القلم السياسي

 

بلاط الفساد

سوسن البرغوتي



 

بلاط الفساد

سوسن البرغوتي
على صعيد المواجهة وتصعيد مطالبة الكيان الصهيوني بالتزام التهدئة من طرف الضحية في الوقت الذي تشن فيه الغارات واغتيال رموز المقاومة، وعلى حين غرة تتذكر تلك الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الفلسطيني ولصالحها، وتأكد على ضرورة الالتزام بها..!

اتفاقيات التسوية مشينة بالحق الشرعي للشعب الفلسطيني، ورغم ذلك فإن المطالب بالتقيد بها هو الجانب الفلسطيني، بمعنى أنها إملاءات الاحتلال الصهيوني.

أما على صعيد الفلسطيني الداخلي  يأتينا من قلب الحدث من يتجاهل واقع الفساد المالي، أو يتغافل، وفي كلا الحالتين المصيبة أشد كون "المتجاهل" نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني.
 
فقد صحا النائب عزام الأحمد فجأة من سباته مستغرباً فتح ملفات الفساد ، دون براهين وقرائن تثبت حجته بعدم وجود فساد، بل صب جام غضبه بتهكم وتهجم غير موضوعي على من يملك المستندات والوثائق بخلو خزانة المالية من سيولة نقدية لدفع رواتب الموظفين في هذا الشهر. في حين لم يعر النائب أي اهتمام لجوهر القضية بكشف ضياع وهدر المال الفلسطيني في بنوك سويسرا وفرنسا. ارتفع صوته فجأة يزمجر ويتوعد بمقاضاة النائب العام ومن يقف خلفه على مرأى من العالم وأمام الصحافة في فتح ملفات التسيب بأموال السلطة المحلية، وكشف النقاب عن ضياع أكثر من مليار دولار من مال الشعب الفلسطيني، دون مراعاة معاناة الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت خط الفقر في قطاع غزة والضفة الغربية نتيجة البطالة. وفي أحسن الأحوال يبلغ متوسط دخل الفرد بضع عشرات من الدولارات ،  في حين أن السيدة الأولى سابقاً تحصل على مائة ألف دولار شهرياً..

يناقض النائب نفسه مرة ثانية ويعلن عن وجود معتقلين على ذمة التحقيق منذ فترة طويلة حتى قبل أن يعين النائب العام الحالي، وقال "هذه ملفات قديمة منذ قيام السلطة الفلسطينية"، فما هي الخطوات الجادة المقدمة من المجلس التشريعي خلال العشر سنوات لمتابعة وإرجاع تلك الأموال إلى خزينة السلطة؟.
 من أبسط واجباتك الوطنية أيها النائب أن لا تنتظر الأمور تفلت من المساءلة بتجاهل وتغاضي متعمد حتى تدلي بهذا التصريح ، أم أن مسؤولية النواب في المجلس التشريعي هي مهنة وليست مهمة وطنية!.
ثم أن الإيماءات دون التصريح عن تلك الرموز الفاسدة هو تواطؤ للتعتيم عليها، بغية استفرادها بمئات الملايين، مقابل الحفاظ على راتب شهري وبقيمة ثلاثة آلاف دولار كنائب في المجلس التشريعي، لكنه آثر أن ينضم إلى جوقة الصامتين.
 يدرك تماماً أن "ورثة" المال والسلطة تركوا الرئيس عرفات يصارع سكرات الموت جراء تسممه، وقاموا بعقد صفقة
تقاسم لتلك التركة التي هي حق طبيعي للشعب الفلسطيني ، لكنها استقرّت بينهم وبين رصيد السيدة  الأولى!. ولهذا فإن إصرارها بنقل أبو عمّار إلى فرنسا لم يكن من باب الصدفة أو لسبب إقامتها بقدر معرفتها بأن القانون الفرنسي يقضي بأن الزوجة مخولة بتقرير توقيت نزع الآلات الطبية بعد موته سريرياً...
وبهذا استطاعت سها الطويل أن تقايض السلطة بالمال مع من وصفتهم باستغاثتها في ساحة المستشفى في باريس وهي في حالة هستيرية بأن القادمين إلى باريس  حفنة من "المستورثين" ، وأعلنت صراحة طالبكم أن تروا حجم المؤامرة وأنهم يحاولون دفن أبو عمار وهو حي".
 لم يكن هذا من باب الوفاء بل لتقاسم إرث الشعب الفلسطيني، وجني الثمار على أنقاضه وتداعي قضيته، خاصة وأن السيد خالد سلام المستشار الاقتصادي والمقرّب من سها الطويل يعلم خفايا الأمور المالية للرئيس المغدور، بعد أن كان محرراً وناشراً في إحدى مجلات م.ت.ف في تونس ، وهو من أصل كردي ويدعى محمد رشيد أصبح بعدها صاحب السيطرة على حسابات عرفات السرية.
 أين كانت سها الطويل طيلة ثلاثة أعوام وزوجها الرئيس الفلسطيني وشعبه يعانون الحصار والمقاطعة، وكيف دعمت شعبها في نضاله ضد الاحتلال سوى أن نفقاتها والابنة الوحيدة في باريس باهظة ، والشعب الفلسطيني يتضرع جوعاً!؟.

ذكرت صحيفة "لوكانار انشينيه" الأسبوعية الفرنسية، وأشارت في عددها (11/2/2004)  إلى أن محكمة باريس بدأت منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2003 تحقيقاً أولياً يستهدف تحديد مصدر نحو 9 ملايين يورو، وضعت في حسابين مصرفيين باسم زوجة عرفات (سهى عرفات) في باريس حيث تقيم حالياً في قصر فخم مع ابنتها زهوة، في حين يقيم معظم الفلسطينيين في المخيمات وفي بيوت من الصفيح، وفي العراء داخل فلسطين وخارجها. وقالت الصحيفة الفرنسية إن التحقيق يرمي إلى تحديد مصدر نحو تسعة ملايين يورو (11.5 مليون دولار) حوّلت إلى حسابات سهى عرفات المصرفية، وأضافت إن مليونين من أصل الملايين التسعة دفعت لمكتب مصمم الديكور الباريسي الشهير ألبرتو بينتو لأسباب لم يحددها المحققون بعد (قالت بعض الأخبار لتغطية نفقات القصر المنيف الذي يبنيه عرفات الآن في تونس). وأكد المدعى العام الفرنسي ما أوردته الصحيفة بأن تحقيقاً بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2003 حول حسابات سهى عرفات، وذلك بناء على معلومات من بنك فرنسا المركزي وهيئة مكافحة غسل الأموال. وقال مكتب الادعاء إنه يريد فحص تحويلات من مؤسسة سويسرية إلى حسابين منفصلين لسهى في باريس خلال الفترة ما بين يوليو/ تموز 2002 ويوليو/ تموز 2003".

بعد كل هذا وما زال النائب الأحمد يصر على عدم وجود تسيب في أموال فلسطينية!، والأرقام الفلكية كما وصفها ليست دقيقة، والملفات لم يتم التحقيق بها  ليرصد الاختلاسات بشكل نهائي ، وما عرض ملفاً واحداً منها لكفيل بإعطاء فكرة مبدئية عن مستوى فساد البلاط والبطانة السلطوية.
أما المساعدات الأوربية كانت تصرف على مشاريع التنمية ، حسب زعمه ، فأين تلك المشاريع التي من المفترض أن تشغّل اليد العاملة الفلسطينية، أم أنها اقتصرت على بناء الفنادق الضخمة والشقق الفخمة وبناء نادٍ للقمار في أريحا!؟.
 بل أين ذهبت ملايين الدولارات التي رصدت مساعدات عينية ودعم الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل من الشعوب العربية وفلسطيني الشتات  كحملات مكثفة عبر تبرعات نقدية وسبائك ذهبية شاهدها العالم بأسره على شاشات التلفاز وقتذاك..!؟
 اعتبر السيد النائب عزام الأحمد أن صفقة الإسمنت واهية ولا تحتكم إلى المنطق كون "إسرائيل" تستطيع تأمين المواد من مصادر أخرى لبناء الجدار العازل النازي.! لكنه تجاهل لمرات متتالية أن تلك الصفقة التجارية تمت في وضح النهار دون أي اعتبار أن هذا الجدار سيخنق الفلسطينيين اقتصادياً، وأنه يفصل العائلة الواحدة، ويثّبت الدولة العدوة بحجب وعزل الشعب داخل كنتونات. وتناسى كونه نائب أتى للمجلس على خلفية تحريم بيع أراضي فلسطينية إلى "إسرائيل"..!، وما قام به البطريرك السابق
ايرينيومس الأول والقائم على الكنسية الأرثوذكسية في القدس من بيع ممتلكات فلسطينية عربية..
 وتناسى مصير مجهول لمئات من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات صبرا وشاتيلا في لبنان بين التطهير والترحيل ، وتضييق الخناق على فلسطيني العراق لهدف التهجير، وسعادة النائب لم يعط أهمية تلك القضية الملحة أولوية البحث عن البديل بأسرع وقت، وتوظيف المال الكافي لحمايتهم من الهلاك المنتظر.

كل تلك التساؤلات المليئة بالشكوك أوصلت الحكومة الفلسطينية السابقة إلى انهيار ذريع نتيجة نقصان في المال العام، واستئثار الفاسدين.
 قضايا الفساد باتت فضيحة ممارسات سلطوية سابقة لا يستطيع أحد تجاهلها، أو اعتبارها قضية جانبية أو أرقام فلكية، وأن المطالبة بوجود لجنة مستقلة تتقصى الحقائق في ملفات الهاربين من المحاسبة وإرجاع المال من البنوك الغربية إلى مكانه الصحيح  ضرورة هامة قبل الدعوة مجدداً بإعادة  دعم قضية الشعب الفلسطيني إلى أجندة اهتمامات عربية ودولية.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home