القلم العلمي

 

مدخل إلى النظريات التداولية(3)

خليفة بولفعة



مدخل إلى النظريات التداولية (3)

إعداد :خليفة بولفعة

 المرجعية/ الإشاريات

  بالرغم من الأهمية الكبيرة لـ "مفهوم المرجعية في اللغة ، فإن اللسانيات التقليدية لم توله أي عناية نظرا-كما يقولون –لطبيعتها غير اللغوية ، إذ أنه يستحيل الجمع بين علامات مختلفة من حيث طبيعتها ودراستها في مجال واحد.وأشهر من ادعى ذلك "جريماس" الذي رفض الافتراض اللغوي الذي يعرف الدلالة بأنها تمثل العلاقة بين العلامات والأشياء ، ويرفض على الخصوص الرجوع إلى الأشياء لتفسير العلامات اللغوية "([1]).

   غير أن هذه الحجج لم تقاوم المد الكبير الذي عرفته الدراسات اللغوية الحديثة، خاصة تلك المتمثلة في إعادة النظر في الكثير من هذه المفاهيم و التصورات، فقد تمكن الكثير من العلماء من طرح "...إشكالية العلاقة بين الخطاب والعالم الواقعي مثلما فعل ذلك "كلود ليفي ستروس" مؤكدا أن التجربة الحياتية المعيشة هي التي تشكل الحقل المرجعي ، وأن الشيء المدرك لا يكفي أبدا لتحديد المرجع، بينما يرى "أسوالد ديكرو" أن المرجعية هي: " العبارات التي تسمح للمتكلم بالإشارة إلى المخاطب أو إلى عدة أشياء خاصة من عالم الخطاب، أكان هذا الخطاب حقيقيا أم خياليا"([2])

  ويجب التذكير هنا أن "سباربر" و"ويلسن" كانت لهما نظرة معرفية إدراكية حول اللغة، فوظيفة اللغة،بالنسبة إليهما ، هي أولا وقبل كل شيء ، تتمثل في تقديم المعلومة وتسمح للأفراد بزيادة مخزونهم المعرفي ، عن طريق التواصل بينهم ،بحيث يكون هدف كل نظام إدراكي معرفي هو بناء تمثيل للعالم ، الذي بإمكانه أن يتطور في أي لحظة"([3]).واللغة في هذه الحالة، يكون وجودها قمينا بهذه العلاقة المتمثلة في تشكيل مجموعة من البنى المرتبطة بالتجربة التواصلية بين الذات وموضوعها.

   ولا يمكن أن نتصور تواصلا فعالا دون الإحالة إلى مرجعية ما،ولا نستطيع أن نفهم الدليل اللغوي دون مواضعة بين الأفراد ، أي الجدلية القائمة بين اللغوي وغير اللغوي. إن الكثير من الظواهر الخطابية لا يمكن فهمها خارج مرجعيتها،وأن العملية التواصلية لا تصبح فعالة إلا إذا اعتبرت هذا البعد التواصلي المرتبط بالعالم الواقعي والخيالي ، وما يحمله من مكونات اجتماعية وعقائدية وثقافية وإيديولوجية. وعلى هذا الأساس يورد "عمر بلخير" تعريفا لـ"جون ديبوا" مفاده أن المرجعية هي الوظيفة التي يتمكن من خلالها الدليل اللغوي من الرجوع إلى موضوع في عالم غير لغوي،واقعا كان أم خيالا.  ويضيف قائلا: "عموما أن كل دليل لغوي يؤمن الرابط بين المفهوم والصورة السمعية وهو في ذات الوقت يعود على الواقع غير اللغوي. هذه الوظيفة المرجعية، تجعل الدليل في علاقة ،لا مع الأشياء الواقعية،بل مع العالم كما يدرك داخل المكونات الإيديولوجية لثقافة ما.فالمرجعية ترتبط بالموضوع الواقعي بقدر ما ترتبط بموضوع الفكر، مثل الإدراك المتعدد والمختلف لنفس الظواهر الطبيعية مثل ألوان قزح... " ([4]). وبذلك فإن هذه الوظيفة هي التي تجعل من الخطاب مرسلة فعالة من خلال ما يمثله من علاقة جدلية بين الفكر وإدراكه للواقع ، بين الذات وإدراكها لذاتها، وبين الذات وإدراكها لما حولها.

   غير أن من أبرز ما تمثله إشكالية المرجعية هو التعبير عن الذاتية في اللغة ، خاصة في ما يسمى بالإشاريات والمبهمات ، مثل الضمائر وأسماء الإشارة التي هي من العلامات اللغوية التي لا يتحدد مرجعها إلا في سياق الخطاب التداولي، فهي ليس لها معنى في ذاتها بالرغم من ارتباطها بمرجع ، لكونه غير ثابت .ويتفق النحاة جميعا على أن الأسماء المبهمة يعنى بها أسماء الإشارة ، غير أن بعضهم يخصص هذه الصفة لأسماء الإشارة فقط([5]). والمرجعية تمثل توجه الخطاب وهويته، فبدونها لا يمكن للمرسل إليه فهم المرسلة الخطابية أو تفكيك شفراتها. إن كل عنصر من هذه العناصر لا يمكن فهمه خارج سياقه الخطابي ، فهي عناصر ملازمة للخطاب ، وفهمها يعد شرطا أساسا في تفسيره وتأويله ، وهذا ما يصطلح عليه بإنية الخطاب  l'instance du discours.كما إنها عناصر موجودة في" المعجم الذهني دون ارتباطها بمدلول ثابت ، فلا يتضح مدلولها إلا من خلال التلفظ في الخطاب في سياق معين "([6]) ، وتعتبر هذه  المبهمات عاملا رئيسا في تكوين بنية الخطاب  ، من خلال القيام بدورها النحوي ووظيفتها الدلالية([7]) . و"لا يقف دور الإشاريات في السياق التداولي عند الإشاريات الظاهرة، بل يتجاوز إلى الإشاريات ذات الحضور الأقوى ، وهي الإشاريات المستقرة في بنية الخطاب العميقة ، عند التلفظ بها ، وهذا ما يعطيها دورها التداولي في إستراتجية الخطاب ؛ لأن التلفظ يصدر عن ذات تتميز بسمات خاصة، وفي مكان وزمان معينين، هما مكان التلفظ ولحظته،إذ تجتمع في الخطاب الواحد على الأقل ثلاث إشاريات هي ( الأنا ، الهنا، الآن) "([8]) .

2-1-2 أنواع الإشاريات

أ - الإشاريات الشخصية

    تتجلى هذه العناصر خاصة في ضمائر الشخص الدالة على المتكلم ،أو المخاطب أو الغائب.

   وبما أن هذه الضمائر هي ظواهر لسانية تساهم في إنجاز العملية التواصلية ، فإنها في هذه الحالة ستصبح مجرد فواعل نحوية إذا عزلت عن مرجعيتها التي تمنحها بعدها التداولي داخل الخطاب، ولذا فإن أي إشارة إليها في هذا الميدان ، تتطلب البحث في مرجعيتها. إن مجرد التلفظ بمثل هذه الملفوظات، تكون العملية التواصلية حينها ، قد أخذت بعدا تداوليا ؛ لما يوجد بين المتخاطبين من خبرات خاصة تحيل على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإيديولوجية التي تعتبر قواسم مشتركة بينهما.وهذا ما يفسر قول التداوليين من أن هذه المبهمات لا تحيل على أشياء موضوعية في العالم أو الزمان والمكان ، بقدر ما تحيل على الخطاب ذاته، وتكون خارج هذا الإطار فارغة من أي دلالة.

   وعلى هذا الأساس يوضح "منغونو" أنه في حالة التلفظ بـ" أنا" و"أنت" ، يكون كل متكلم قد أعاد زمام اللغة لصالحه. ويشير هنا إلى أهمية هذه النقطة تكمن في اعتبار هذين الضميرين ، ليسا علامتين لسانيتين لنوع خاص من المبهمات ، ولكنهما قبل كل شيء ، عناصر تعمل على تحويل اللغة إلى خطاب([9]).وإلى قريب من هذا يقول "بنفنيست"Benveniste ،"...أن اللغة وضعت تحت تصرف مستعمليها أشكالا فارغة( ) تمكن المتكلم من الإحالة على نفسه في أي وقت اقتضت الحاجة لذلك،وهذه الأشكال الفارغة تجد لنفسها مضامين بمجرد أن ينطق بها المتكلم ضمن حال الخطاب، وهي( الأشكال الفارغة )- كما يشير إلى ذلك بنفنيست- لا يمكن إخضاعها للصدق أو الكذب، وتكون فارغة من كل مفهوم وموضوع "([10])

   ولكن هذه النقطة اعتبرت مثار جدل بين كثير من الباحثين ، مثل "أوركيوني"Orecchioni،خاصة في اعتراضها على مفهوم الأشكال الفارغة مميزة بين الناحية المرجعية والدلالية لهذا المفهوم، بالإضافة إلى اعتراضها على كون الضمائر تحيل فقط على الخطاب،كما  نسجل في هذا الشأن اعتراض "منكينو " المتمثل في كون المبهمات ( أنا/ أنت) لهما نفس الوظائف التي تتمتع بها الأسماء ، فهي تفتقر إلى مرجع حقيقي ، بل إنها بنيات تتحدد مرجعياتها من خلال القول أو أثناء إنجاز الخطاب، ومن هنا تكمن صعوبة تحديد مرجعية هته المبهمات خارج استعمالهما أثناء الكلام([11])

 ومن ناحية الأبعاد الاجتماعية للضمائر ، أي أثناء توظيفها في وضعيات مختلفة في الخطاب، بحيث أن كل تلفظ من هذا النوع يكون إظهارا وبشكل واضح للبعد الاجتماعي لهذا التوظيف، وذلك لأن الضمائر هي التي تعبر عن الذاتية في اللغة، فبمجرد استعمالها من طرف الفرد تكون قد منحت بعدا نفسيا واجتماعيا خاصا للخطاب الذي هو بصدد إنجازه لأن  :" ... استعمال كل جماعة لغوية لها يخضع لمجموعة من التعاقدات، ثم إن المتكلم بمجرد تلفظه بـ"أنا" يكون قد وضع أمامه وبطريقة آلية شخصا يقابله هو "أنت"([12]).ويخضع هذا الاستعمال للضمائر، إلى ما يشبه الحتمية الاجتماعية التي تمارس ضغطها على الفرد كلما حاول التلفظ فتكون له بالمرصاد، إنه لا يقول إلا ما يفرضه عليه هذا التعاقد الاجتماعي. غير أن التلفظ بهذه العناصر لا يتم خارج المحددات المكانية والزمنية.

ج- الإشاريات المكانية

    وليست الضمائر وحدها قمينة بتحديد الذاتية أو الهوية في الخطاب، إذ أن هناك محددات أخرى ملازمة للأولى بشكل مطلق ، بحيث أن تلفظها داخل الخطاب يشير بشكل تلازمي إلى وجود الثانية ، وهذا ما يتعلق بالإشاريات الدالة على المكان الذي تتموقع فيه الذات المتلفظة في لحظة التلفظ . فعلاقة المكان بالمرجعية هو الحديث عن السياق الذي يجري فيه الكلام ، فالدلالة المرجعية لا تتجلى إلا من خلال النقطة المرجعية في الفضاء الذي ينجز فيه الكلام ، فإذا كان إسهام الإشاريات الزمنية في الخطاب، يبدو من خلال دلالتها على لحظة التلفظ ، فإننا نجد أن هذه المؤشرات المكانية تحدد مواقع الانتساب إلى نقاط مرجعية في الحدث الكلامي ، وتقاس أهمية التحديد المكاني بشكل عام، انطلاقا من التسمية أو الوصف أو التحديد([13]). 

ب- الإشاريات الزمنية

    إنها المحددات الزمنية التي تربط الزمن بالفعل في مرحلة أولى والزمن بالفاعل في مرحلة ثانية بغية تحديد مرجعيتها ، فيجب على المرسل معرفة لحظة التلفظ التي تصبح مرجعا زمنيا يعود إليه ، والمحددات المكانية التي ترد في الخطاب بشكل صريح أو ضمني. من الصعب أن نتصور متلفظا بـ"أنا" دون أن يكون هذا التلفظ إحالة على زمن معين ومكان يتم فيه هذا التلفظ ، وبعبارة أدق ، يستحيل إنجاز عملية تلفظية خارج هذه المحددات، حتى في الملفوظات المجازية والخيالية والأسطورية، فإنها تحيل على محددات افتراضية يبرزها السياق ، فمن الصعب الفصل بين المحدد الزمني والمكاني ، فكلاهما ملازم للآخر.

الهوامش

1-   عمر بلخير، تحليل الخطاب المسرحي ،في ضوء النظرية التداولية ،ط 1،منشورات الاختلاف،2003،ص.64.

2 -  لسانيات التلفظ وتداولية الخطاب ،مرجع سابق ،ص.92-93.

3 - http://www.isc.cnrs.fr/Prag_chap3.pdf

4-  تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية،ص.64

5 -  إستراتجيات الخطاب :مقاربة لغوية تداولية ،مرجع سابق ،ص. 80

6 -  إستراتجيات الخطاب ،مرجع سابق ، ص.79

7 -  المرجع نفسه ،ص.81

8-  المرجع نفسه ،نفس ص

9- D.Maingueneau :Approche de l'énonciation en linguistique française ,Hachette,Paris p.34  

10- الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، مرجع سابق، ص.69

11 -  D. Maingueneau, o p , c i t .p. 14

12- الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، ص.72

13-  إستراتجيات الخطاب ،ص.84

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home