مقال

 

اتفاق أوسلو المشئوم واستمرار الخداع الصهيوني

زياد ابوشاويش



اتفاق أوسلو المشئوم واستمرار الخداع الصهيوني

بقلم : زياد ابوشاويش

بعد خمسة عشر عاماً على توقيع اتفاق أوسلو لابد أن نتوقف لنرى حقيقة السلام أو بالأحرى (سلام الشجعان) المزعوم الذي تحدث عنه الراحل ياسر عرفات لتبرير وتسويق ذلك الاتفاق المشئوم وما جره على شعبنا من ويلات وانقسامات وضعت كل المشروع الوطني الفلسطيني في مهب الريح.

في ظل تداعيات حرب الخليج الثانية ونتائجها المعروفة عقد مؤتمر مدريد الذي قصد منه أيضاً تسويق الوهم للمواطن العربي حول الدور النزيه للولايات المتحدة الأمريكية وحرصها المزعوم على عودة الأراضي المحتلة لأصحابها سواء كانت الأردن أو سوريا أو الفلسطينيين، وفيه فرضت أمريكا وإسرائيل فصل المسارات العربية عن بعضها باستثناء المسار السوري-اللبناني،وقام المندوبون الفلسطينيون في حينه بدور كبير ومهم في تثبيت الموقف الفلسطيني المبدأي تجاه برنامج منظمة التحرير الفلسطينية رغم أنهم كانوا رسمياً يستظلون بالوفد الأردني ولا يتحدثون باسم منظمة التحرير، ولا يمكن لأحد إنكار الدور الوطني المحترم للراحلين الكبيرين الدكتور حيدر عبد الشافي وفيصل الحسيني واللذين لم يقوما بأي خطوة بمعزل عن التنسيق مع قيادة المنظمة و ياسر عرفات على وجه الخصوص.

وحتى نتفهم أسباب وخلفيات التسرع الفلسطيني في عقد اتفاق أوسلو التفريطي أقله على يد القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير الفلسطينية والذي أصبح لاحقاً أمراً واقعاً تتقبله حتى تلك الفصائل التي اعتبرته تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء لابد أن نعود للوراء قليلاً حين بدا لهذه القيادة أن دورها القيادي يتعرض للخطر نتيجة القمة العربية في الأردن والتي سبقت اندلاع الانتفاضة الأولى في فلسطين بدءاً من قطاع غزة وكيف تفاجأت قيادة المنظمة بحجم الانتفاضة وعمقها الجماهيري ومفاعيلها على المستويين العربي والدولي واعتقادها أن الوقت أصبح مناسباً لقطف ثمارها، وكلنا يتذكر تصريحات الراحل عرفات بعد تسعة شهور من الانتفاضة حين قال أن الحامل لابد أن تلد بعد تسعة شهور قاصداً أن الانتفاضة قد أكملت أهدافها وحان قطاف هذه الأهداف ولو وجد الرئيس الفلسطيني الراحل يومها من يدعمه أو يقبل التفريط بالانتفاضة في وقت مبكر لذهب إلى ما هو أبعد من مجرد حضور مؤتمر مدريد عبر الوفد الأردني، لكن تداعيات الأحداث بعد مؤتمر مدريد والخشية من نهاية سيئة كانت تلوح في الأفق للانتفاضة الشعبية الأولى بسبب تدخلات هذه القيادة بالذات في شئونها وفرض أجندتها عليها أقدمت على توقيع اتفاق أوسلو بعد مفاوضات سرية استمرت عدة أشهر وكان سبقها مفاوضات من نفس الطابع عبر سنوات خلت لم توصل الطرفين لأي نتيجة.

لقد كان توقيع اتفاق أوسلو صدمة ليس لمشاعر الشعب الفلسطيني والمواطن العربي تماماً كزيارة أنور السادات للقدس في نوفمبر 1977 بل كان صدمة وضربة لكل التاريخ الكفاحي للشعب الفلسطيني الذي ترسخت مفاهيمه وقناعاته فى صراع وجود ضد الكيان الصهيوني باعتباره مشروعاً استعمارياً قام بإحلال شعب ليس له حق بدل شعبنا الفلسطيني بالقوة الغاشمة ولابد من اقتلاعه من جذوره ليعود الحق كاملاً لأصحابه، كما كان الاتفاق ضربه قاصمة للميثاق الوطني الفلسطيني الذي يشكل القاسم المشترك بين كل قوى الشعب الفلسطيني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وهو بصيغته المعروفة يشكل أساس البرنامج السياسي الاستراتيجي المجمع عليه فلسطينياً وعربياً وعليه تبنى كل البرامج الانتقالية أو المرحلية.

لقد تم التوقيع على هذا الاتفاق دون أن تبذل قيادة منظمة التحرير أي جهد حقيقي لاستقراء نتائجه وخيمة العواقب على قضيتنا ووحدتنا الوطنية، كما لم تقدر حجم الخداع الصهيوني الذي ستواجه وهي تقبل برمجة نقاط المفاوضات وإكمالها على مراحل كما لم تفهم جيداً خطورة مرحلة الحل ارتباطاً بنتيجة هذه المفاوضات، والحال أن مفاوضات الحل النهائي وقيام الدولة في موعد أقصاه عام 2000( ألفين) استمر بلا نتيجة ايجابية حتى اليوم ومرشح أن يستمر لسنوات طويلة قادمة.

لقد تواصل الخداع الصهيوني وتساوق قيادة فتح والمنظمة معه برغم التحذيرات والشواهد العديدة على هذا الخداع وكان الرد حاضراً لدى هذه القيادة تماماً كما يجري اليوم وهذا الرد يتلخص في أننا لا نملك سوى الاستمرار وأن أي تراجع سوف يجردنا من كل مكاسبنا التي حققناها خلال الفترات السابقة، وهكذا استمرت هذه القيادة في الوهم وخداع الذات ووقعت عدة اتفاقيات جزئية كالقاهرة وشرم الشيخ و(واي ريفر) لم ينفذ منها أي اتفاق، والأنكى أن رقعة الأرض التي كانت مسموحة لحركة السلطة الفلسطينية وتحت سيطرتها قد تقلصت وبدأت العد العكسي لعودة الدبابات الإسرائيلية حتى تخوم المقاطعة في رام الله عاصمة هذه السلطة الشريكة في (سلام الشجعان) هذا. ولو اتسع المجال لشرح حجم الإذلال الذي تمارسه إسرائيل علينا في الضفة الغربية لسجلنا آلاف المخالفات ليس لاتفاق أوسلو فقط بل ولكل الشرائع والقوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان وأكثر من ذلك المعنى الأخلاقي والديني لهذه الخروقات الإسرائيلية التي تجعل من أي دفاع عن هذا الاتفاق كلاماً مهيناً لشعبنا وتنكراً مراً لدماء الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن كرامة شعبهم وأمتهم.

لقد مثل اتفاق أوسلو نكبة جديدة حولت منظمة مجاهدة ومناضلة وشباب مناضلين إلى حراس حدود عند إسرائيل بأموال الوسطاء الأوروبيين والأمريكيين وحولت وعود الدولة والحرية والاستقلال إلى أحلام غير قابلة للتحقق، ومن يعرف ألف باء توازن القوة ونتائج مفاوضات بين فريقين غير متكافئين يدرك أنه لا يمكن أن يحقق الطرف الفلسطيني في ظل ترتيبات نزع السلاح ولجم المقاومة المسلحة وباتفاقات دولية ملزمة أي هدف استراتيجي مثل حق العودة أو القدس أو الدولة كاملة السيادة. لقد تصور الراحل عرفات ومعه قلة من قيادته أن تخليهم عن 78% من أرضنا الفلسطينية قد يرغم أو يغري إسرائيل بالتخلي عن باقي أرضنا في مساحة ال22% منها فخاب ظنهم وأدركوا ولكن متأخرين أن ما راهنوا عليه قد فشل ومن هنا كانت محاولات الرئيس عرفات الالتفاف على تعهداته بعدم الوقوف في صف المقاومة أو ما أسمته أمريكا الإرهاب الفلسطيني ضد إسرائيل ومن ثم تعرضه للاغتيال على يد عملاء الموساد بالسم.

إن خسائر الشعب الفلسطيني جراء عقد هذا الاتفاق لا تعد ولاتحصى ولو قيمنا ما نحن عليه الآن بعد خمسة عشر عاماً على ذلك الاتفاق وما كان يمكن عمله وبناءه خلال هذه المدة موحدين ومتضامنين لعرفنا حجم هذه الخسائر، ونشير هنا لمسألة مهمة نواجهها منذ عودة القسم الأكبر من قيادة منظمة التحرير للداخل هي سيطرة إسرائيل على حياة هذه القيادة وأسرها وبالتالي قدرتها الفائقة على تصفية أي فرد منها لو شكل بحركته أي مس بأمنها أو اقترب من الخط الأحمر المرتبط بتحقيق الحلم الفلسطيني ومشروعنا الوطني ... والأمثلة كثيرة منها الشيخ أحمد ياسين وأبو على مصطفى وغيرهم.

إن كل تعهد قطعته إسرائيل على نفسها برعاية أمريكية أو بغيرها نقضته بلا حياء أو خوف من لوم أو عقاب وملخص رؤية المواطن العربي والفلسطيني لهذا الوضع أن إسرائيل لا تجد من يردعها وأن الولايات المتحدة هي شريك رئيسي في الجريمة التي ترتكب ضد شعبنا الفلسطيني منذ عام 1948 وأن الاستيطان الذي تضاعف عدة مرات منذ اتفاق أوسلو ليس وحده دليل نقض التعهدات وعقم المفاوضات بل أن وجود الاحتلال في حد ذاته مؤشر على مستقبل مشئوم لعملية السلام التي بدأت بولادة قيصرية خاطئة في أوسلو، وأن الوقت قد حان لوقفة مراجعة جدية من جانب الشعب الفلسطيني وقواه الحية تبدأ بتوحيد الصفوف ورأب الصدع المستفحل في جسده بين فتح وحماس لنطوي بجهد مقاتلينا ومجاهدينا وحكمة القائمين على أمرنا صفحة أوسلو المظلمة.

زياد ابوشاويش

Zead51@hotmail.com

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home