القلم الفكري

 

الأزمة الروحية والمعرفية ومستقبل الإنسان

محمد ياسين العشاب



                                         

تتبدل الأحوال إذا تغيرت المعارف البشرية وتغيرت المفاهيم، وتتبدل النفوس و الطبائع إذا تغيرت الظروف والأحوال، حيث تواجه واقعا جديدا وأهدافا مختلفة، فيحتاج الإنسان إلى نفسية جديدة و مطامح مستحدثة، ومفاهيم مستأنفة كفيلة بصياغة إنسانية جديدة، تنسخ سلبيات الماضي وتتعظ بها.

 وكانت الرسالة الإسلامية تحولا عالميا فصل الحق عن الباطل، واستأصل شأفة الجاهلية، وبدَّدَ غيوم الظلم والأباطيل، فكانت بداية مستحدثة لواقع جديد، وكلما ظهرت دولة على أخرى و أجيال على أخرى تبدلت الأحوال، وتقدمت المعارف البشرية شوطا جديدا، وأَزْرَت بالأشواط السابقة، وفتحت صفحة جديدة لتجديد الأفكار وتغيير الآراء وولوج عالم جديد، وكلما ظلم الإنسان نفسه بإحقاق الباطل وإزهاق الحق، ظهر الفساد في البر والبحر، وأصبح الإنسان للحق خصيما مبينا، وتورَّطَ في رحى التشتت والمذاهب والفتن والشدائد، فتارة يكون الانقلاب والوضع الجديد لصالح الحق و إصلاح الفاسد، وتارة يكون لصالح الباطل وتثبيت الظلم، فتنتشر الفوضى وتسفك الدماء لأهون الأسباب، ويسري الفساد إلى النفوس، فتنذر الأحوال بالاحتضار ورجوع الحضارة القهقرى، إلى أن تبيد كأنما لم تَغْنَ بالأمس، فيبعث الله من بعدها سواعد جديدة وحضارة أخرى.

وما يردي الحضاراتِ ويُضَيِّعُ الأممَ ويُقْبِرُ الدولَ إلا نسيانُها اللهَ حتى يُنْسِيَهَا نفسَها، ورغم تَبَدُّلِ الأفكار والأحوال باستمرارٍ لا تتغيَّرُ الحقيقة الأزلية أن اللهَ خالق كل شيء، وأن الله بيده مصير كل شيء، وأن من بعد الحياة الدنيا بعث ونشر و آخرة.

إن التحولات التي يشهدها هذا الإبان أقوى وأشد مما شاهده مؤرخنا العربي الفذ عبد الرحمان بن خلدون في عصره، فعلق رحمه الله على ذلك بقوله: و إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدَّل الخلق من أصله، وتحوَّلَ العالمُ بأسره، وكأنه خَلْقُ جديد، ونشأة مستَأنَفَة، وعالَمٌ مُحْدَث[1].

هذه النظرة الفاحصة تنطبق على عصرنا أكثر من عصر المؤرخ الفذ، فزماننا شَهِدَ انبعاث خليقةٍ جديدة ، وأفكار وآراء محدثة ترتبط بتغيُّر معاني الحياة وضياع كثير من معالم القيم والأخلاق الإنسانية،فضلا عن مظاهر حياتية لم تُعْهَدْ من قبل، وفي هذا العصر بَدَّلَتِ الدنيا أدوارَها، وغيَّر الإنسان دوره الذي كان متعلقا بعبادة الله وعمارة الأرض بالحق، فكأن الحق ما كان، وكأن الجهل بالله الذي اندثر قديما قد عاد إلى الوجود أوفر صحة وقدرة، متنكرا في ثياب الإيديولوجيات والفلسفات المادية والمذاهب والمعتقدات والشعارات الظرفية سريعة الانقشاع، والمذاهب العقلانية والتقدمية والحضارية والثقافية، والآراء السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمبادئ الفيزيائية والأفكار الفلسفية المتشائمة...، هذا الهول المائجُ الذي يَخْلُبُ العيونَ والألبابَ كفيل بإحداث ثورة على البيئة المحيطة به، وقد خلقها الله تعالى وفق نظام محكم لا يقبل التغيير و إساءة التعامل معه، مما وضع حدا للوجود الإنساني بتحطيم إنسانيته وربطه ببعض الظواهر البيولوجية الخسيسة أو بعض الماديات المحسوسة، حتى أصبح بذلك متنكرا لدوره متنصلا من أصله، وهل كان أصلُهُ إلا أَنْ كان خَلْقًا من خلق الله اصطفاه لعبادته واجتباه لحُسْنِ استخلافه في الأرض؟

إن هذا التبدلَ أيضا كفيل بتحويل العالم وتغيير مساره ومصيره، ولم تكن التغيرات التي شاهدها ابن خلدون على عصره إلا وقائعَ جديدةً قادت الأندلس المسلمة بعد الكثرة والعزة إلى القلة و الذلة، فتعلقت النفوس بالدنيا، وضاعت المعاني الإيمانية من القلوب بعد فراغها، وأسرف المتنافسون على مقاعد الحكم في تسخير ما بين أيديهم من سلطات لأهوائهم، حتى تربص بالأندلس الأعداء من كل جانب وخططوا لوضع حد للتواجد الإسلامي عليها، وكان لا بد لذلك أن ينعكس على الوضعية الاجتماعية، حيث ساد التشتت وعمت الفرقة، و تولَّعَ المغلوبُ بتقليد الغالب، وتعلقت الأذهان بالأمانيِّ والآمال الخرافية، مما جعل ابن خلدون رحمه الله يتنبأ بنهاية الأندلس رغم أنه  لم يحضرها.

لكن هذا التغيير لم يكن ذا انعكاس على العالم والخلق بأسره، حتى يبلغ التحول هذا المبلغ الذي يعبر عنه ابن خلدون، " تَبَدَّلَ الْخَلْقُ مِنْ أَصْلِه" " تَحَوَّلَ الْعَالَمُ بِأَسْرِه"، وإنما قال ذلك على سبيل المبالغة لجسامة ما شاهده، كما أن عباراته لا تَدُلُّ على التعلق بعصر من العصور، وإنما تتحدث عن نتيجةٍ لا مَفَرَّ منها إن تَحَوَّلَتِ النفوس عن الغاية التي خُلِقَتْ لأجلها، أو ذَهِلَتْ عن حقيقة معنى وُجُودِهَا وتَعَلُّقِها الكامل بعبادة مُصَرِّفِ شؤون الكون، وأنَّ نهاية الأمم والحضارات التي تَعَلَّقَتْ بغيرِ الله حَتْمٌ بَيَّنَتْهُ مواعظ التارِيخِ وأَثْبَتَتْهُ مشاهدةُ الواقع، والمهم من ذلك كله أن التحول والانقلاب السلبي لصالح الفساد السلوكي والضياع النفسي كان من أهم الأسباب التي أَوْدَتْ بالأندلس إلى تلك النهاية الأليمة، كما عَبَّرَ عنها شاعرُ رَنْدَةَ أبو البقاءِ رحمه الله:

لِكُلِّ شَيءٍ إذا ما تمَّ نُقصَانُ             فلا يغرُّ بطِيب العَيشِ إنسانُ

هيَ الأمورُ كما شاهدتُها دُولٌ           من سره زمنٌ ساءتهُ أزمانُ

وَهَذِهِ الدَّارُ لا تبقِي على أحدٍ          ولا يدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شانُ

يا غافلا وله في الدهرِ موعظةٌ      إن كنت في سنةٍ فالدهرُ يقظانُ

لكن واقع التحول اليوم يشهد بأنه لم يَسْتَثْنِ من العالمِ مكانا، بل لقد غزاه بألوان الفساد من أقصاهُ إلى أقصاه، ومَكَّنَ لنفسه في الأرض لما ضَيَّعَتِ الإنسانيةُ معنى وُجُودِهَا ، وابتعدت عن مصادر الهداية الإلهية النورانية فأظلمت عليها الدنيا وما فيها، وظَنَّتْ أن عقلَها يُغنيها عما سواهُ فلم يُغْنِهَا عن فساد سلوكها شيئا.

إن السلوكَ كما يَذْكُرُ علماء النفس تشغيلٌ لطاقة الإنسان، والفكرَ نتيجة لتشغيل العقل، ولقد خَلَقَ الله الإنسانَ لأجلِ تشغيل الطاقتين معا، فإذا كان الفكر أساسيا لاستمرار الإنسان فإن السلوك هو النتيجة العملية لهذا الفكر، وإذا كان ذلك الفكر فاسدا كان السلوك بدوره فاسدا، وقد تَحَدَّثَ علماؤنا عن ظاهرة * فساد العلم* عندما يصبح تابعا لأهواء العلماء، مبتعدا عن العقيدة والأخلاق المؤطرة له، حتى يَغْتَدِيَ مُتَعَلِّقًا بالمصالح الظرفية فتنحصرُ منفعته في آنٍ محدد.

 والنظرياتُ العالميةُ التي سَيَّدَتْهَا فلسفةُ هذا الآنِ نَشَدَتْ سعادةَ الإنسانِ المطلقةَ في المحسوسات الوقتية، نظرا لتبعيَّتِهَا للأهواء التي ترى السعادةَ في المادِّيِّ ولا تراها في غيرِ المادِّي، فعلْمُها فاسدٌ خَلَّفَ هذا السيلَ العارمَ من الغرائز والشهوات والسلوكيات الفاسدة، ومدَّ جذوره حتى اغتدتِ الأزمةُ السلوكيةُ أزمةً عالميَّةً سارت وتسير بالإنسان نحو الضياع، حتى إذا عَشَّشَ الداءُ فينا وفَرَّخَ وباضَ تسرَّبَ إلى المعالم العلمية الأصيلةِ فأصابها بالشلل، وأَحَلَّ محَلَّها مفاهيمَ عقيمةً شبه علمية، فارغةً من مقاصد العلم الرفيعة، قائمةً على الافتراضِ والظن التابع للهوى، منقطعةً عن أصلها وفصلها بتَهَرُّبها المستمر من ذِكْرِ حقيقة الخَلْقِ والخالِقِ ومصير الإنسان بعد الموت، كأنما المعرفةُ لم تُعَرِّفْ إلا بذَوَاتِ ومُيولاتِ الْمُنَسَّبِينَ إليها.

 

إن فسادَ العلم وطغيانَ الماديات يفتحان الباب أمام فقدان الإنسان لإنسانيته وكرامته، ذلك لأن الإنسان فَطَرَهُ الله على العبادة، فإذا لم يعبد الله وقع في عبادة نفسه وهواها، أو في عبادة الأغيار، والذين تجاهلوا الخالقَ سبحانه عبدوا الأصنامَ وعبدوا النار والطبيعة، والذين استعلوا اليومَ على كل ما هو غير مادي وقعوا في عبادة المادة نفسها، وعبادة أنفسهم وشهواتهم المحسوسة ظنا منهم أنها سبيلهم إلى السعادة، ومنهم الذين تخلصوا من الدين والأخلاق بدعوى التحرر، فوقعوا في عبادة أدهى وأمر وفقدوا كل مزايا الاستقلال النفسي، فالإنسان بفطرته لا يستطيع الهروب من حقيقة عبوديته لله تعالى، وإلا تجرد من إنسانيته وانسلخ منها، والأخلاق التي يحاول التهربَ منها هي التي رفعته إلى المستوى الأرفع، وجعلته رائدا بحمله " أمانة القيم الفاضلة والمثل العليا"، فإن المعجزة الكبرى التي تحققها الأخلاق أنها تَرُدُّ للإنسان كرامته وتسمو به إلى مراتب الاحترام والإجلال، بينما يصبح عابد الملذات مجرد "كائن طبيعي" أسيرٍ لبعض الظواهر البيولوجية التي يشترك فيها مع الحيوان، فيضحي بالسعادة في سبيل الشقاء، وبالأعلى في سبيل الأدنى، فيعيش في فوضى واضطراب دائمين، ويصطدم أخيرا بواقع التفكك والتشتت النفسي والاجتماعي، وسرعان ما تنقشع اللذات الحسية فتنقطع الطمأنينة والراحة، ونموذج ذلك بَيِّنٌ عند عبيد الخمر والمخدرات والجنس وغيرها، ومن جهة أخرى فإن الإنسان يصبح مثل آلة من الآلات المخترعة إذا نَسِيَ اللهَ فأنساهُ اللهُ نفسَه، و نَسِيَ مصيره المحتومَ داخل القبر مهما اتخذ من أنفاق في الأرض أو سلالم في السماء، فلا شخصية ولا إرادة ولا تذوق ولا شعور حتى بحقيقة الانتماء إلى الحياة، فيصبح الإنسان تائها لا يجد الحقيقة التي تتحقق له بها السعادة الدنيوية والأخروية، فيقع في شَرَكِ " المعيشة الضنك " التي ذكرها الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم: " وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَّ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِِِ أَعْمَى " طه ـ الآية:124.

وقد أحسن فخر الدين الرازي رحمه الله في تبيين ذلك أثناءَ مقدمة كتابه عن العلم الإلهي عندما قال: " والسعادات إما جسمانية وإما روحانية : وقد دلت الدلائل الفلسفية والمعالم الحقيقية على أن السعادات الجسمانية خسيسة، وأقل ما فيها: أن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيها، بل إن الاستقراء يدل على أن تلك الحيوانات الخسيسة أقوى وأكمل في جانب تلك الملذات من الإنسان... وأما السعادات الروحانية فإنها باقية دائمة عالية شريفة تجذب النفس من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ومن ظلمات عالم الأجسام إلى أعالي عوالم المقدسات[2].

ويعتبر ابن خلدون رحمه الله الإنسان مَسْخًا على الحقيقة إذا انصرف عن الأخلاق والدين، حيث يقول رحمه الله:" إذا فَسَدَ الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه، فَسَدَتْ إنسانيته، وصار مَسْخًا على الحقيقة"[3].

إن الخطأ الذي يقع فيه أنصار النزعة العلمية والمادية المتطرفة أنهم يلتمسون السعادة التي تمثل المطلق الذي لا تحده حدود في شيء آني تحده أوقات محدودة، أو في شيء مادي محض سريع الزوال، ويغفلون عن العبادة الروحانية والسُّمُوِّ بالجسم

و النشاط العقلي عن أدران الماديات، فتلك هي اللذات القادرة على إشباع مطالب الإرادة الإنسانية الروحانية وإشباعها، لأنها خالدة لا يَعْقُبُهَا زوال، فهي مرتبطة بالروح الخالدة خلودَ الوجود، وخاضعةٌ لخالِقِ الخَلْقِ وصاحبِ الأمرِ سبحانه، لا للمؤثرات المادية، وهؤلاء الذين ينصرفون إلى الإشباع الآني لا يشعرون بالانتماء إلى الحياة، ويُحِسُّونَ القساوةَ لأنهم غفلوا عن السعادة الحقيقية الصاعدة إلى مقامات الطهر والعبودية لله تعالى، فآثروا العاجلة على الآخرة، و باعوا السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة بسعادة معجلة زائفة، ، كما يقول ابن القيم رحمه الله:

فيـا بائعا هذا بِبَخْسٍ مُعجَّلٍ        كأنك لا تدري، بلى سوف تعلمُ

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة        وإن كنتَ تدري فالمصيبة أعظمُ

فكيف بنا وقد هدانا الله إلى أقوم السبل وأعدَلِها نلتمس ما بأيدي غيرنا ونُضَيِّعُ أنفسَنا، وتجرفنا نحو الهاوية الفلسفاتُ والأفكارُ المتضاربة، إلا  تَكُنِ الغايةُ الإيمانيةُ الإحسانيةُ المطلبَ ما أفلَحنا في شيء، ولا نَفَعَتْنَا ثقافةٌ ولا علمٌ إذا لم يكنِ الإيمانُ حَادِيَه، فليس يبني مستقبلَ الإنسانِ ويُصَحِّحُ مسارَهُ إلا توبتُهُ وعودتُه إلى الله.

                                                         

      

           



[1]  إبن خلدون: المقدمة ـ بيروت 1956 ـ ص: 53.

 [2] فخر الدين الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي ــ الجزء الأول ــ الطبعة الأولى ص: 38 ــ 39.

 [3]  مقدمة ابن خلدون ــ ص: 674.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home