قصيدة

 

الخروج من زمن الرماد

أحمد بن ميمون



                الأشجار نساء فيهنّ أراك أرى وطناً

فيّ يقيمُ وفيهِ أسافر حيث أرى حلما

ًيتباعد في حس العين ، وعن نظرات السبابة: أشجاراً رائعة تمتدّ،

وأحياناً عرياً فيك أرى يتقاربُ من تحقيق الحلم،

 أكون شفاهاً وأغاني تحييني آناً وتنوِّرني

فتكون الأشجار إقامة قلبي مشتعلا في عينيك، أرى

جسدي عظماً لدناً، لحماً أخضر أو أسودَ، فأكون مياهاً

أسمع وشوشةً، أغصاناً في مرآتي الزرقاء، أرى نهراً

وأرى أصواتي موج خرير ٍ.

في حنجرتي امرأةٌ تصرخ كي تلفتني وتبشِّرني

فتكونين الأشجار: ظلالاً وارفةً أتفيأها محتمياً،

وأكون الصرخة َ، أوقات ظهيرات ٍ للقيظ  تحاصرني ،

أسمع خفقة أقدام خلفي،

غابة أجسادٍ تأتي فأكون خريفاً،

وأرى موتي ورماداً وخيولاً تجري فأكون سيوفاً،

أسمع أصواتاً تضحك أو تبكي فأكون سجوفاً،

وأرى ضوءً يفضح أشجاراً،

ورداً لا يكشف عن ماضيه،

أسمع في نظراتي نحوك محكيات الآتي فأكون:

أغنية ً وكؤوسا،

ولياليَ ممتحناً بالغربة فيها كنتُ

العربيد بحبي فيها ميئوسا

استنطق في بطن الأشجار أجنة أطفال منحولي الآباء،

أرى فيهم أيتاماً وأيامَى مسلوبين ،

أرى فيهم فيء مطاعم أسكن ألوان فواكهها كي يأكلني الأطفالُ،

أن يأتي الموت أو الورد فسيانِ ِ

أجلس كي أرسم وجها للعالم محترقاُ مفقوء العينين

أتجوّل منتعلا وجه امرأة تصرخ في بيدائي

حنجرة ُ لا أسمع إلا سوِْرة ماء ٍ

من أين أتى وجهك نحوي  يرقص في وحل الأيام  العطشى

ـ وجهك في عيني كان صبيّاً

ولهذا اخترت خشونة أقدامك

كنَ ً تصخرنتَ ، فمن أين أتاك الحب ّ ُ

ـ حين تفتح في صدري هذا القلبُ تفتت عنه الصخر

أطلعت ُ من الأحشاء الطفلة ـ كنت ـ صرخت أريدك لي.

هل راودت النهر قبيل مجيئك في نظرات رجال قبلي

ـ كنت بحيرة صبر ٍ متقوقعة ً

لا تكشف عن فتنتها للعين.

أن يأتي وجهك أو يأتي الصخر فسيان ٍ

أعلن أني أعشق أنثاي كتاباً

ـ  سيغيِّرني فيك لهيب  الكلمات إل الأفضل

وستصهرني نار الحرف على شفتيكْ

فنذوب ، أقيم من الكلمة حيث  أقمت ،

إني أعطيك كياني ذات  كتاب فلتدخلني

ولتجلس في أعماقي كي تقرأ.

ألاّ  يحضر فيك سوى اللحم غريضاً

والرحم المسكونة بالأجيال تغطيها الظلمة ُ

مقبلة مدبرة ُ، فيها ، هل أنبئت ِ بأني أرفض ذلك فيك ؟

وأعشق أنثاي جبالاُ وسهوباُ تشعلها الثورة في وطني؟

هل أنبئت ِ بأن الأشجار تموت إذا انطفأت في ذاكرة الأغصان

مرايا الخضرة ، أو ضاعت من تاريخ الأوراق رؤى غدها؟

إني أعشق أنثاي غصوناً لا تفقد ذاكرة ً، أشجاراً لا تخفض هامتها.

ـ ذاكرتي اعتقلوها

وتواريخي أغرقها مد التشويه.

انتزعوا حنجرتي، كي لا أصرخ ملأوا بالماء فمي

ولهذا فأنا تنشدني لغة الأنهار الآن

هل ينبئني الموج على شفتيك بأن الساعة آتية ٌوالطوفان

ـ لا أملك علما فالأنهار اعتقلت   نهراُ نهراً

وأنا لست سوى النبع تفجر من صخر

أترقرق في رؤيا الماء  بشارة ًَ إشراق

وأحاول أن أنشد أغنية عنك وأخرى

أرسم فيها وجه  بلادي قمّـات ٍ  وسهولاُ...

إشتعلت أشجاراً نسيت أفراح الخضرة أيام احتجزت خلف القضبان

ماذا ستغنين إذن عني : مرثية أم ملهاة؟

فالطفلة فيك الآن اكتأبت ، والتمعت في عينيها الأحزانُ

أوتبكين...؟

ـ لا ، بل ماء النهر تشرد عن مجراه

ففاض بعيني  موج منه ، حتى أومض برق  ينطق عن آت غضبان

ماذا في حنجرتكْ ؟

ـ كركرة لا أدري ماذا أسميها

الآهة أم موسيقى الشوق  ينشدها في قلبي أن تمثل قدامي

تمثالا ً ميتة في عينيه الأفراح وأيامي الأولى، في القلب وفي الأحضان

لا أدري هل أصبح ما في حضنك أو قلبك قبرا؟

ـ بل حقل تجري فيه الأنهار وتسمق أشجارٌ

هل غطت أيامي فيه الأعشاب المحترقة؟

أم أنك تعرف قبري حتى تحجبه عني فيه الآن؟

دعني أسقي أعشاباً ماتت خضرتها عطشاً في حقلكْ

ـ أين الأنهار هناك وقد أخرستَ غناء الحب به

يبدو أن مكاني أصبح هذي الأيام مدينة

لا تؤمن إلا بالتقنية والميكانيكا

أين الأشجار بها أم أين أرى مجرى الأنهار ؟

هل أكملتِ رثائي؟

لا أدري ماذا أبصر في صوتك حين تريدين مراودتي؟

سأقول : صحارى  لا رجعة لي منها إن قطعتْ

كل فيافيها أقدامي أو أجنحتي

ـ بل إن فيافي الموت، وسود ليالينا حيث تقفْ

إني في مندحري هذا أحسن حالاً

أحيانا لا ينقذنا إلا الموت

لكن من جاء بك الآن إلى حيث أموت؟

ـ أو لم ترسل صوتك في طلبي

حين أتاني كانت نبرة صدق فيه

صدقتُ روائح دمع كانت تصحبهُ

فأتت بي الرغبة في إنقاذك.

ـ كنتَ تقول نعيمك بين يدي

فلتنزل للأعماق بساحاتي ولتدخل مملكتي

الأعماقَ بمملكتي أن أخرج حيث أرى أنثايَ الشمس

كل مساء ٍ تنزل بين يديّ : الطفلة والمصباح.

ـ هذا الصوت بقلبي أو في حنجرتي

لا أدري ماذا غيبه عني أحياناً

تطلبه في ذاتي صرخاتي فلا تلفاه

هل هاجرني نحوك يوما وأقام لديك؟

كان يقيم معي عصفورا

إن غنى أغنية للحب بكيت

إن غنى عن غربته

 كانت تلمع في ذاكرتي

صور عن أحوالك في المدن الأخرى

حيث  قلوب الناس صخورٌ

ووجوه الناس حجارة

لا تتحرك فيها عين

كان غناء العصفور يحرك في الأعماق حنيناُ نحوك

هل كان جنيناً؟

لا أتذكر أني قبـّــلتك

هل أبذر من نظراتي فيك جنيناً؟

ـ كان الخوف يحاصر فينا الحب وكنا

نلجأ أحياناً للحلم بأصوات مسموعة،

ما سافر فيك سوى صوتي

ـ ولذا كانت مولودتك البكر قصيدة

جاءت في أقماط الصمت

هادئة النظرة لا تدري ماذا تدعو

بل جاءت صارخة ً

تدري ماذا تقول وكان الوضع عسيراً

يبدو أنك من مارس هذي المرة دور الوالد

لم يسمع صرخات وليدته الأولى

هل كنت تحسين عذابي فيك بها

كنا لا نتصافح إلا بالأعين

هذا فمي لم يعرف رائحة ليديك

لم تعرف عيني شك أصابعك المخضرّة

هل كانت عيناك أمامي حين أتيتك أم في ما داستني قدماك به

ـ أنت تخاشن فيَّ الأقدار

أفما تعرف ماذا تقول عيون مدينتنا

تبدين كأنك صادقة، ما أقساك

ـ بل ما أقسى حالات حصار

وحدي كنت مطوقة ً فيها

تبدو كالقادم من أقصى كوكب

إذ تتنكر لي أتجرد من جسدي

إني لا أخشى أن تنطفئ الأنوار

وتخسأ كل الأنجم

يكفي أن أجلس لحظات تدفئني شمس حضوركْ

إذ ترحل يدخلني الحزن زنازين بلا مخرج

آه ٍ ما أقساها حالات حصار

الحاضر حزنٌ في لحظاتي أو في وجهي.

من جاء إليَّ الآن بك ِ...

الرغبة في إنقاذي؟

ـ إني أعرف فيك القلب الحجري

يغرق في أوهام حجرية

ما أقسى من وضع النجمة في دربي مصباحا حجريا

لكن ما أضعفني إذ لا أملك من صفة الأحجار أمامكْ

بل أنت تحجرت ِ ودمرت ِ زماني فيك

كلماتي احترقت فيك وأيام حضوري

منتظرٌ أن يورقَ في شفتيكِ كلامٌ من ناري

لتعيد ي في سمعي كيف يشب رمادي في شفتيكِ

ـ وكيف يخبو توهج كلماتي قي رمادك

أتجاوز فيك التذكر والنسيان

وفي طريقي إليك لا أسمع  إلا كلمات النار

التي يطلبني توهجها فيك فأسعى إلى الانصهار فيك

ـ هذي كلماتُ الثلجِ لا كلماتُ رمادٍ

حين أراكَ

أتصور أنكَ تدخل ثلاجة موتى أو تخرج منها

فاحترق ها هي ذي كلماتي تنفيني حيث الثلج

أصبح كالصحراء، شفاهي تتلمظ من عطش ٍ،

وأحسك قدامي غيماً أرعن َ يرفض أن يمطر

أخشى أن أتكلم أو أصرخ حتى لا يعتقلوك

تتوزع نظراتي عبر جهات أربع

وأغادر جلدي إليك يقضقضني برد فتكونين سرابا

وتكونين خناجر ترحل في لحمي

فخذي من قلبي رحلك ولتمسي

نحو عقاب كأداء إلى خارجه  حيث أطارد فيك

مخاوف قلبي  أو أحوي فيك منىً فتكوني سكناي

ـ انفتح لتسكنني  فتنغلق

أسعى إلى استطلاع أحاسيسي في قلبك فتهرب من قلبي

وحين أحاول أن أتأملك في كلماتك تخرج منها

أجيء إليك فتتأخر عني أو تتجاوزني

أحضر فتشغل عني

وأغيب فتحضرني أو أحضرك وحين أدخلك تخرج مني .

يا أنت ِ... هل أحتاج إلى أقفاص الشعوذة لأحاصرك؟

ما أكثر ما تغني عن انغلاقي فلتنفتح... فلتنفتح

ها أنذا بين يديك... خذيني

ـ إني حطمني الحزن على دربك

ومساري إليك... تملأه الأعراف:

كوابيس بلا حصر وميكانيزمات الإكراه،

ووسائل تعذيبي في تشريدي

حيث سعيتُ، فما أكرهَ أن أذرف في حضرتك الدمع

لا أقدر أن أهدم أبراج المنع ولا أسطيع مجابهة ً...

ما أكرهَ من قاد خطاي إلى حيث  وقوفي الآن  هنا ،

فأقام سدوداً تحجب عن قلبي أ نوار رؤاك

فلتنفجري يا قوقعتي...

ولتخرج يا قلبي من حضرة وهم ٍ أعماك إلى نور حياه

يغمرْك الخلقُ وتشعلك النار مرايا نجاة

يتوهج فيها الحبّ ُ  بهيّاً ويتوّج فيها الإنسان.

فلتخرجْ ... بالثوب الكاكي  أو في جلباب نبيّ ِ  الريف

ولتخرج .. للغابات فتشعـلــَـها

سقطت هذي المدن المغدورة في النار

أفما آن لعنقاء  شبيبتها أن تخرجَ




  قصائد سابقة

اطبع الموضوع  

Home