دراسات هامة

 

مظاهر من التاويل النحوي في سورة الكهف الجزء الثالث

معمر العاني



المبحث الخامس التقديم والتأخير

ذكر الجرجاني أنّ التقديم يكون على وجهين "تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل ما أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل. والتقديم لا على نية التأخير ولكن أن تنقل اللفظ عن حكم إلى حكم وتجعله في باب غير بابه وإعراب غير إعرابه، وذلك أن تجيء على اسمين يحتمل كل واحد منها أن يكون مبتدأ والأخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك وأخرى ذاك على هذا[1]. ويرى ابن جني أنّ التقديم والتأخير على ضربين: أحدهما: ما يقبله القياس، والآخر ما يسهله الاضطرار[2]. وهو فن من رفيع معرفة أهل البصر بالتعبير، والذين أوتوا حظا من معرفة مواقع الكلام، وليس ادعاءً يدعى أو كلمة تقال، وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن كما في غيره الذروة في وضع الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب[3].

ودراسة هذا المبحث تشتمل على أمرين: أحدهما تقديم اللفظ على عاملة، والآخر تقديم اللفظ على غير عاملة لعلة ذكرها النحويون والمفسرون.

الأول: تقديم اللفظ على عاملة: ومواضعه في السورة:-

أ- تقديم الخير على المبتدأ: دوّن النحويون شروطا لتقديم الخبر على المبتدأ في مظانهم[4]ومواضعه في السورة هي:-

قوله تعالى ]قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض[(الكهف: من الآية26)، قدم الخبر جواز، لأن المبتدأ لم يكن نكرة محضة أو غير مقيدة، فهي نكرة خصصت بالإضافة. وذلك من المسوغات التي اصطلح عليها النحويون للابتداء بالنكرة. فقد ذكر عباس حسن أن النحويين أوّلوا مواضع النكرة الواقعة مبتدأ إلى نحو أربعين موضعاًً[5]. وإنما قدم الخبر المجرور لإفادة الاختصاص، أي: لله لا لغيره رداً على الذين يزعمون علم خبر أهل الكهف ونحوهم[6].

وقوله تعالى ]هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَق[(الكهف: من الآية44)، يجوز أن يكون هنالك خبرا مقدما والولاية مبتدأ: والعامل في هنالك الاستقرار المحذوف الذي قام هنالك مقامة[7]. ونص بعض النحويين على أن الظرف إذا وقع خبرا فهو منصوب بالفعل المحذوف لفظا ومعنى، فهو غير مطلوب ولا مقدر بل اكتفى بالظرف عنه وبقي منصوباً[8]. وتقدير الآية الولاية لله الحق هنالك أي: يوم القيامة[9] والتقديم هنا جائز،لأنه معرفة.

 ومما يلزم تقديمه فيما وقع المبتدأ نكرة والخبر ظرفا[10]. وقوله تعالى ] بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً[(الكهف: من الآية58)، فالخبر واجب التقديم، لأن المبتدأ نكرة محضه ومخبر عنها بالجار والمجرور (لهم) . وبنحوه أشار ابن جني إلى أن قولنا: لك مال وعليك دين، فالمال والدين هنا مبتدآن قبلهما خبر عنها، إلا أنك لو أردت تقديمهما إلى المكان المقدر لهما لم يجز لقبح الابتداء بالنكرة في الواجب، فلما جعلنا ذلك في اللفظ أخروا المبتدأ وقدموا الخبر، وكان ذلك سهلا عليهم مصححًا لما فسد عندهم، وإنما كان تأخره مستحسناً من قبل إنه لما تأخر وقع موقع الخبر ومن شرط أن يكون نكرة، فلذلك صلح به اللفظ وان كنا قد أحطنا علما بأنه في المعنى مبتدأ[11]..

وقوله تعالى ]وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [(الكهف: من الآية88)، فمن قرأ بالرفع[12] جعله مبتدأ وله الخبر[13]. وجاز تقديم الخبر، لأنه شبه جملة والمبتدأ نكرة مضافة.

ب- تقديم خبر كان وما يعمل عملها على اسمها:- نحو قوله تعالى ]وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [(الكهف: من الآية34)، قدم خبرها (له) على اسمها النكرة (ثمر)[14]. وفي ذلك ذكر النحويون أن النكرة إن دخل عليها ناسخ لا تكون مبتدأ وإنما تصير اسما للناسخ ومن ثم يصح في أسماء النواسخ أن تكون في أصلها معارف أو نكرات كقولهم كان إحسان رعاية الضعيف....[15].وعلى هذا فأن دخول الناسخ على النكرة يسوغ الابتداء بها.

 قوله تعالى ]وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ[(الكهف: من الآية43)، (له) خبر مقدم، وفئة اسم كان مؤخر. ويجوز أن يكون ينصرونه الخبر ولا وجود للتقديم هنا[16]. والوجه الأول عند سيبويه، وانشد:

لتقرين قربا جلذيا                          مادام فيهن فصيل حيا[17]

 وخالفه أبو العباس محتجا بقوله تعالى ]وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[(الإخلاص:4)[18]. وجاز أن تكون جملة (ينصرونه) صفة، والخبر الجار والمجرور[19]. فيكون اسم كان مخصصا بالنعت فيسوغ الابتداء به.

وقوله تعالى ] وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً[(الكهف: من الآية79)،قدم الظرف على اسم كان[20].، قال الزجاج "فأما الظرف إذا كان خبرا كان تقديمه على اسم (كان) كثيرا"[21].

ت- تقديم خبر إن على عاملها: والشاهد فيه قوله تعالى ]وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً[(الكهف: من الآية2)،قدم خبرها الجار والمجرور (لهم) على اسمها (أجرا)[22].

ث- تقديم الظرف أو الجار والمجرور على عاملها:

ونحو قوله تعالى ] فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً[(الكهف: من الآية10)،تقديم الجار والمجرور للاختصاص، أي: رحمة مخصوصة[23]. ومنه الآية نفسها (وهيئ لنا من امرنا رشدا)، تقديم المجرورين على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما، وإبراز الرغبة في المؤخر، وتقديم المجرور الأول على الثاني للإيذان من أول الأمر بكون المسؤول مرغوبا فيه لديهم[24].

وقوله تعالى ]وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [(الكهف: من الآية60)،فأن تقديم المجرور هنا بمعنى الاعتناء بالمقول له، وتشريعه والاهتمام به وتخصيصه بتلك المقالة دون غيره[25].

وقوله تعالى ]فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ [(الكهف: من الآية71)، يجوز أن تكون إذا ظرفية فينبني نظم الكلام على تقديم الظرف على عامله، للدلالة على أنّ الخرق وقع بمجرد الركوب في السفينة، لأن في تقديم الظرف اهتماما به، فيدل على أن وقت الركوب مقصور ولإتباع الفعل فيه[26].

ح- تقديم المفعول به:- وشواهد في السورة هي:

قوله تعالى ]وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ[(الكهف: من الآية39)،إذا كانت (ما) شرطية فهي منصوبة بشاء، فقدمت عليه لأن الفعل واقع عليه[27]. فالمفعول من الألفاظ التي له الصدارة في الكلام[28].

وفي الآية نفسها قوله تعالى (ولولا إذ دخلت جنتك قلت...) يجوز أن تكون إذ منصوبة بـ (قلت)،وفصل بينه وبين لولا وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك لأنه ليس بأجنبي[29].

وقوله تعالى ]مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً[(الكهف: من الآية17)، (من) في الموضعين شرطية في محل نصب مفعول به على الفعل[30]. لأنها من الألفاظ التي لها الصدارة في الكلام، وإنما تنصب على المفعولية لأن الفعل بعدها لم يستوف مفعوله.

قوله تعالى ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا[(الكهف:1)،فأخر المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع إن حقه التقديم عليه ليصل بقوله تعالى ((ولم يجعل له عوجاً)) إلى الكتاب[31].

ج- تقديم الحال على عامله: وقوله تعالى ]هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقّ[(الكهف: من الآية44)، هنالك منصوب على الظرف متعلقا بخبر الولاية وهو لله، أو بما تعلق به، أو بمحذوف على انه حال منها، والعامل الاستقرار في الله عند من يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي[32].

والمقرر عند النحويين أنه لا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي، وهو ما تضمن معنى الفعل من غير حروفه، كأسماء الإشارة وحروف التمني والتشبيه والظرف والجار والمجرور، فلا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي في مثل هذه، وقد قدر تقديمها على عاملها الظرف والجار والمجرور وأجازه الأخفش قياساً[33] .

ومن مسائل التقديم والتأخير في سياق الآية، ما ذكره غير واحد من النحويين والمفسرين في قوله تعالى ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا[(الكهف:1)، إن في بداية هذه السورة تقديم وتأخير، أي: أنزل الله الكتاب قيما ولم يجعل له عوجاً[34]. كأنه قال احمدوا الله على إنزال القرآن قيما لا عوج فيه، ومن عادة البلغاء أن يقدموا الأهم، قال: الكرماني إذا جعلت (قيما) حالاً وهو الأظهر فليس فيه تقديم ولا تأخير[35]. وانكر الرازي أن يكون في الآية تقديم وتأخير، لأن قوله (ولم يجعل له عوجاً) يدل على كونه في ذاته، وقوله( قيما) على كونه مكملاً لغيره، وكونه كاملاً في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملاً لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله (ولم يجعل له عوجاً قيماً) ، وان ما ذكره من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه[36]. وجوز السمين كون (قيما) حالاً ثانية، والجملة المنفية قبله حال أيضاً، وتعدد الحال لذي حال واحد جائز، والتقدير: غير عاجل له عوجاً قيما[37]. ومجازه يدل على انتفاء أن يكون في الآية تقديم وتأخير وإنما هي على حالها، وهو ما يطمئن إليه الباحث، لأن دعوى التقديم والتأخير مردودة بالدليل العقلي والنقلي.

الثاني- تقديم اللفظ على غير عامله: ويرد لعلة يذكرها النحويون وأصحاب البيان تدل على عظمة التعبير القرآني في استعمال الكلمة في سياقها، ويلتمس الباحث هذه المسألة في المواضع الآتية:

1- في الأعداد: ونحو قوله تعالى ]سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ[(الكهف: من الآية22)، وكذلك جميع الأعداد، وكل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات[38]. فقدم الثلاثة على الأربعة وهكذا، فيناسب ترتيب الأعداد.

2-في المنزلة (الأعلى والأدنى): ونحو قوله تعالى ] مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [(الكهف: من الآية49)فقدم الصغيرة على الكبيرة، والغرض هنا التدلي من الأعلى إلى الأدنى[39]. أو التنقل من الأقرب إلى الأبعد. فإن قلت: لم لا اكتفي بنفي الأدنى ليعلم منه نفي الأعلى بطريق الأولى؟ قلت: يعلم جوابه مما سبق من التقديم بالزمان[40]. ويسميه في موضع آخر بلاغة الترقي[41].

3-في العناية بالأهم: ومنه قوله تعالى ] وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ


  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home