها بنفسها، مما يحرمها من الحوافز على الاستقلال الفكري والابتكار.

       ولإشاعة هذه الأفكار والصور كانت ولا تزال أهداف منها تسهيل السيطرة على بلدان أجنبية وتسويغ الغزو الفكري والمادي لتلك البلدان، وتسهيل تبرير الدول المسيطرة أمام

شعوبها للسيطرة على البلدان الأجنبية وتسهيل التسويغ النفسي لهذه السيطرة، وتقوية موقف تلك الدول في حملتها لدحر الإرادة القومية والسياسية في البلدان الأجنبية، وهي الإرادة الرامية إلى تأكيد ذاتها وهويتها وإلى تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي وإلى رفع شأن شعوبها وتعزيز هيبتها للحفاظ على المصالح والقيم الحيوية لتلك الشعوب.

       وعبر القرون أثرت الحضارات بعضها في بعض، وكان يمكن للحوار بين الحضارات القائمة أن يكون عاملا مفيدا للبشرية. بيد أن ما نشهده اليوم أن عددا من المفكرين الغربيين حريص على التمجيد ال


  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home